الأربعاء، 17 أكتوبر، 2012

12 ساعة


ساعات المساء تمر على من لا يملك سوى وحدته كدهر، ثقيلة هي كحجر سيزف.
ومن هو مثلي يملك حريق لا ينطفأ داخله فهي تُمثل ساعات العذاب اليومية، ذلك الذي لن أحكي لك عنه شئ بل سأحكي لك عن أفضل يوم بحياتي.

12 ساعة فقط هي كل ما قضيته معه ذلك الذي أخذ القلب معه ورحل.
أه تذّكرت لا كلام حزين هنا. إذن ..

هل تعلم ذلك الوقت الذي تقضيه أحيانًا مع شخص فيجعل لك الأكسجين أنقى والألوان أنقى والشمس أسطع والنجوم كثيرة متراقصة ويجعل قلبك ينشد موسيقى وكأنه يقضي الوقت في برادواي.
يبدو كلامي مبتذلًا حتمًا تعتقد أني من هؤلاء الفتيات اللاتي لا يشغلهن شيء سوى بعض الأمور التي قد تراها تافهة، منهن اللاتي لا يهمهن سوى الحب الجديد الذي ستتباهينْ به أمام الصديقات بالنادي. ولكنى أؤكد لك أني لست كذلك على الإطلاق.
والآن حقيقة لا يهمني ما ستعتقده فيَّ لأنك ستجد ما تحكم به ضدي في أمرٍ ما .. لذا لا يهم من أكون، أنا "م" بالنسبة لك ولكن قصتي حتمًا سيهمك سمعها على تشابهها مع غيرها ولكن يمكنها أن تُعلمك شيئًا عن حتمية الإقدام على إتخاذ قرار جريء في الوقت المناسب لذلك حتى لا تخسر كل شيء ..
أنت الآن علمت ما أريد أن أوصله لك من قصتي لذا أمامك خيار عدم إكمالها إن أنت أردت ذلك ..

حسنًا فلنكمل أو لنبدأ من الساعة العاشرة صباح يوم جمعة شتوي، أحب الشتاء والمطر وأحب أن أكون بالطرقات في أوقات المطر لذا حين علمت من التلفاز أنها ستمطر صباحًا استيقظت في وقت مبكر وأخذت معي معطف ثقيل حتى ألبسه بعد أن أغسل روحي بماء المطر، هل تعلم أن ماء المطر يغسل الروح من الأحزان أحيانًا فهو كالسحر عليك أن تؤمن بذلك حتى يتم.
نزلت من منزلي ورحت أجوب الطرقات الشبه خالية ثم قررت أن يكون يومًا جنونيًا لذا سأركب أول أتوبيس يظهر أمامي وحدث.
ذهبت لأماكن جديدة لم أزرها من قبل ثم رأيت النيل أمامي فطلبت من السائق أن ينزلني سيكون المطر أحلى وأنقى بجانب النيل.
وهناك رأيته ..
يجلس على مقعد مواجه للنيل وينظر له وكأنه يُجري معه حديثٌ ما ويُناجيه. جذبني له، لا أدري ماذا ولكني مشيت نحوه كالمسحورة. لا تعجب إنه يحدث فعلًا بالحياة وليس بالأفلام فقط.
جلست على الطرف المقابل من مقعده، أنظر للنيل وأختلس النظر له. تعرف هؤلاء الأشخاص الذين تُحيط بهم هالة من الأهمية وكأنه رئيس دولة كبرى تنازل وجلس بجانبك هنا على هذا المقعد العام. هؤلاء الأشخاص ذوي المغناطيسات والشعر الأسود الذي يتخلله شعيرات رمادية تجعلهم أكثر جاذبية وملامحهم حادة وفي نفس الوقت يملئها الحنو؟ إن أنت قابلت أحدًا منهم ستفهم معنى السحر.
قال لي دون أن يلتفت: النيل ساحر في الشتاء، صفحته تتلألأ ووقت الأمطار تصبح مُفعمة بالحياة .. تجعلكِ تتنفسين أفضل، هكذا كالإيحاء تأخذين نفس عميق ومعه رائحة الشتاء ثم تخرجينه محمّلًا بهمومك.
يقولون أن الشتاء يبعث على الاكتئاب ولكني أراه ينظف الروح من أوجاع العام كله وهذا حملٌ ثقيل على فصلٍ واحد، أليس كذلك؟!
أجبته مبتسمة: نعم إنه كذلك.
ثم قُلت: أنا أحب الشتاء ونزلت اليوم لأقضيه بين قطرات المطر والشوارع الخالية، معظم من حولي يرى الشتاء كما تقول فصل كئيب ولكنهم لا يفهمونه، كما لا يفهمون أشياء كثيرة مختلفة عنهم. الشتاء واضح وصريح، واضح في دفئه وواضح في غضبه ويحن عليك حين يُخلّصك من أوجاعك ليغسلها عن روحك في طقسٍ مُرهق.
أعجبه اتفاقنا على حب الشتاء ثم بدأ المطر يهطل .. نظر كُلٍ منّا للأخر وكان كأننا نتخاطر، نتشارك أفكارنا دون كلمات. وقفنا وسرنا معًا تحت المطر.
لا أعلم ماذا دار داخله ولكني أؤكد لكَ أن داخلي كان هناك اوركسترا تعزف أعذب الألحان وعصافير تطير مغردة وزهور تتفتح تحت المطر وقلبٌ يذوب.
مشينا كثيرًا لا أدري كم من الوقت يمكن ساعة، توقف المطر فتوقفنا تلقائيًا. وكان حظنا سعيدًا أننا توقفنا أمام مطعم فنظر إلىَّ وسألني إن كنت أرغب أن أشاركه إفطاره فرحبّت كل خلية بداخلي بالطبع ولكني عملت على ألا يظهر هذا.
وما أسعدني أكثر أنه قام بفتح الباب لي !
كم من الرجال الآن يفعل ذلك، يالحظي.
وفوق ذلك قام بسحب الكرسي لي كي أجلس، لم يجلس غير مُبالٍ لا اطمئن أولًا علىَّ .. حانٍ هو كثيرًا.
طلبنا الطعام وجلسنا نأكل ونتحدث وأراقب كل ما يفعل وهو يقوم بتقطيع الطعام ويأخذه حتى يصل لفمه ليأكله وهو يقوم بمضغه حتى تفاحة أدم برقبته كانت مختلفة.
أصابعه ويده وعيناه، كنت مُقيدة به وأسيرة لكل حركة وصوت منه.
وأستطيع أن أقول أنه بات يعرف عني أكثر مما أعرف أنا عن نفسي وعرفت عنه الكثير. كُنّا نتحدث ونضحك ولا نبالي بمن حولنا ولا نبالي بالوقت ولا نبالي حتى بالمطر الذي جمعنا. فقط أنا وهو.
عاد المطر يهطل فسألني إن كنت أرغب في معاودة السير تحته .. وافقت وأعتقد أن الفرح كان جليّـًا على وجهي لأنه ابتسم كثيرًا.
عُدنا للمطر ولكن لأسفي أيضًا للصمت ولكن روحه تؤنسك بشكل يصعُب معه ملاحظة السكون هذا، هو حتمًا معك بكل اهتمام وانتباه وحنانٍ وإن لم يتحدث كثيرًا. قليلون من هم يُشبهونه، قُلت لكَ ذلك قبلًا.
وكان وقتنا هكذا نمشي تحت المطر ونستريح في أول مكان يُقابلنا بعد توقف المطر ولحظنا كان يومًا ممطرًا بشدّة.
حدّثني عن عائلته وعمله وحتى حكايات غرامه القديمة، عرّفني على ما يُحب وما لا يطيق وبالطبع كنت أبادله الحديث. ثم وسط الحديث أخبرني عن سعادته البالغة بهذا الوقت الذي قضاه معي ومع الشتاء. أخجلني وكنت أظن أني لا أخجل هكذا، كنت أشعر باللون الأحمر وهو يصعد لوجهي ونظرت للأرض حتى لا يُلاحظ ولكنه لاحظ بالتأكيد.
أردت أن اُدندن له هذا اللحن الذي يتم عزفه داخلي وصوت العصافير أو حتى أعطي له يدي حتى يسمع هو بنفسه ليتأكد.

لكني جفلت.
نعم اعتقدت أنني وجدت نصفي الأخر بالصدفة في يوم شتائي ممطر كما أحب أيامي .. كل العلامات كانت تُشير إليه ولكنني غفلت عن قرائتها .. متعمدة ..
أخبرته أن الوقت قد تأخّر ويجب علىَّ أن أمضي الآن لمنزلي الذي لا أعرف كيف سأصل له فلم أنتبه منذ الصباح إلى الأمكنة التي ذهبت إليها.
أردت أن أخبره أنني منذ رأيت شعيرات رأسه الرمادية قد أحببته .. هكذا ببساطة وبصدق.
ولكن من يفعل ذلك ؟!
كان كل شيء جميل أكثر من اللازم لذلك خشيته.

ودّعته .. ووضعت قلبي في يده ومضيت محاولة بكل قوتي ألا أنظر خلفي.
قوة كان يجب أن أستخدمها في المكان الصحيح بأن أخبره كما كنت أتوق لكل كلمة تخرج من فمه بصوته العذب.
ولكن قوتي الآن أن أمضي دون أن أقع أجزاء منكسرة بفعل المطر. يكسرك المطر أحيانًا إن لم تأخذ حذرك يتسلل داخلك للأماكن التي تحفظ توازنك. يتسلل في الفراغ الذي أحدثه سقوط قلبك فيتشعب لباقي جسدك فيفك الغراء الذي مضيت سنين تلصق به كل جزء بالأخر.
كان يجب عليَّ فقط أن أستدير لأجري له وأقول: موسيقاي يُمكنها أن تُذهب عنك حُزن الشتاء لتنّمي الربيع بقلبك ويمكنك أن تأخذ من عصافيري أيضًا .. سأكون حانيًة معك وأكون كريمة. سأكون كما تُريد كما قُلت لي بين كل سطور حكاياتك.
ضعفت ومضيت بثقل المطر داخلي. وددت لو لحق بي ولكن مثله ذو كرامة تمنعه من ملاحقة ضعيفة مثلي. وددت لو وضعها جانبًا ولحق بي .. لما ألومه الآن !

وهكذا أقضي ساعاتي الشتائية ليلًا أخاف المطر، الحريق بداخلي يخشى أن يُطفئه المطر فأنساه للحظة ..
أعيش بمنزل هو فقط منزل ومأوى ولا يمثل بيتي لأن بيتي تركته معه تحت المطر.


ساره عاشور

الأحد، 14 أكتوبر، 2012

لُعبة ..

 
غالبًا ما توصف المرأة بالحنو ويوصف الرجل بالجفاء .. هنا اختلف الأمر.
"مبقتش فاضي لا للعتاب ولا للعناد ولا للتراضي .. بتضيعي وقتك على الفاضي
ومن الساعة دي بقولك إنتِ بالنسبة لي ماضي والأظلم بيكون البادي .."*
ما إن سمعتها على الراديو ومعها إسمه كإهداء لحبُه الذي أصبح قديم فهمت أنها المعنية بهذا، ابتسمت بهدوء وجلست تستمع لبقية كلمات الأغنية لأنها رسالته لها.



بقيت شهور وهي تُلهب علاقتهما بألسنة تناقضاتها، تارة تُحبه ولا تقدر على أن تمر ثانية دون وجوده معها وتارة أخرى تريد أن تختلي بنفسها لتُرتب أمور حياتها وتعيد حسابتها وهذا هو ما يعني ان فقط اغرب عن وجهي الآن وهذا ما حفظه هو فيما بعد.

كان يُحب هذه التناقضات والشخصيات المتعددة في البداية التي تبدو معها وكأنها امرأة جديدة كل يوم ثم ما لبث أن اُرهقت روحه بعد ذلك فعليه أن يحفظ كل تقلب لها والتصرف المناسب معه، عليه أن يملك سرعة بديهة شديدة تُمكنه من التقاط اشارات الشخصية الجديدة اليوم قبل أن يثور بركان غضبها لأنه لا يعرف كيف يتعامل معها وهو الذي وعدها أنه يمتلك القدرة على احتوائها بكل تعدداتها ليكون كغلاف الجليد الذي يحوي البركان داخله فيقي الجميع شر حِمَمَهُ.


صدّق هو انه لديه هذه القدرة العظيمة على احتواء مثلها، أخذه انبهاره بها حد عدم قدرته على التقييم الصحيح ما تكون هي عليه مقابل ما يملكه هو. كان يهمه فقط أن تكون هي بحياته. كانت تتعامل معه وكأنها هي الرجل الشرقي بهذه العلاقة، هي من لا تستطيع أن تُحدد إن كان ما تشعر به هو حب أم هو مجرد إعجاب !

هو يهتم بها ويسأل عن أحوالها دائمًا وهي تتهرب منه وتتحاشاه. هو من يجلس جانبًا بنتظرها في أوقات فراغها لتُلقي عليها ببعض رذاذ من شبه حنان فتسقي قليلًا زهرة الحب بقلبه لتبقى حية.
هو كان بقلب امرأة وهي كانت بجفاء رجل .. علاقة ذات معادلة مقلوبة.

كانت تمسك بخيط اللعبة جيدًا، تعرف متى يحين وقت ظهورها حتى لا يملّ فتخسره ومتى تختفي حتى لا يعتاد على وجودها كثيرًا .. وهو من أجل حُبّه لها تحمّل وهو يُمني نفسه بأنها لأجله ستتغير.

حاول معها كثيرًا، حاول إثارة غيرتها، حاول أن يبتعد كليًا عن مشاهد حياتها. حاول وفشل في كل مرة. لم يكن حنينه يسمح له بتخطي خط وجوده بدائرتها وإلا انطلقت صفارات الإنذار ليل نهار لتؤرقه فيعود يجر أذيال الخيبة.

ما قصم ظهر احتماله وجعل ثورته عارمة حينما اكتشف أنها تبدأ علاقة جديدة مع شخص جديد. ثار البركان الذي بقى لوقت طويل يهيل عليه التراب ليخمده لكنه فقط خبأئه.
بحث عنها بكل الوسائل، حاول الاتصال بها كثيرًا، زار كثيراً كل الأماكن التي تُحبها هي ولكنه فكر أنه ربما تغيرت هذه الأماكن الآن حسب الشخص الجديد ثم جلس يفكر هل يهتم بها مثلما كان يهتم هو بها؟
هل يسعى بكل جوارحها لارضائها كما كان يفعل هو؟
هل يسقى أرضها بحنانه حد الاغراق كما فعل هو؟
وهل تمسك بخيوطه هو الأخر أم أنه هو من يُمسك بخيوطها ؟! حتماً هو من يُحركها حتماً هو الرجل الجافي وهي المرأة الحانية ..
كل فعل يأتي له وقت رده كاملًا لصاحبه ولو بعد حين.

جلس ساعات الليل كاملة أمام النيل وأفكاره تتحرك مع انعكاس ضوء القمر على صفحة مائه. تهتز وتهتز ثم ما إن بدأت خيوط الضوء في الصعود للكون حتى قرر أنه لن يلحق بها مجددًا بل سيجعلها هي تندم فمن يُمسك بخيوطها هذا حتمًا سيكسرها في مرحلة ما عليه فقط أن ينتظرها.

وصدق ظنه ومثلما لم يطل الوقت حتى يُرد لها فعلها لم يطل الوقت أيضاً حتى أتت له ليسقي أرضها العطش لحنانه وليُصلح لها خيوطها لتسلمها له راضية. أتت له لتعلن في إنهزام أنها ستتغير لأجله كما أراد ولكنه أراده فعل إرادة وليس فعل إنكسار.

وبكل قسوة تعلمها منها رفضها ومضي راضيًا بقراره وخياره وحياته دونها ..


*أغنية مبقتش فاضي لمحمد محي

ساره عاشور

الثلاثاء، 9 أكتوبر، 2012

تشابه


أصبح الجميع يشبهون بعضهم !
تختلط عليَّ ملامحهم .. ملابسهم .. حتى في مشاعرهم، لا شيء يُميزهم !
ما إن ينجح أحدهم في التقاط شيء ليتميز به عن غيره فيرى غيره نجاحه
فيقلده !
أصبحوا نُسخ ممسوخة من بعضهم البعض !

يتشابهون .. فيختلطون

غير مميزين ..
حتى أن أصبح الشرير بثوب الطيب
والطيب بالثوب الأسود
فأصبح كلٍ منهم أحمق !

أصابعهم مختلطة بكلام مكرر
أفواههم تحمل ابتسامات صفراء
هذا إن هم ابتسموا في الأساس !

يمشون على الأرض بوجوه هي الأقرب للبلاستيك
تكرر الفتيات صيحات الموضة
ليكرر الفتيان صيحات الموضة
فيمضي كلٍ منهم يزيف مشاعره
لتتماشي الآن مع الموضة !

لون المعنى اختلط عليهم
كلماتهم ضبابية ..
مشاعرهم مُعلبة ..
ملابسهم مقلدة ..
ابتسامتهم محنية ..
وجوههم بلاستيكية ..

ممسوخين .. مجهولي الهوية ..


ساره عاشور

الاثنين، 8 أكتوبر، 2012

رحيل


"بيني وبينك سور ورا سور .. وأنا ولا مارد ولا عصفور"*

جلس يُدندن بها وهو يُشاهد الطيور الحديدية تعلو وتهبط بالمطار معلنة رحيل أحبة لإناس أو وصول أحبة لإناسٍ أخرين. ساعتين بعد وداعه إياها وهو يجلس يُراقب حركة الطائرات بالمطار.
أثقل قدميه الشعور بالعجز فلم يقو على مغادرة المكان إلا بعد أن رأى خطوط النور بدأت تعلو بالسماء فعاد لمنزله.

كانت زميلته بالجامعة، أحبها في صمت لعلمه أنه يحتاج لسنوات حتى يقدر على الزواج بها. اكتفى بأن يتابعها بشغف. يعلم ما تحب وما تكره ويحفظ عن ظهر قلب صدى ابتسامتها ويعلم قلبه بحضورها قبل أن تملئ المكان حوله.

انتهت أيام الجامعة ولم ينتهي من قلبه حبها، مضيت قدماً بحياتها وهي لا تدري بمن يذوب في تفاصيلها فتزوجت وأنجبت ثم بعد سنوات قابلته بالصدفة في مؤتمر وجلسا ليتحدثا ليبوح لها بكل ما يملك منها في قلبه. لتفاجئه بأنها كانت تشك بأنه يحبها فلا يوجد امرأة لا تستطيع قراءة نظرات رجل يحبها، قضيا وقتاً طويلاً يتحدثان ثم أعلنت هي أنها يجب أن تذهب لبيتها وزوجها ليوصلها بسيارته ويترك قلبه يرحل معها.

بدأ يتولد لديه بعض الأمل، مَنْ مِنا لن يوهم نفسه ببعض الأمل مقابل ألا يخسر ما يعتبره حب العمر !
عاش على أمله الذي كان يُلد في خطٍ موازٍ له شعور بالعجز، فالأمل بلا أمل هنا.

كان يطير في السحاب إن هو سمع صوتها على الهاتف لثوانٍ، كان يعيش فقط لأجل تحقيق الأمل بحياة معها.

ثم علم بالصدفة من صديق مشترك لهما أنها سوف تهاجر مع زوجها وطفلها إلى الخارج، تتبع معلومات الرحلة حتى وصل لموعدها ولم شتات نفسه وركب سيارته وقلبه يسبقه وهو يتجول في طرقات المطار وحوله البشر الذين يبدو عليهم الضياع، غالباً ما يبدو البشر بالمطارات وكأنهم تائهون. كمن ترك بوصلته خلفه ليمضي بلا إرشاد.
ما إن وصل للمكان المتواجدة به ولمحها من بعيد تقف مع عائلتها تودعهم حتى توقفت قدماه عن الحركة ولكن قلبه كان قد سبقه إليها فنظرت نحوه وكأنها كانت تعلم مسبقاً أنه هناك، تسللت من خيوط العائلة وذهبت إليه لتودعه، عناق حار طال لدرجة لفتت أنظار من حولهما فاضطرا لإنهائه. قَبّل كلاً منهما أنامل الأخر وكأنه يأسر رائحته ليحتفظ بها معه .. وتبادلا نظرات لا معنى لها سوى سوف أجدكِ أو تجدينني يوماً ما إن لم يكن فى الدنيا ففى مكانٍ أخر .. وكلمات أخرى كثيرة تبادلتها عيونهما ثم تركته لتعود لزوجها لتلحق بموعد الهجرة. فتترك خلفها كومة مشاعر جُمدت في شكل إنسان تَمَلّك منه العجز.

جلس يُراقب حركة الطيور الحديدية في سماء المطار وفكر لأول مرة في معنى الحدود والمسافات التي تتسع على اتساعها والتأشيرات التي تُعلن فوز أرضٍ أخرى باستقبال أحبتنا و الأوطان التي يغادرونها فينا.
يُفكر في صعوبة قدرته على استقلال أياً من هذه الطائرات، فقط يدخل للمطار يدخل من البوابات العديدة ليصل في سلام لسُلم الطائرة فيجلس ينتظرها تعلو به في السماء متتبعة خطوات قلبه. لماذا لا نجد قدرات سحرية خارقة حينما نحتاجها !
جلس يُحدق في الطائرة التي تبدو ضخمة في البداية ثم تبعد وتبعد فيصغر حجمها إلى أن يظهر مجرد وميض يخبو ويضئ بشكل منتظم من الطائرة ويظل يخفت كمؤشر نبض لمريض بالقلب فى لحظاته الأخيرة ..إلى أن يستحيل هذا المؤشر إلى خط مستقيم مغلف بصمت .. ليعلن وفاة المريض أو اختفاء الأحبة فى السماء.

"بيني وبينك سور ورا سور ..  وأنا ولا مارد ولا عصفور"*


*كلمات: نجيب سرور

ساره عاشور  

السبت، 6 أكتوبر، 2012

ألم


يقولون أن المال هو أصل كل الشرور ولكنهم نسوا أن الحب أيضاً يحظي بنصيب كبير من هذه الشرور. ولقد اجتمع في حكايته الاثنان.

"اكتم جرحك ببعض البُنْ لتوقف الدماء."
تذكر نصيحة والدته هذه عندما كان صغيراً وتُجرح قدمه وهو يلعب مع أصدقائه من الجيران. جرى إلى المطبخ يبحث في الظلام وأمسك ما ظن أنه علبة البن وأخذ قليلاً وسريعاً وضعه على الجرح النافذ بيده ثم انطلقت منه صرخة فقد وضع الملح وأحرقه الجرح.
للحظة أعجبه الوجع هذا، فانتظر قليلاً حتى اعتاده جسده ثم أعاد وضع ذرات أخرى من الملح دون أن يصرخ هذه المرة. يُغريه تحدي قدرته على تحمل الألم أو ربما يشعر بالاثارة.

هو من إحدى أغنى العائلات بالمدينة التي كان يعيش بها، لم يكن ينقصه أي شيء .. سواها.
من عائلة ثرية هى الأخرى ولكنها مطلقة !
صرخت به والدته: مطلقة !! لماذا؟!! هل ينقصك أي شيء حتى تأخذ ما تركه غيرك !
استغرب التعبير من والدته المتعلمة وصاحبة المركز الاجتماعي فقال لها كيف تفكرين بهذه الطريقة !
قالت: لا تقاتل في شيء ستخسره مؤكداً بالنهاية، اترك هذه السخافات ونحيها عن عقلك تماماً، العائلات كثيرات والفتيات كثيرات فلتختار من تشاء.
فقال لها ولكني اخترت بالفعل وانتهى الأمر.

ذهب ليُفتش عن أي شيء يُطهر يه جرحه ولكن الظلام مازال مستمر وهو لا يحفظ أماكن الأشياء جيداً بالفيلا، لا يقضي بها الوقت الكافي ليحفظ مكان أي شيء ثم رجع للغرفة التي ألقى بها جثتها.

بعد صراع طويل مع نفسه، قرر أن يقتلها ويُبريء شرفه الذي لوثته. خطط لنفسه.

- سأدخل من الباب الخلفي بعد أن أفصل الكهرباء عن المكان ثم أذهب لغرفتها، الوقت متأخر لذا ستكون نائمة ولن تقاومني كثيراً. سأذهب بهدوء وأضع المخدة بقوة على وجهها فتذهب ملعونة.
لكن ماذا إن قاومت بشدة ! لا أستطيع استعمال المسدس لصوته العالي، إذن سكين سيكون كافي لحسم المسألة.

وذهب والخطة باء "السكين" في جيبه. وكل الأفلام التي شاهدها من قبل تُعرض في رأسه. ما عليه تجنبه حتى لا يترك أدلة وما عليه فعله .. يعرف كل خطوة تماماً.

كانت والدته قد قضت يوم زفافه وسط دموعها وكأنها تُشيع ولدها لمثواه الأخير. وزوجته كانت في قمة سعادتها مثله فقد حظي كلٍ منهما بمن كان يُمني نفسه به.
رغم تحذيرات والدته العديدة بأن المُطلقات هؤلاء ساقطات إلا أنه لم يستمع لها أبداً ومضى قدماً في خططه.
لم تأتي لزيارته في الصباح التالي ليوم زفافه ولا بعد أن عاد من اجازة شهر العسل حتى ذهب هو لزيارتها .. وحده.

حاول أن يصل للدائرة الكهربية ليُعيد التيار إلى المكان ولكنه لا يعرف طريقه جيداً حتى يعود من حيث أتى، حتى وقف ليُغمض عينيه ويُعيد خطواته في عقله حتى علم إلى أين يذهب .. ثم عاد النور للمكان ورأى الفوضى التي أحدثها فجلس في مكانه .. بلا ندم. فقط ليُرتب ما سيفعل.

- أنا جئت هنا حتى أطمئن عليها. لما لم تأتِ للباب الرئيسي ذهبت للباب الخلفي ودخلت لأجد المكان في هذه الفوضى.

أشعل سيجارة حتى يُمكنه التفكير جيداً، يجب أن تكون انفعالاته مضبوطة حتى لا يكشفه المحقق. ثم عليه أن يتذكر ماذا لمس وإذا كان هناك أي شيء يدل على تورطه في هذه الجريمة. وقام ليمسح كل شيء لمسه جيداً وينظر لكل الأثار على الأرض. ثم نظر للجرح الحديث بيده ولم يدر كيف يفسره وإذا كان هناك حتماً دمه على السكين ! كيف سيفسر هذا ؟! وإن قام بمسح السكين، فأي قاتل هذا الذي سيترك خلفه سكين نظيف ! وإذا تخلص من السكين سيظنون أنها جريمة مخطط لها جيداً ويجب أن يبحثوا جيداً خلف الموضوع.

أشعل سيجارة ثانية، كلمات والدته لعبت بتفكيره بمرار وضح على تصرفاته معها. كان يتذكر أنها تتركه يمسك يدها أو يقبلها وهي ليست زوجته. إذاً والدتي على حق فهي عاهرة وإلا لماذا تركها زوجها السابق !

سيجارة ثالثة، هل تسرعت في قتلها !
هل تفكر في هذا الآن؟!

سيجارة رابعة وتذكر احساس الملح على جرحه فذهب للمطبخ، أحس بانتشاء كمن أخذ للتو جرعة مخدرة. ترك السيجارة على المنفضة ثم ذهب إلى غرفتها ووقف يُحدق بجثتها.
جلس بجانبها في وضع القرفصاء وهو يحدق في عينها الزجاجية الخالية منها، ثم نظر للجرح بيده وقام واقفاً.

ضربها بقدمه بشدة .. بغضب، لأنها أفسدت خطته.

لم تكن أول مرة التي يقوم بضربها، ولم تكن أول مرة التي يعلم بها مدى انتشائه من الألم ولكنها أول مرة يُجرب الانتشاء من ألم بجسده هو وليس بصرخة منها. عرف أن تحكمه بنفسه أكبر والنشوى التي أحس بها هي حتماً الأعمق حتى الآن.

رجع للسيجارة فوجدها قد تحولت لرماد، فكر في حرق الفيلا بجثتها ولكن تذكر الفيلم الذي فعل فيه مجرم ذلك ولكن الشرطة توصلت للسبب الحقيقي للحريق ووصلت له وأيضاً هذا الجرح في يده كيف يفسره !

قال: لقد وقعت على السكين.
ثم جلس يضحك وهو يُشعل السيجارة الخامسة ويهز في رأسه من غباء البعض.

ثم خطر بباله أن يقول أنه لحق بالقاتل الذي قام بضربه ثم هرب !

نعم إنها فكرة جيدة ولكن أحتاج إلى جرح على رأسي وإلا كيف هرب هذا الوغد، قالها بجبين مقطب وابتسامة شيطانية.

انتهى من سيجارته ومن ترتيب قصته ومن التأكد أن لا شيء يحوي بصمته أو دليل لإدانته وقام بالاتصال بالشرطة وهو يصرخ: أحدهم قتل زوجتي ثم بكى فحاولوا تهدئته ثم طلبوا منه اسمه وعنوانه فأعطاهم المعلومات وأغلق الهاتف.

قام بتنظيف المنفضة من السجائر المحترقة وطمأن نفسه أنه لا يوجد أي دليل على ادانته. وذهب ليتصل بوالدته ليُعلن لها الخبر المُفرح بأنها تخلصت من وصمة العار لعائلتها وهو في قمة الهدوء الذي بث الرعب في نفسها.

هكذا كان انتهى من كل شيء وجلس ينتظر الشرطة وهو يعيد تمثيل انفعاله ثم يضحك، يسرد القصة ويضحك .. يضغط على الجرح الموجود بيده ويعلو ضحكه ما إن سمع صوت سيارات الشرطة فصمت وذهب ليفتح لهم باب الفيلا ثم عندها تذّكر ..

في كل فيلم شاهده كان دائماً ما ينسى المجرم شيء يدينه، ولكنه حسب أن ذكائه سينجيه ولكنه نسي.
لم يكسر الباب ليكون مكان دخول القاتل ولم يبعثر محتويات غرفتها ويُخفي الأموال دليل على السرقة والأهم الذي نسيه والذي حتماً سيودي به لحبل المشنقة .. دمه الموجود على السكين بجانبها ودمه الموجود تحت أظافرها .. نسي دليل إدانته وسط انتشائه بالألم فابتسم ابتسامته الشيطانية للمرة الأخيرة.


ساره عاشور

الخميس، 4 أكتوبر، 2012

أرق



حتماً حدّثوك كثيراً عن فنجان القهوة الرفيق المثالي في حالات الأرق، وصفوا لك تفصيلياً كل شيء به لونه وطعمه حتى عدد حبات السكر الذائبة به والتي يُمكن تذوقها في كل رشفة.
حكوا لك عن من يؤرقهم، قصص الغرام التي غالباً ما تكون من طرف واحد يسهر ليله بصحبة قهوته والطرف الأخر يصاحب الأرز مع الملائكة.

لكن ..


هل حدّثك أحد عن قضائه يومه بعقل شبه متوقف ثم ما يلبث أن تعمل ماكيناته بكامل طاقتها ما أن يحل التعب على جسده؟
قال لك أي شخص عن الأسباب الحقيقية وراء أرقه دون أن يترك كل ذلك جانباً ليصف لك فنجانه؟

باصبع واحد فقط كنت ألملم حبات السكر الساقطة بجانب كوب النسكافيه، ملمسها الخشن على الجلد يولّد احساس غريب يؤدي لمزيد من الأفكار في عقلي.
لن أحكي لك عن قهوتي فأنا لا أشربها من الأساس ولن أتحدث عن أحوال قلبي.
بل سأقول لك أن بهذه اللحظة الآن لا يمر بعقلي فكرة واحدة ثابتة عن شيء واحد بل مجرد أفكار ناقصة عن أشياء عديدة، كلمة واحدة بفكرة كفيلة بأن تبدأ فكرة جديدة وهكذا تستمر سلسلة الأرق في العمل.

عدد النجوم بالسماء غير كامل في المشهد، لا أعدّ النجوم فلم نعد نراها لنعدّها. يشغلني اختفاؤها عن السماء فأتذكر أخر مرة كنت أرى أعداد غير قليلة منها تتلألأ في السماء ولكن هذا مرتبط في عقلي بالبحر، لا يوجد نجوم سوى بجانب البحر فهي تؤنس من يسافر فيه.
ثم لا راحة سوى على شاطيء البحر إذن لا نجوم إلا على شاطيء البحر.
لا راحة إلا على شاطيء البحر، ولما يتميز هو عندي عن أي مكان أخر بذلك؟
فأتذكر أول مرة سمعت صوت الموج الذي حسبته غاضبٌ عليَّ فجعلني أدمع وألجأ للأوراق، أحاول أن أتذكر ما كتبت ولكني أفشل دائماً في تذكر ما أريد.
لماذا أفشل في تذكر ما أريد؟ أبدو أحياناً كمن أصيب بحالة مبكرة من الزهايمر، الموضوع ضخم بالنسبة لي ولكنه طبيعي بالنسبة للأخرين ولكني لا أحيا في جلد الأخرين إذن هو موضوع ضخم بالفعل.

لماذا أكتب في الأساس ما يدور بعقلي؟ ولكن لأعترف هذا ليس كل ما يدور بعقلي هي فقط لمحات، أعتبره كخزانة مغلقة وليس لها سوى مفتاحان فقط كقلبي تماماً ولكن أكبر وأهم.

ماذا تريد أن تعرف عني؟
أنا أعشق اللون الأحمر.

تعلم أن حبات السكر الشاردة عن مسارها الطبيعي إلى الكوب هذه أحياناً أرى فيها التمرد، أعلم أنها لا تملك عقل بالطبع ولكن ماذا لو كانت لا تحب النسكافيه !

هل جربت أن تشغل نفسك بأشياء قد تعدّها في الأيام العادية تافهة ولكن فقط كي تريح رأسك قليلاً من التفكير في أشياء إن حدثت بها أحد قد يتهمك ببساطة وتأكد أنك فعلاً مجنون !
مثلاً إلى ماذا تغير أغنية هاتفك النقال، في بعض الأيام يكون هذا الموضوع هو الأهم، يُصبح مشكلة جادة ومصيرية كمجاعة الصومال !
هل تشغل بالك بالصوماليين؟ ماذا يفعل أياً منهم في هذه اللحظة بالظبط الآن وأنت تهدر حبات سكر في اللعب بها أو يمكن كما أفعل أحياناً بتقديمها للنمل حتى لا يموت جوعاً في الشتاء.

أنا سأحاسب عن كل روح تزهق في الكون وأنا أجلس هنا أفكر لماذا لا أستطيع أن أكتب !
اممم .. ربما لأني أحمل الكون على كتفي فأصبحت المهمة أصعب على أصابعي، ضغط أعصاب أو عضلات.
هل رأيت ماذا فعلت هنا؟ أحلت المشكلة النفسية إلي عضلية وأنهيت الموضوع.

هل قلت لك أن النسكافيه هو الرفيق الأمثل للأرق وأن حبات السكر هذه لا تُحب النسكافيه بالفعل وأن النجوم لا تذوب وأن البحر بالفعل غاضب عليَّ دون سبب واضح -بالنسبة لي على الأقل- وأن النمل بدا لي أنه قد أصابه الملل من أكل السُكر ولكني أخشى عليه إدمان النسكافيه ثم يجلس للأرق وهو يفكر لماذا لم نعد نتركه بحاله وهل فعلاً نضغط على البشر ليموتون بسهولة كما نضغط عليه !


ساره عاشور