الثلاثاء، 18 ديسمبر، 2012

Clutter


"فوضى !"
هذا هو كل ما يستطيع أي أحد أن يصف به شقتي، يرونها كما المدن بعد أن يضربها الأعاصير مليئة بأشياء لا تعرف من أين أتت ولكني أعرف من أين أتى كل هذا وأتذّكر كل قصة خلف كل شيء هنا.

-للوهلة الأولى بالمكان لن تُصدق كمية الأشياء الموجودة به، لن تجد وصف أو لن يجد عقلك الكلمة المناسبة لانشغاله بعدد الأشياء الموجودة حوله. سمعت قصتها من زميل لي، قال أنه هناك امرأة ما منزلها مكدّس بأشياء كثيرة بقيت لسنوات تجمعها وتكاد لا تعرف كيف تتحرك داخل شقتها، لم أفهم من أين علم بذلك ولا لماذا لا يملك أي فضول ليعرف ما قصتها فقررت أن أصل لها لأعرف منها حقيقة حكايتها وأكتب عنها بالجريدة.

مثلًا هذه الجرائد، أبي كان دائمًا يواظب على أن يأتي بهذه الجريدة يوميًا عندما ينتهي من عمله نفس الجريدة بلا تغيير رغم زيادة تنوع الجرائد كل عام تقريبًا ولكنه بقى وفيًّا لجريدته ولذلك أحافظ على وفائه هذا بأن أجلب نفس الجريدة يوميًا ولكنني لا ألقي بها بعد ذلك .. أبدًا.
وهناك هذا الذي هناك، نوع من الحلويات كانت أختي الصغيرة تُحبّه ومن بعدها أميرتي الصغيرة، أحتفظ بكل الأغلفة هنا.
وهذه الاسطوانات بجانب الجرامافون، إن كنت تستطيع رؤيته "تبتسم في قلق" إنها كل الاسطوانات التي استطعت جمعها للمطربة المفضلة لدى والدتي.
يوميًا كنا نجلس لنستمع لها بعد العشاء وهذا الجرامافون بالمناسبة كان لوالدتي "نظرة حنين بعينيها".

كل هذه الأشياء حولي لا تعني أي شيء لأي أحد أخر وهذه واحدة فقط من الأشياء الرائعة بها، هي أشياء تعني لي عُمر قد مر وتعبّر لي عن من فقدت وأشتاق .. أشياء تعني لهم "قمامة" ولكنًها تعني لي العالم كله بحلوه وقمامته أيضًا.
ماذا تفعل أنت في حياتك؟ ماذا يفعل أيًا منا في حياته؟
كل ما نفعله هو البحث عن شيء يُكسبك الأمان أو حتى احساس زائف بالأمان سترضى به تمامًا وتنعم بنومٍ هانئ ليلًا وأنت تعلم تمام العلم أنه زائف !
وظيفتك كصحفي تُعطيك أمانٍ ما، صحيح؟

-هززت رأسي بالموافقة.

فأكملت: هكذا كل ما ترى حولك، أنت تتمسك بأمانك في شيء تفعله وأنا أماني في كل هذه الأشياء التي أستطيع لمسها كل دقيقة من كل يوم وأتذّكر كل المواقف حولها بل وأعيشها كل يوم معها.
طفولتي في بيت عائلتي، مراهقتي مع اخوتي وحتى النمطية في حُب ابن الجيران، ولكن عاداتهم الصغيرة تلك المتمثلة في جريدة أبي واسطوانات أمي وحلويات أختي تلك هي العادات التي تمسّكت بالحفاظ عليها حيّة دونهم.
كل مرة تأتي ابنتي إلى المنزل إن أتت بالأساس، لا تستطيع فهم ذلك وتراها ككل العالم مجرد فوضى أو فقط أنني لا أملك القدرة الطبيعية على التخلص من الأشياء أو أنني أملك وسواس مرضي يجعلني أتسوق ولا أتخلص من شيء بعد ذلك.

-أنظر لها ببضع شفقة وهي تتجول بين الأشياء كالمجاذيب.

أكملت: هناك بالطبع أشياء أخرى هنا تخصني أنا وتخص ما أشتهي ولا أستطيع التخلص منها، كومة الكتب تلك أو هذه الفساتين هناك أو ..
وراحت تتجول محاولة عدم التعثر ثم أمسكت بشيء لم يكن له مثيل حوله.
وهذا الهاتف هنا هذا إنه ليس فوضى ولكنه لا يرن !
لدّي هاتف لا يرن، هل لديك هاتف لا يرن؟

-جاوبتها بالنفي واستعلمت عن الأمر، ابتلعت مرارتها ونظرت للسماعة بيدها في حزن شديد.

قالت: إنه يعمل، أعني أنا أدفع فاتورة خدمته كل شهر في موعدها تمامًا ولكن لا أحد يهاتفني .. لا أحد أبدًا.
حتى ابنتي أميرتي الصغيرة، أظنها لا تدري أني لدي الهاتف ولم تشغل نفسها أن تسأل، فأنا والدتها المجنونة صاحبة الفوضى !
كل هذه الأشياء القيّمة حولي وكل هذه الذكريات والأشياء التي تبدو متشابهة جدًا ولدّي هاتف لا يرن ..

-طلبت منها رقم الهاتف فتفاجئت من طلبي وأعادت السؤال لتتأكد أني أعني ما طلبت فأكدت الطلب مرة أخرى وعقدت العزم على أن أهاتفها يوميًا أو على الأقل كلما استطعت.

أعطتني الرقم وهي غير مصدقة ثم أنهيت مقابلتي معها.

ذهبت للجريدة لأكتب مقالتي عنها.
اخترت الصورة المناسبة والعنوان المرادف لحالتها بالانجليزية "Clutter" وهي تعني تكديس الأشياء حولك وعدم القدرة على التخلص منها أو كما نقولها بالعاميّة "كراكيب" ولكنها نوع مختلف فهي أشياء تحمل لها قيمة عاطفية كبيرة ليس "استرخاص" أو التحجج بأنها قد تحتاج إليها فلا تُلقيها .. هي حكاياتها التي لا يُمكنها أن تُلقي بها وعليها أن تُعيد سردها لنفسها يوميًا، تنزل لتشتري جريدة أبيها ثم تتمشى قليلًا بشوارع المدينة حتى تصل لمحل الاسطوانات تشتري اسطوانة لنفس المطربة قد تكون تملك منها ألاف النسخ في المنزل ولكن ذلك ليس المهم فالمهم هو كيف ستحكي لنفسها على شيء قديم لديها سبق وأن جلست وقالت نفس القصة وهو بيدها !
الأشياء حولها تحفظ قصصها لذلك كل يوم تأتي بشيء جديد حتى تكون القصة له جديدة وكأنها أول مرة يهتم أحدهم بما يكفي ليجلس معه فيحكي له حكاية والدته التي كانت تُحب صوت تلك المطربة حتى الثمالة وأنها كبّرت وهي تملك نفس السعادة التي كانت تغمر والدتها وهي تستمع لها وتُغني عند نفس المقاطع التي كان يعلو صوت والدتها بها، وتأتي بالحلوى لتأكلها أو تُبقيها كما هي فليس ذلك المهم، المهم أنها ستحكي لها عن أختها التي كانت تعشق ذلك النوع وتشتريه بشكل يومي والسعادة التي كانت تملئها وهي تلتهمها ثم نقلت نفس العادة لابنتها والآن لا تهتم ابنتها بذلك وتعتذر يوميًا للحلوى عن عدم اهتمام ابنتها فهي تنسى ما كانت تهتم به الأمس كوالدتها مثلًا، فهي تقول للحلوى لا بأس نحن متشابهتان.
حالة فريدة لم أقابل مثلها من قبل ولذلك أثارت فضولي لأكتب عنها وأعلم العالم أنه مازال هناك من يملك ذلك الوفاء تجاه من فقد وقد يكون لا يملك أي شيء حوله يُعطيه الاحساس بالأمان لذلك عقد العزم وصمّم بل ونفذّ بإخلاص خطته لجلب الأمان لنفسه والتحكم به فهي لا تُفكر أنها قد تصحو يومًا ما ولا تجد محل الاسطوانات هذا ولا تُفكر ماذا ستفعل إن لم توقفت تلك الجريدة عن الطبع، لديها العديد والعديد منهم فقط ستُأقلم نفسها ويموها وقصصها على ما تملكه الآن أو ربما تُقرر أن تُشفى كُليًا من حالة الحنين الأزلية تلك وتبدأ في نسج قصص جديدة قصص تكون خاصة بها مع أشياء جديدة تخصها هي لتخطو للعالم وتترك لابنتها ما يجعلها تَفِي لذكراها .. لا أملك سوى ربما تجاه فراداتها.

لم تُصدق نفسها عندما رنّ الهاتف، جريت نحوه بأقسى سرعة حتى أنها أوقعت بضع أشياء في طريقها ولكنها لم تهتم بها. اهتمت فقط بأن الهاتف له "حرارة" سينبعث منه صوت تستطيع أن تُحاكيه وتَحكي له ما تكدّس داخلها لسنوات وتشكي له الاهمال وتعطيه الأمل وتُعلّمه معنى الوفاء.

لديها الآن هاتف يرنّ ..


ساره عاشور

الأحد، 16 ديسمبر، 2012

مذكراتٍ ما

من صفحات مذكراتها:

* اليوم وبعد يوم طويل من المشي بشوارع القاهرة وصلت لكوبري قصر النيل، لسببٍ ما أحبه.
أقف أتأمل أسوده الواقفة بشموخ وتأهب وكأنها تنتظر فقط الاشارة حتى تفتك بالأعداء، مشيت لمنتصفه تقريبًا ولم يكن يوم شديد الزحام، ثم وقفت وأعطيت وجهي تجاه مياه النيل وتسلقت أولى درجات سوره حتى أعلو فوق الكتلة الحديدية تلك وأرى منظر أوسع للنيل، وأغمضت عيني وتذّكرت فورًا مشهد تيتانك الشهير فحاولت موزانة نفسي وأنا أرفع ذراعيَّ بجانبي ونجحت أخيرًا ورجعت برأسي قليلًا للوراء وحاولت استنشاق أكبر كمية ممكنة من الهواء برائحة النيل، لم أعر اهتمامًا لأي من الناس حولي ولا الأفكار التي حتمًا كانت ممتلئة بمدى جنوني وأعتقد أن بضعًا منهم قد ظنوني سألقي بنفسي، هذه إحدى المساوئ لوجود البشر في العالم من حولك أصلًا، كل من ضاق بالعالم قليلًا خرج متذرعًا بكل لحظة سيئة قابلته في حياته ثم جمعهم وصنع منها فيلمًا وبات يكرره برأسه حتى عندما يقتنع تمامًا يكون هنا بنفس المكان، منتصف كوبري قصر النيل.
ولكن أنا أبحث عن هواء جديد ومنعش وغير ملوث بالبشر أتي مباشرة من النيل، وهم يأتون ليودعوا أخر أنفاسهم به، تُرى هل يمتلئ الهواء بأخر أنفاسهم؟ هل مر داخلي واحدًا أو اثنان الآن؟ هل بت مُعرضة للانتحار؟
أتحدث وكأنه مرض فيروسي سألتقطه من الهواء ! الهواء هنا فعلًا يجعل شيئًا بك يجنْ ..

* الآن أنا بمنزلي أكتب بمذكراتي كل ما فعلت والأفكار التي أتذكر أنها مرت برأسي، عليَّ أن أضعها في مكانٍ ما وإلا أضعتها.
أصبح لدي وسواس يومي يحمل عنوان "إن ضاع الدفتر فأنتِ بورطة" ويعرض برأسي يوميًا طوال اليوم تمامًا كما أفلام الانتحار تلك ولكن الفرق هنا أن عليَّ يوميًا أن أغير من مكانه وبالطبع ضاقت الأماكن حولي.
لم أعتقد أن هذا الشعور يُصبح ممكنًا، أن تألف المكان حولك وتتعرف على كل شق صغير به فتتغير نظرتك الكاملة للغرفة فتحسها أضيق فقط لأنك أصبحت ترى كل كبيرة وصغيرة بها ولم يصبح هناك الكثير من الأماكن المخفية عنك التي لا تعلمها.

* ورطتي بالدفتر هذا هي كل حديثي عن زوجي، كل ما لا أقوله له أكتبه هنا وبعد أعوام معه أعتقد أنه سيُصدم جدًا من أرائي به وبكلماته وتصرفاته وملابسه وطريقة أكله وطريقة معاملته لي. بعد كل هذا لما أحبه !

* يظن بأنني تافهة ! فقط لأني أقضي وقتًا طويلًا بمعزل عن العالم مع نفسي وإن كان لدي أنا -وأنا بكامل قواي العقلية- ولدي هو فماذا سأحتاج غير ذلك ! البشر ملوثون ويلوثون كل من حولهم لديهم تلك العادة السيئة أن عليهم جعل كل من حولهم يُشبههم في شيئًا ما فإن كانوا فرحين الكل يجب أن يصل معهم لنفس موجة الفرح وإن كانوا مكسورين بالحزن فعلى كل الأمواج حولهم أن تنكسر، يقضون حياتهم يبحثون عن من يحبهم كما هم وعندما يجدونه يقضون ما تبقى من عمرهم في تغييره، مجانين أليس كذلك ؟!
فلماذا أبحث عن مخالطتهم وأسعى لذلك وأحزن على فراقهم !
ويظن بأنني لا أفهمه لأني لا أُحدثه بما أفهمه عنه، ولكن ماذا عن بقائي معه طول ذلك الوقت ألا يشي مثلًا بأنني متمسكة بما لدينا. تخلصت من كل روابط لي بأي حياة قضيتها في وقتٍ ما مع غيره وتمسكت به هو حتى وهو ينظر لي تلك النظرة التي أكرهها، النظرة التي تشوش أفكاري تمامًا. لا أعلم لماذا يفعلها وهو يعلم أني أكرهها !


* هذا الدفتر يحوي كل ما لا يفهمه لذا عليَّ اخفاؤه جيدًا حتى بعد ضيق المكان. يُمكنني أن أطلب منه البحث عن شقة جديدة ..
هذه فكرة جيدة وتحمل تغيير نحتاجه أيضًا لننشغل بما سنضعه بالغرف وبأي لون سندهن الحوائط، أه أشتاق لهذه الأيام عندما كان أقصى قرار جدي عليَّ اتخاذه هو لون دهان الحائط !

*يوم جديد الآن، أستطيع سماع العصافير تشدو خارج النافذة ولكن الضوء الشديد يمنعنني من الخروج لمراقبتهم ومراقبة عاداتهم وربما محاولة معرفة عددهم، يالله هل حاولت فعل ذلك من قبل؟ إنهم متشابهون للغاية أو هل أتصور ذلك؟ هل نبدو متشابهون هكذا لهم؟ أو لمن يُراقبنا من الخارج مثل الفضاء مثلًا، هل يراقبنا أحد من الفضاء؟ أم هي مجرد خيالات البشر وجنون عظمتهم بأنفسهم الذي يُصور لهم دائمًا أنه هناك شعوب مُتقدمة للغاية بمكانٍ ما على كوكبٍ ما ورغم تقدم تلك الشعوب الهائل عنا إلا أنها تترك كل ما بيدها لتأتي لتدرسنا ! مجرد هراء حقيقةً، مجرد بحث عن ارضاء ذواتهم الفارغة تلك ولربما لهذا يبدو البشر من أعلى متشابهون جدًا !

*اللعنة .. سقطت بضع قطرات من النسكافيه فوق الدفتر، عليَّ البحث عن مكان أخر أكتب به غير البانيو ولكن للأسف أعتبره أهدى مكان بالعالم .. المهم أن تلك القطرات صنعت شكلًا جديدًا حول الكلمات، اممم إنه أمر مذهل، هل حاولت من قبل الكتابة بالحبر الأسود فوق قطرة نسكافيه موجودة على ورقة بيضاء؟ إنه أمر مُسلٍ جدًا يختلط الحبر بالنسكافيه ثم يجف في أشكال سريالية جميلة.

*محاولات جديدة لرسم أشكال بالحبر والنسكافيه ..

*ربما كان على حق وكنت فعلًا تافهة !!

*لماذا عليه معاملتي وكأنني طفلة صغيرة ! ليس بتدليله إياي ولكن بمعاقبتي على كل ما يصدر مني ولا يحوز إعجابه ! لست بالخامسة إن لم يكن قد لمح ذلك .. ههههه أتصوره الآن متزوج من طفلة بالخامسة ياه ستعاقبه شديد العقاب وستعلمه هي كيف تكون المعاملة ..
لماذا لا أستطيع فعل ذلك أنا الأخرى؟ لما لا أعاقبه عن فعل لا يعجبني منه ! لماذا يكبحني حُبي له عن ذلك بينما حُبه لي لا يفعل المثل، هل حُبي له أكبر؟

*كلما كتبت كلما أحسست بابتعادي عنه خطوة للوراء أتخذها مع كل سطر، أفكر عليَّ أن أبوح له بكل ذلك مرة واحدة ثم أتخيلني أجري نحو ذراعيه مندفعة لأغوص بداخل حضنه وهكذا تنتهي كل المشاكل، العالم أسهل داخل عقلي ..

*الوقوف بالمطبخ وجمع المكونات معًا حتى تصل لشيء شهي تأكله بالنهاية مع من تُحب وترى علامات اعجابه به على وجهه هو أمر يملئك بالفخر والرضا بالنسبة لي على الأقل ولكنه يُصر على أخذ تلك السعادة مني بتعيينه لخادمة !
كل يومين عليَّ افتعال مشكلة جديدة وايقاف مورد رزق لعائلة جديدة لأنه لا يفهم سعادتي بالوقوف بالمطبخ !
أظنه ملوث كباقي البشر !

*لا يهتم فلا أهتم، لم أعد أهتم بالأحرى .. تسرب منا الاهتمام في مرحلة ما من الابتعاد ولكن عليك الجزم بأن دوائر الحبر بالنسكافيه تلك سريالية كما الحياة، تحاول خلط شيئان لا يختلطان وعندما تعلم أنهما لن يختلطا فتبدأ في محاولة توفيقهما والرسم بهما فسيبدوان جميلان معًا وتبدأ بالمحاولة ثم عندما تلمح أنك بدأت في الوصول لخط جميل بينهما بالفعل يبدأن بالتجمد سويًا في تلك النقطة السابقة مباشرة للجمال .. سريالية غير مفهومة ..


ساره عاشور

الجمعة، 7 ديسمبر، 2012

زيف (جزء ثان)


الجزء الأول 

لا يلومني أحد منهم على إفاقتهم من ذلك الوهم بالطبع هي خدمة العمر لهم، تردد على نفسها وهي تتجول بنظرها باحثة عن القطعة التي لا تتماشى مع كامل المشهد حتى وجدتها، يوم جديد .. ضحية جديدة، فلنبدأ ..

بدأت بالنظرات المتقطعة نحوه، تنظر له لثوان صغيرة كفيلة بجذب انتباه مثله وحين تبدأ عينه في التحول تجاهها تذهب بنظرها للاتجاه المعاكس هكذا مرة واثنان وثلاث حتى تضمن تعلق نظره بها وحين يفعل تبدأ في إطالة مدة نظرتها له وتقلل من تلفتها عكسه. يبتسم فتنظر على الفور للمائدة أمامها فيرتبك ويظن أنه اخطأ يُعلق نظره بها للحظات بحثًا عن تلك الاشارة أن استمر وعندما يبدأ الأمل في التسرب منه تشد على أخر طرفه لتُرجعه له فيبتسم ابتسامة أوسع معناها أنه وقع !
والباقي مجرد حكايات عابرة في قصص عديدة ربما مررت أنت بها في عدة روايات، تلك الجميلة التي يقع بغرامها الشخص الفقير ليظن أنه أخيرًا قد طرق الحظ بابه وأتى ليبقى ليصطبح على مُر حقيقته أن الحظ فقط أتى ليبيت بحضنه ليلة ينعم بدفئه ثم سيكمل طريقه بحثًا عن صاحبه. هكذا هي الروايات.
أما نًسختها هي، تدخل لحياتك هي بكامل بهائها واختلافها عنك لتقلبك رأسًا على عقب تبحث عن نشوة انتصار أنك ستتملكها لتصطبح على حقيقة رحيلها عنك بعد أن جردتك من شبكة أمانك المتمثلة في البحث عن الحب والنصف الأخر ستتركك فقط عندما تعلم أنك وصلت لتلك النقطة التي عندها عندما تُصبح بدونها ستكفر بالحب كله.

أنا لم أكفر بالحب بعد ولم أكفر بها، لا تدري بأني قد انتصرت عليها لا أضحك على نفسي ولكني بالفعل نجحت في أن أتلاعب بتلك المتلاعبة الماهرة جعلتها تظن أني قد وصلت لتلك النقطة حتى تتوقف تلك الأفعى العاصرة عن اعتصار أخر قطرات الحب بي فهكذا بقى معى بضع قطرات ولحظي السعيد قطرات تحمل اسمها لذا فأنا أتحاشاها ونعم مجددًا أنا لا أضحك عليا أنا بالفعل متيم بها ولكني أيضًا أجعلها تتلاشي فخطتي تنجح وخرائطي ذات مفعول سحري رائع إن لم يكن فقط في نقطة ضعفي تلك، الرسائل التي اعتدت ارسالها لها لأُشعرها أن هناك قطرات تحمل اسمها داخلي تأبى الرحيل لربما تملك هي مثلها يحمل اسمى فنجمعهما معًا ونُكمل حياتنا، مرت ساعة دون أن أتذكرها، ألم أقل لك لم أضحك على نفسي؟!

عندما بدأت في نصب الفخ الجديد وإيقاع الضحية الجديدة بها، الرسائل المتلهفة التي تقطر اهتمام والمحادثات التي تنتهي بتنهيدة حارة "أنني أرغب أن أقول أني أحبك رغم ذلك الوقت القصير الذي عرفتك به ولكني سأبقيها داخلي ريثما تعترف بها أنت" فيُصدقها المرة بعد المرة حتى يكون هو على شفا اعتراف وتكون هي قد بدأت في حزم حقائبها عنه.
أصعب ما تمر به هي هو تلك الفترة الأولى بعد الانتهاء، البدايات أحيانًا صعبة ولكن الانتهاء وتنظيف ممرات حياتك من أشياء تراكمت منهم وعادات كنت تصاحبها لأجلهم أمر صعب للغاية فهي تكاد تُجزم أن هناك عادة أو اثنتان متربصتان بها في مكان ما داخلها ستظهران لها فجأة لتهدم جدار أمنها الزائف ذلك.

ترتيب نفسها بعدهم تعتبره هي أمرٌ جلل يمنعها التفكير فيما خلفت خلفها لديهم، فلتنشغل بما لديها الآن تلك الأشياء التي وجب التخلص منها هنا وهناك وتلك التفاصيل التي يجب أن تهتم بها لتُصبح هي نفسها دون من يتشبث بها لتُريه العالم المُشبع بالألوان كيف يعمل؟
تُصاحب كتاب جديد أو تُعاود الاستماع للأغاني التي تضمن لها العودة لنفسها وتتلافى التعثر بأي شيء يخص أيًا منهم حولها وبالأخص الرسائل، تذهب للمرآة لتنظر لوجهها هل عاد رونقه أم لا؟
ثم تطرف عينها مرة أخرى تجاه الرسائل، هل تأتي الآن للمرآة فقط لتنظر لتلك الرسائل ثم كيف ستتخلص من وجودهم المزعج حولها إن لم تقترب منهم فكيف ستتصنع تجاهل شيء يصرخ بك معلنًا إقامته ولن تملك أنت أن تحذفه عنك !
عليها أن تتخلص منها ولكن لأُعيد وضع زينتي أولًا حتى لا أتعامل مع تمرد كذلك دون وجود دفاعاتي، أحمر الشفاه ذي اللون الدامي والخدود المتوردة وإن كانت مُزيفة، هل أنا حقًا مُزيفة؟ إن كنت فكيف لك هؤلاء أن يقعوا بهواي إذن !
ولكنهم لم يقعوا بهواي هم وقعوا بهوى تلك الصورة التي أرسمها لهم إذن هو زيف !

تضع الكحل غير المضاد للماء وتحاول طرد تلك الأفكار مجددًا يكفى التمرد ثم تغمض عينها تستجمع قواها وتزفر الأفكار الشريرة تلك وتنظر للرسائل في المرآة ثم تلتفت لتواجههم أخيرًا ستواجههم، تتردد في الذهاب تجاههم ولكن تُقرر أنها أقوى من ذلك الآن بها خلاصة تجارب أرواح عديدة مرت بها من المؤكد أنها ستمنحها قوة ما لمواجهتها.
خطوة خطوة باتت أمام الرسائل الآن وجهًا لوجه أو فلنقل وجهًا لورقة ..

لا أنتظر منها أي رد على تلك الرسائل لا أطلب منها ذلك ولا أدري ما يتملكني بالأساس ليجعلني أكتب لها مواجعي وأضع كل ما بي على ورقة ثم أرسلها لها .. غباء هو ممكن أو فلنقل جزء من حُبي لها أن أضعني بكل ما أمر به وكل ما يُمثلني بين يديها، من يُحب يفعل أكثر من ذلك أليس كذلك؟
لا أستطع أن أترك أي مصادفة صغيرة تجمع بيني وبينها في مكان ما ولكني أقدم لها كل ما هو أنا لتقذفه بسلة المهملات، هل تفعل ذلك يا تُرى أم تقرأني؟
هل بكت من أجلي ولكن إن فعلت لما لم ترد على أيًا منها ولما لم أصادفها وهي تعلم بخرائطي كما أعلم بخرائطها ولكن هل تتذكرني؟

أمسكت بها لقرأتها وهي تتظاهر بأنها فقط رغبة منها في الاطلاع على ما يكتبه ولماذا يستمر في الكتابة لها !
بدأت تقرأ ومع كل سطر تشعر بكل ذنوبها تطفو على السطح ثم بدأت عيونها في الامتلاء فتركت الورقة من يدها ووضعت يدها علي عينها لتُذكر نفسها أن الكحل غير مضاد للماء لا يمكنك أن تبكي الآن وعندما تتماسك قليلًا يدفعها فضولها مجددًا لتُمسك بالأوراق وهي تستغرب ما تلبسها في هذه اللحظات باتت ضعيفة مثلهن !
ثم تمسكت بالورقة وكأنها ستنقذها من الغرق داخلها وبدأت تقرأ وتقرأ ودموعها تنزل بحرارة صادقة على وجهها، وتُنهنه على فقدانه وتبكي ولا تتذكر كحل عينيها وتقرأ رسالة ثم أخرى حتى انتهت من الجميع وقد فقدت ذاكرت زفراتها وفقد ذاكرة التماسك وفقط تبعثرت. تبكيه وتنكسر.

وتتذكر باتت تتذكره ولا تتذكر الكحل الغير مضاد للماء وتتذكر ابتساماته ولا تنتبه أنها تبكي للمرة الأولي منذ من يدري كم من الوقت الآن وتتذكر كلماته الحانية ولا تستمع للدوى الهائل داخل قلبها الآن لانكسار غلافه الجليدي الذي احاطته به طوال أعوام. وتتذكره ولا تُنكره ولا تُنكر ضعف أنوثتها ولا تتظاهر بقوة الرجال ولا تحاول الخروج من القالب أو الوقوع في أخر ولا تتذكر سوى أنها جالسة الآن بأرض غرفتها وسط رسائله وكلماته ووسط نفسه التي تخرج تمردًا من الورق ولكنها لا تتذكر كيف تُحدثه وماذا ستقول وهل سيصدقها ويُصدق انكسارها ويسمع ذلك الدوى داخلها هل وهل وهل وما لبثت أن طفت أسئلتها لسطح وجهها مُعلنة ارتباكها الكامل أمام صدقه وخذلانها المفزع لنفسها حين بدأت في تصديق أنها مُضادة لتلك الأفكار الباحثة عن النصف الأخر أو ربما من كثرة ما تشبعت بها منهم باتت تُشبههم الآن وعليها أن تبحث عنه لتُعلن أنها المتلاعبة تذوقت احساس الفريسة وأصبحت أسيرة بشباك فخها وتُقدم نفسها له هو الأصدق والأطهر وهو قطعة البازل التي ستُكمل مشاهد حياتها الألف القادمة بألوان مُشبعة بِالقدم.


ساره عاشور

الأحد، 2 ديسمبر، 2012

زيف (جزء أول)


هي طبيعة محفورة في الانسان أن يبحث عن كيان ينتمي له، يتمثل في دولة أو قبيلة أو حتى فريق كرة قدم والأكثر هو البحث اليومي عن انتمائك لشخصٍ ما، النصف الذي يُكمّل ما تحمله أنت من حسنات وعيوب ليوافقك كما توافق قطع البازل بعضها فتصبح الصورة أمامك عن الحياة ثم المستقبل أوضح بشكلٍ ما. شخص يمنحك السكينة التامة لتقف بكل ثبات أمام العالم أجمع لتُعلن اكتمالك به.

هذه الأفكار هي معتقدات ثابتة لدى الكثير من البشر باختلاف ثقافاتهم وأشكالهم ويبقى هناك هؤلاء الذين يتلاعبون بمن يملك مثل هذه الأفكار فقط لأنهم لا يملكون المقدرة على الثبات !

وقد كانت واحدة من هؤلاء المتلاعبون .. وكم كانت بارعة في تلاعبها   .


كانت تحاول زحزحة شعورها بالذنب جانبًا متحججة بأنهم ما كانوا ليكونوا بهذه السهولة إن لم تكن معتقداتهم أقوى من هراء النصف الذي يُكملك. تضحك. ما كنت لأكون أنا بهذا التمكن إن لم تكن هذه الأفكار لا تزال متداولة "يا لهم من أغبياء" فكرت وهي تتنهد ثم تعود لتضحك وتضع أحمر الشفاه وترتب خصلات شعرها ثم تقف لتنظر لنفسها بالمرآة، فخ متحرك جاذب كما تجذب النار الفراشات لخلاصها وكمن أضاء عقله بفكرة عبقرية جديدة .. أه أنا بالفعل أخلصهم من عناء البحث عن أخر. تعود لصورتها تلمح صورة أحدهم تبدأ باللمعة في عينيها فتغمضهما سريعًا ثم تفتحهم لتضع لمسات الكحل الأسود على عينيها، كحل أسود يُعطيني الطابع الشرقي الذي يقعون لمثله.

تقف لتتأمل نفسها بإعجاب ثم بطرف عينها تلمح الأوراق على منضدة خلفها، الرسائل التي كان يبعث بها إليها فتزفر بعصبية ثم تعود بنظرها لانعكاسها الذي أفل أمامها .. أغمضت عينيها وهي تردد: الكحل الذي أضعه غير مقاوم للماء ! توقفي .. توقفي ..

تنفست بثقل وحاولت أن تتمالك نفسها ولا تبكي، مضى وقتًا طويلًا جدًا منذ أخر مرة بكت فيها أصبحت الدموع هذه من الذكريات البعيدة مثلما تجلس أنت وتُريح ظهرك وتُغمض عينك لتحاول أن تعتصر ذكرياتك ماذا كنت تقول بشكل ظريف وأنت طفل فتجعل كل من حولك يضحك وتفشل، هي كذلك تفشل في تذكر متى سالت تلك الدموع بحرارة صادقة على وجهها، لا يهم الآن، المهم أنها لا تضع كحل مقاوم للماء بعينها .

انتهت من هندامها كامل من أول شعرة برأسها لأخر كعب حذائها كله يوشي بأنك يجب أن تقف أمامها بفم نصف مفتوح وعيون مشخصة عليها وأفكار متعددة نصفها قد يقع تحت طائلة القانون إن خرجت عن حدود عقلك ثم تُبدي إعجابك بكلمةٍ ما كل ما بها يُحتم عليك أن تقول شيئًا ما يُخلِد في التاريخ لحظة مرورها بك.
ثم همت بالنزول لعملها متحاشية النظر لذلك المكان الذي تتوسطه رسائله.


تذهب لعملها في نفس الموعد كل يوم يحفظ هو ذلك جيدًا يعلم مدى تعلقها بالنظام ورغبتها في التحكم بكافة التفاصيل الصغيرة لتشعر بتحكمها بعالمها حتى لا يخرج أي شيء عن الاطار الذي رسمته وبالتالي لا مفاجآت أو خيبة أمل تتعثر بها، الطريق الآمن هو التحكم بتفاصيل حياتك. يتحاشى هو أن يتقاطع معها بخطوط سيرها أو بمواعيدها فيضطر أن يُتقن هو الأخر التعلق بالنظام والتحكم بالتفاصيل ولكن فقط فيما يخص ملاقاتها فيرسم خريطة يومه بناء على النقاط الحمراء التي تعني وجودها وهكذا يتلاشى أن تنطلق كل الأسئلة المتراكمة بداخله فجأة على وجهه أو عينه فيُربكه أمامها ويُظهره بمظهر الضعيف فتسعد هي وهو قد تخطى الآن مرحلة إسعادها .. أليس كذلك؟


لم تتساءل هي لما لم تتقاطع دروبهما في الفترة الأخيرة فهو القصة التي انتهت فصولها لذا لم تعد تلك الصفحة أول ما تُطالعه بعقلها فهي الآن تبحث عن الضحية الجديدة، يظهر بوضوح في عينيها التي تعمل كرادار يفحص من حولها وشرودها وهندامها الذي تهتم به كثيرًا في مثل تلك الأوقات الفارغة منهم.

تخرج من عملها تبحث عن مكان جديد لتقضي به بعض الوقت، مكان به دماء جديدة عليها ووجوه يبدو عليها اعتناقها لفكرة البحث عن الأخر، لا تدري هي لما تملك تلك البوصلة تجاههم وكأنها حاسة سادسة أو قُلْ سابعة قد نمت لديها مع الوقت تجاههم فأصبحت ترصدهم بالفعل كما يرصد الرادار تلك السيارات زائدة السرعة على الطرقات ولكنها دومًا ما تُشبههم بمن يتسلق خارج فيلم لم تطله الألوان ليركب سيارة حديثة بفيلم مُشبع بالألوان بصورة عالية الجودة. هي بالفعل كمن يملك عين ثالثة ترصد قطعة البازل المختلفة في لعبة ذات ألف قطعة ترصدها على الفور بعين الخبرة وتدري اختلافها عن من يُحيط بها.


لم يخطر ببالها قط لعب دور الضحية فهو سهل للغاية:

أه العالم كله ضدي

أه أنا المعذبة بالأرض

أه كل الرجال متشابهون خائنون

أه لما كل هذا يا الله لما يكرهني العالم .. تضحك عليهم وعلى استسلامهم البشع لدور مغلوط وضعن به ورضين به ثم مع أول حرق إصبع صرخن يشتكين العالم الظالم، أه أنتم من ارتضيتم من الأساس أيتها الخائبات ثم مهدتم الطريق ليعتقدوا بأننا كلنا نُشبهكن .. ياللعار حين يهدرن قدراتهم الأنثوية بتلك البساطة المفتعلة. أنا مختلفة أقصى ما تتمناه احداهن أن تضع تلك الخطة العبقرية لإيقاع أحدهم ثم إن حدث وماتت ستكون أسعد من بالكون وينسونَ أو يتناسينَ فقدهن حينها لغريزة البقاء فبعدما يتملكن ذلك الرجل الهدية ستصبح كل دفاعاتهن صفر ليصبحن معرضات للهجر بأية لحظة وهو ما يحدث غالبًا حينما يكشف رجالهن أنهم يُريدون أكثر، هذا ما أملكه أنا أني أريد الأكثر ..


لا تُدخن ولا تشرب القهوة ولكنها حتمًا تستمع لفيروز، لا تضع نفسها بقالب غيرها أبدًا، تُتابع الأحبار المحلية والعالمية وأحيانًا تقرأ بشراهة وأحيان أخرى لا تشتهي سوى الاستماع لبضع أغنيات مختلفة يُمكنها أن تُتابع كرة قدم أو كرة سلة أو أي من أنواع الكُرات التي يتلهف العالم عليها. هي خليط مختلف أشهد لها بذلك ولكن ما كان أمامي سوى الوقوع بشباكها لم تترك لي خيار أخر ولم أبحث أنا عن أي اختيار، أمامها لن تُفكر سوى بـ "أين هو ذلك الطريق المؤدي لها؟ أهوى الوقوع."

هي أرادت وأنا نفذت، والآن هي تمضي لاستكمال حياتها وأنا معلق هنا أرسم خرائط تلاشيها ومجلدات في كيفية الصمود بعدها !


لا يلومني أحد منهم على إفاقتهم من ذلك الوهم بالطبع هي خدمة العمر لهم، تردد على نفسها وهي تتجول بنظرها باحثة عن القطعة التي لا تتماشى مع كامل المشهد حتى وجدتها، يوم جديد .. ضحية جديدة، فلنبدأ ..


*يُتبع بجزء ثان*

ساره عاشور