الأربعاء، 22 مايو، 2013

12:12


** الساعة الآن 12:12 صباحًا في بلدتي .. هذا هو التوقيت اليومي الذي أحفظه.
هذا هو توقيت انفراطك من قلبي ..

* في نفس الدقيقة في مكانٍ ما من العالم .. كانت هناك فتاة وحيدة تبكي على قارعة الطريق، تبكي قلبها وقلبي ، ربما ..
في الدقيقة السابقة كانت تقف مع حبيبها تشكو له هجرانه لها .. تشكو له منه ..
ولكنه لم يتحمل حديثها وقسى عليها ثم تركها تقف على قارعة الطريق تبكي، وتحاول ألا تنظر مباشرة للشمس لأن النظر المباشر للشمس يسبب انصهار القلوب المجروحة وهي ستنتظر عودته.
لعدة أيام كان هذا هو التوقيت اليومي لها لتبكيه وأحيانًا على قارعة الطريق .. سيتعثر بدموعها ذات مرة وينكسر قلبه ..

* في نفس الدقيقة كان هناك رجل يضع باقة من الزهور مع غروب شمس يومه على قبر زوجته، 5 سنوات وهذا هو التوقيت اليومي الذي يحفظه وبنفس عدد الزهرات بالباقة وبنفس طريقة بكائه ونفس الطقس اليومي يُعيده .. يضع الزهور عند رأسها ثم يجلس عند قدميها ليحكي لها ما يفوتها هنا وأغلب ما يفوتها يكون فقط .. هو ..

* بنفس الدقيقة كان سكير يقذف بعرض الطريق بواسطة الساقي في الحانة، ابنته قتلت نفسها فقتل هو روحه بالخمر ولم يحتمل أحد صوت نواحه بعدها فكان الطريق مصيره ..

* في مكانٍ أخر وبنفس الدقيقة أيضًا .. كان العالم يستقبل طفل جديد لأب وأم انتظراه بشغف لسنوات عديدة، استغلوها في تعلم الطرق الأمثل لتربية الأطفال ثم مع أول نظرة للكائن الصغير القابع فوق يديهما نسيا تمامًا كل شيء وكأنه جاء ومعه ذاكرة جديدة لهما ..

* في نفس الدقيقة كانت فتاة تُحادث صديقتها محاولة ترميم قلبها معها، بضع ضحكات مُزيفة لإخفاء الوجع الكامن بالشق الأيسر من الصدر ثم فجأة دموع تنهمر بلا توقف ثم شهقة وكأنها بُعثت من جديد .. كلمات كثيرة قيلت وبعدها قررت ألا تتخلى عنه ..
كانت صديقتها تفكر دون حديث أنها ربما حمقاء أو ربما تكون ذكية لن نعلم سوى بعد تجارب عديدة ..
صديقتها تتجول بكسور قلبٍ ولكنها تُخفي ذلك جيدًا عن أعين الجميع فالشفقة يُمكنها أن تُدمر بدرجة أكبر من انكسار القلب نفسه .. لذا تتحامل على عصا وهمي من كلمات كثيرة تُرددها بين الحين والأخر فيما يعني أن قوتها يجب أن تأتيها من داخلها وإلا لن يُصلب لها ظهر .. انحناءة قليلة لن تضر .. ما لم يتسبب في قتلك يوجعك قليلًا أو ربما يكسرك ولكنك ستبقى على قيد الحياة لتُحدد ما تبقى لك ..

* في جانب أخر من العالم كان يبكي رجلٌ ما .. يحاول منذ فترة كبيرة التأقلم مع خبر زواج طليقته ولكن أمله بعودتهما كان يطغى على كل تفكيره وكأنها فقط مسألة وقت ليس أكثر .. يجلس ليُرتب ما تبقى لهما من عُمر سويًا وكيف سيعوضها عن الأيام التي ابتعدا فيها وهي تجلس بنفس الدقيقة لتختار باقة زهور عُرسها وهي تدفع ذكراه بعيدًا لتبدأ من جديد ..

* في نفس الدقيقة .. كانت العائلة تودع أكبر أفرادها، الرجل الذي يحمل أعوام عدة من الخبرة فوق كتفيه حتى انحنيت .. من يحمل هم كل كبير وصغير بالعائلة ومن يهرع له الجميع للنصح بات الليلة في مكانٍ غريب ولا يوجد بجانبه كوب الماء الذي يحفظ به طقم أسنانه ولا توجد ساعة جيبه التي أهدتها له زوجته الراحلة ولا صورتهما معًا .. ربما يلتقيها الليلة بظهرٍ مفرود ..

* في نفس الدقيقة بشقة ضيقة في حارة أضيق، كان زوجًا ينهال بكل ما أوتي من قوة فوق وجه طفله لأنه لم يتعلم درسه جيدًا فكم من مرة يُعنفه لأن أطفال الحارة يأخذون منه الحلوى وهو فقط يقف ليبكي وكأنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه .. كيف لطفل لم يُعرف له طول مُحدد بعد أن يحرج أبيه هكذا ويبدو ضعيفًا !!
ثم استكمل ليلته بتعنيف زوجته بصوتٍ كان يملئ تلك الشقة أكثر من ما بها من مفروشات معدودة .. وتجلس الجارات كُلٍ بجانب نافذتها لتتابع بدقة تفاصيل الليلة التي لن تمر بخير حتمًا أو هكذا تمنوا .. هذا أفضل كثيرًا من متابعة تلفاز فأنت هنا تستطيع بكل ما تملك من حيلة أن تُغير الأحداث وتؤثر على الواقع.

** في دقيقة أخرى جلست أبكيك .. فرغت من تأمل أحوال العالم التي تفوقني في بؤسها لأعود فأبكيك مجددًا ..
أضع طلاء أظافر أحمر بأظافر قدمي وأبكيك ..
أستمع لأغاني مفضلة وأبكيك ..
أجلس لمحاولة تجميع ذاتي المبعثرة في أطراف الكون وأبكيك ..
أرتب محتويات حقيبتي وأبكيك ..
أقف تحت الماء المنسدل على جسدي فتزداد حرارة الدموع ويزداد بكائي ثم أشهق فأتنفس فأقف وكأن الكون لم يكن منذ لحظات يطبق بيده على صدري وكأنني لم أحفر أنهار مالحة فوق وجنتي ويقف بكائي وكأن الدموع قد جفت من منبعها ..

وأتنفس وأنتظرك ..


ساره عاشور