الثلاثاء، 18 سبتمبر، 2012

كاد يكون ..


مرت بيدها على الفستان الأبيض أمامها، أعجبها العمل المُتقن به والرقة والبساطة التي يُوحي بها. لمعة بعينيها أوحت للبائعة أنها حتمًا ستشتريه فاقتربت منها لتسألها إن كانت تبحث عن شيء معين ثم أمسكت بالفستان الذي أعجبها وأثنت على ذوقها العالي وبدأت في حديث الباعة الذي يبدو دائمًا وكأنه لن ينتهي عن نوع الأقمشة المستخدم ومميزاتها عن غيرها ثم نوع الزينة المستخدمة وأنها مُحكمة الصنع لن تنفرط بسهولة من الفستان كحال البعض الأخر وبقيت تتحدث وتتحدث وهي تقف أمامها تنظر لفمها الذي يتحرك ولا تسمع غير كلمة أو كلمتين من الجُمل وتنقل عينها بين البائعة والفستان الذي بيدها ثم خرجت مُسرعة من المحل وتركت البائعة في حالة ذهول لم تَطول لاقتراب شارية محتملة أخرى ..
أطلقت ساقيها للريح، لا تتذكر ماذا ركبت ولا بمن اصطدمت وليست متأكدة كيف وصلت للمنزل وهي بهذه الحالة التي ظنت معها أنها ستتوه حتمًا وسط الزحام وأمواج البشر حولها.
وصلت لمكتبها وفتحت جهاز الكمبيوتر وانتظرت اكتمال الاتصال بالانترنت ثم فتحت الايميل واختارت اسمه، بعد رؤيتها لما كان يمكن أن يكون فستان زفافها .. جلست تكتب لمن كاد أن يكون زوجها:

"اليوم تأكدت أن الأمل قد ضاع بالفعل ..
لا أدري لماذا أكتب لك الآن وأنا التي أصبحت غريبة عنك .. أنا من كادت أن تكون شريكتك في رحلة الحياة.
فقط مررت بما كان يمكن أن يكون فستان زفافي .. زفافي إليك !
كان وكأنه طُرّز من أجلي فقط ولكن لا يوجد بدلة ستقف بجانبه الآن ..

فقررت أن أكتب لك كل ما كان يجول بخاطري طوال الفترة الماضية. بالطبع لا أعلم أي شيء عن حالك ولا إن كان يُهمك كل ما سأعترف لك به .. نعم هو أقرب للاعتراف من مجرد الحديث أو البوح، أنا سأعترف لك لأغتسل من ذنبي أمامك فأمضي دونه لأكمل حياتي.
أن استطعت اكمالها ..

إخبار كذبة منمقة أفضل كثيرًا من قول الحقيقة مجردة، هذا ما كنت تريد مني فعله وما كنت تريد سماعه وهذا ما نصحني به جميع من حولي. أن أكبت داخلي كُل ما كان ينمو تجاهك لأبتسم بوجهك كاذبة وأخبرك أني بخير كاذبة ويُمكن أن أزيدها بـ أحبك وأيضًا كانت ستكون كاذبة .. كان يمكنني بالفعل أن أقوم بهذه المسرحية ببراعة، بعض النساء تملك قدرات تمثيلية بارعة لن تستطع معها أن تفرق بين الصدق والكذب.
لدي هذه المقدرة على ما أعتقد ولكن ليس لدي قدرة تحمل الاستمرار بها لوقت طويل .. كعمري كله مثلًا.

منذ لحظة دخولك لمنزل عائلتي واعلان خطبتنا ثم دبلتك التي خنقت اصبعي، هل قلت لك من قبل أنها كانت بالفعل تخنق اصبعي؟
هل رأيت آثار الازرقاق عليه؟
بالطبع لا .. كذبة تمت بإتقان.
بعدها ومحاولاتك وعائلتي لدفعي في طريق لا يستهويني، محاولة جعلي زوجة مستقبلية والنصائح التي ملئت رأسي والأشياء التي مُنعت عني أو التي أصبح عليَّ فعلها وفوق هذا كان عليَّ أن أقول لك أنت الغريب عني بكل خلية فيك أنني أحبك !

هكذا بكل بساطة لمجرد أن دبلتك تخنق اصبعي أصبح علي أن أخنق قلبي معه. ولكني حاولت بالفعل حاولت إرضاءً لوالدتي وأحيانًا لك أنت لمحاولاتك المستميتة لإرضائي، كنت أحاول خنق قلبي بدبلتك.
حاولت التعايش في لحظات الفتيات تلك أنني الآن مخطوبة فعليَّ إتقان هذا الدور بكل جوانبه، أغير ملابسي لتتماشى وذوقك أو لوضعي الاجتماعي الجديد وكأني كنت ألبس فقط لجذبك والآن انتهت المهمة ثم أغير ما أفكر به ليصبح المنزل والأطفال ولون غرفتهم وحتى علي أن أغير طريقة مشيتي.

ثم بدلًا عن استكمال ذلك الدور الذي يعيشه الجميع بأن أقف بجانبك بفستان أبيض مبتسمة قررت أن أعيش دور أخر، إرجاع الهدايا لعائلتك والمرور بعاصفة من الرفض من عائلتي وعليّ ألا أنهار.

حاولت بالفعل التماشي مع جانبي الأنثوي الذي كان كالجميع يطمح لكل ذلك ولكن بجانب شخص ينظر له بإنبهار ولا يجعله يتلبس دور لا يليق به. لا يتعايش بحياة لا يطيقها. يكون فقط نفسه.

خلعت دبلتك عن اصبعي ليعود الدم له فيحيا .. ويعود الدم لقلبي فينبض.

أنا قررت أن أكون شجاعة بالنيابة عن كلانا فأنهي هذه المسرحية الطويلة قبل أن تبدأ وأضع نهاية لتعاسة قبل أن تبدأ.
لن أطيل عليك حتى لا أفتح جراح يجب أن تُضمد الآن ..

أقول لك الآن ورغم شبه الانهيار الذي حل بي أنني لم أحبك ومن اعترافي هذا تنتج القوة التي تجعله يقف عند كونه فقط شبه انهيار.
أقول لك الحقيقة مجردة لأن هذا حقك عليَّ ..
أقول لك أنني اكتشفت عدم قدرتي الكاملة على تمثيل الأدوار بإتقان ..
فسامحني .. "

ثم ضغطت إرسال وأغلقت جهاز وذهبت لتنام لأول مرة منذ فترة طويلة نوم عميق.


ساره عاشور

هناك 8 تعليقات:

  1. حوووووووة ياسارو

    ردحذف
  2. اكثر من رائعه :)

    ردحذف
  3. جميلة طريقة السرد.. بدأتي بالذروة ورجعتينا لشرح الحدث والصراع

    البطلة اختارت التوقيت الأمثل (من وجهة نظري) للبوح بحقيقة مشاعرها

    قصة جميلة جدا يا سارة زي عادت

    ردحذف
  4. جميله .. ومؤلمه .

    ردحذف
  5. ما اصعب ذلك الشعور .....حين نمثل رغما عنا ونضحك رغما عنا ونقول كلاما ايضا رغما عنا....وكأننا نقاوم تيارات داخلنا التي تكاد تغرقنا لاننا نمشي بعكسها .....صعبة جدا تلك الحروب التي ننشأها ليس مع غيرنا بل مع انفسنا من اجل ان نرضي غيرنا ....

    ردحذف
  6. كم هو صعب ان نكون عكس تيارات انفسنا والاصعب ان نصر على مقاومتها ظنا منا اننا نستطيع التغلب عنها وانه يمكننا النجاة من شبحها بسهولة.......لكن حين تستيقظ حقا ستلتهمنا ...لتترك الم الندم يكمل ما تبقى فينا ........

    ردحذف
  7. بالظبط نفس اللى حصل معايا يا سارة بجد :(

    ردحذف
  8. جميله حبيبتي

    ردحذف