السبت، 19 يناير 2013

مُفردات الوحدة


على أحد أرصفة محطات المترو كانت تقف وحيدة مستندة للحائط تعبث بالهاتف الموجود بيدها ويبدو أنها تستمع لأغاني أو من عبثها بالهاتف فهي تبحث عن ما تستمع له، تُقلب بعصبية واضحة وحزن بادي على وجهها، ما هي إلا دقائق و بدأت الصفارات المزعجة في الاعلان عن قدوم القطار نظرت للضوء الأحمر في غضب ثم رجعت لهاتفها ولم تقترب من حافة الرصيف لتركبه ولكنها انتبهت لكل ما كان يحدث حولها لحركة دخول وخروج الناس من العربة أمامها وسير وأحيانًا ركضهم بجانبها ثم وجدت كرسي فارغ على المحطة فجلست عليه وبقيت تُراقب القطار حتى اختفى بكل عرباته.
لم تكن الوحيدة الجالسة متجاهلة قدوم القطار ولكن الجميع حولها لم يكن وحيدًا، تركت هاتفها جانبًا مع بقاء السماعات بأذنها وأخرجت من حقيبتها كتاب وفتحته وقرأت قليلًا ثم انتبهت للضوء الأحمر على الرصيف المقابل ونظرت له بنفس مقدار الغضب الذي نظرت به لسابقه، أعتقد أنها تكرهه لسببٍ ما. جاء القطار بكل الضوضاء التي تُصاحبه ثم أتي أخر وأخر وهي تجلس بمكانها تُراقب القطارات أحيانًا والبشر في أحيان أخرى وتعود لكتابها أو تغير أغنية لم تعجبها.

بعد ما يقرب من ساعة وقفت لتركب القطار القادم بعد نظرة طويلة مليئة بخيبة الأمل تجاه مدخل المحطة ثم استسلمت أخيرًا وركبت، ذهبت لركن العربة بجانب الباب بعيدًا قليلًا عن زحام منتصف العربة والكتاب بيد والهاتف باليد الأخرى ووقفت تُراقب راكبات العربة وتصرفاتهم وتستمع لكلامهم وضحكاتهم وهي تفكر لماذا لا يتوقفون عن الحديث !
بعد تخطيها لمحطتين نزلت بالمحطة الثالثة ليست مكان نزولها المُعتاد ولكنها ملت من التواجد بهذا الزحام، ثم بعد نزولها بلحظات اتصل بها، نظرت لاسمه على الهاتف وترددت بين الأخضر والأحمر ثم قررت أن تجد مكان هادئ لترد عليه ثم أجابت.

حدثها متأسفًا كثيرًا عن تأخره عليها ثم سألها إن كانت عادت للمنزل أم مازالت بالخارج فهو يُريد رؤيتها.
فقالت أنها مازالت تنتظر المترو فسألها بأي محطة لأنه بالمحطة التي وعد أن يأتي لها بها.
فقالت أنها قد نزلت لأن العربة كانت مزدحمة وهي لا تحب الزحام.
فاعتذر لها مرة أخرى لأنه يعلم ذلك ولأنه عرضها لما تكره.
فقالت له إنه لا بأس ربما علينا أحيانًا أن نجرب ما نكره فنكتشف جوانب جديدة بشخصياتنا فأنا اكتشفت أنني يمكنني أن أتحمل الزحام في سبيل مراقبة الناس ولأجل لقائك أيضًا ..
فقال لها: لا تتحركين أنا سأركب الآن لآتي إليكِ.
فوافقت مازال الوقت مُبكرًا للعودة على أية حال.
طلب منها أن يبقى معها على الهاتف حتى لا يكون أيًا منهما وحيدًا حتى يلتقيان فقالت له هذا أفضل فالكل حولي ينظر لي بريبة وكأنني سأفجر المكان فضحك وقال لها أنها تملك الخيال الأغرب فابتسمت وقالت بضع خيال يلزم لحياة ذات متعة أكبر فوافقها على الفور.

يوافقها على كل ما تقول، تكره هي ذلك أحيانًا ولكنه أمر يُعزز غرورها.
كانت تُفكر لماذا طلبه المٌلح المفاجئ أن يتقابلا بل و إصراره أن تنتظره الآن !

سألها: أين شردتِ؟
فقالت: لا شيء أنا معك، فقط تذكرت شيئًا ما.
فقال: هل لي أن أعرف ما هو؟
فقالت: صداقتنا تعود لسنوات بعيدة، أليس كذلك؟
فقال: نعم صحيح. لماذا تذكرين ذلك؟
فقالت: أتذكر في أول شهور تعارفنا أنك قد طلبت مني الارتباط عاطفيًا وقلت لي أنك تحبني.
فقال: نعم صحيح أيضًا، أتذكر ذلك ولكن ذلك ليس سبب مقابلتي لكِ اليوم.
فضحكت وقالت له: لا يوجد على وجه الأرض من يفهمني مثلكَ.
قال لها أن المترو قادم لمحطتها الآن وسألها عن مكان تواجدها ثم عندما رآها أغلقا الهاتف. ذهب إليها وألقى السلام وقال لها مُغازلًا: في كل مرة أراكِ تبدين أجمل، فما سركِ؟
فابتسمت وقالت: ولا أحد يعرف كيف يُرضي غروري ويُضحكني بنفس الوقت مثلكَ.
فضحك بشدة واستغربت منه ذلك فطلب منها أن يذهبا للجلوس بمكان قريب فوافقت.

طوال الطريق وهي تنظر له لتتأكد أنه لا شيء متغير به ولا يوجد أي شيء يلمع بيده ولن يجرؤ أن يُقبل على خطوة كهذه دون تواجدها بجانبه ولكن هل أتى ليطلب مني أنا الزواج أم ليُعلن لي خبر زواجه !
أخشى أن أفقده في الحالتين ! لن أستطيع الزواج منه ولن أستطيع أن أفقده لأخرى !
كان محقًا عندما قال لي ذات يوم أني أعلّقه دائمًا بجانبي بمقدار يسمح له بحرية الارتباط بعلاقات سطحية بعيدًا عن التوغل بحب امرأة أخرى وبمقدار يجعله معلقًا دائمًا برغبته في الفوز بي كزوجة المستقبل. ألقي له بالوعود وأخطف منه فرص التنفيذ فيبقى بجانبي ولا يبقى بجانبي. علاقة معقدة كما قال ولكنها تُرضيه.

وقف أمام أحد المقاهي وقال لها: أعلم أنكِ تُحبين هذا النوع من الأماكن.
جلسا وطلبا شايًا وقهوة ثم شرد عنها فقالت له: هل أتينا إلى هنا لتذهب بعيدًا؟
فقال: ومنذ متى تتركيني أذهب بعيدًا عنكِ؟
قالت: أنت تملك كامل حريتك في ابتعادك عني ولكنها رغبتك أنت في البقاء.
ابتسم وهز رأسه بالموافقة ونظر ليده.
فسألته إن كان مقبلًا على الزواج.
ضحك بشدة وقال لها: أنتِ تعلمين أن هذا المكان بحياتي محجوزًا من قبل وينتظر فقط موافقة جلالتكم.
أخجلها.
فقال لها أن الأمر بعيدًا عن ذلك الموضوع تمامًا ولكنه بنفس الوقت مرتبط به.
فقالت له: لا أحب الحديث بالألغاز تعلم ذلك.
فاعتذر وقال: هل سمعتي من قبل عن مصطلح مفردات الوحدة؟
فردت بالإيجاب وقالت له: هل صرت تؤلف روايات الآن؟ إنه مصطلح أدبي للغاية.
فوافقها الرأي فقالت: لماذا دائمًا توافقني في الرأي؟
فقال: لأنك تمثلين العقل الذي أتمنى أن يُرافقني في رحلة الحياة وتعلمين ذلك ولكن هناك ما لا يعجبني أحيانًا بتفكيرك بالطبع ولكن إن خالفتك فيه قد أبدو لك كمن يُريد حبسك أو تغييرك وأنا لا أريد ذلك.
فقالت بغضب مصطنع: هل أصبحت تقرر بدلًا عني الآن؟ تحسبني لا أملك القدرة على تمييز رغبتك بتغييري أو فقط مجرد اختلافنا في الرأي !
فقال لها: لا ليس كذلك .. ليس موضوعنا هذا الآن على أية حال   .

جئت لأحكي لكِ عن مفردات الوحدة، فهي تُمثل أشياء قد تبدو بسيطة بالنسبة لكِ كقلة اهتمامك بما يجري بحياتي بعيدًا عنك أو عدم رغبتك في اظهار غيرتك وحبك أو مثلًا ابتعادك بالأيام وعدم السماح لي بنفس الفعل وأشياء كهذه تُعزّز شعوري بالوحدة مع علمي التام يوجودكِ بحياتي فتصير وحدتي مفككة لمفردات بسيطة عوضًا عن وحدة كاملة أي أنني لا أملك تمام وحدتي أو تمام وجودكِ يحاتي فأصبح بلا وحدة. تفهمين ما أقصد بالطبع ونظر لها فنظرت بالاتجاه الأخر مع نصف ابتسامة على وجهها.
وقالت: أنت تدري أني لا أملك القدرة على الالتزام ولم يفهم هذا الأمر طوال حياتي غيركَ فلم تريد تغيير ذلك الآن !
فنفى أن هذه هي رغبته وقال لها: أنا طلبت مقابلتك لأني أملك فرصة جيدة للسفر والعيش بالخارج، فرصة للهجرة ولا أريد لوحدتي أن تأتي معي بل أريدكِ أنتِ معي ولنحل معًا مشكلة عدم قدرتك على الالتزام فأفوز بكِ كاملة وأنهي وحدتي كاملة.
 
فاجئها طلبه ولمح هو ذلك عليها فقال: أنا أعلم أن ذلك أمر مفاجئ ولكني لا أملك الكثير من الوقت لترتيب كل أموري ولكن ما يهمني قبل أي شيء هو أن اطمئن أنكِ ستكونين معي ونمحو معًا كُل ما سبق وتكون سنوات صداقتنا هي القاعدة التي يبنى عليها زواجنا الناجح. أنا أحبكِ وأعلم أنكِ تُحبيني أو على الأقل تحبين التواجد معي وأخشى أن يمتد تعريفي لمفردات الوحدة إلى الغربة أيضًا والغربة تكسر البشر، الغربة تُضيّع كل جميل بك. وأنتِ أجمل ما بي وأكثر ما أخشاه من فقد وجودك جانبي هو افتقاد وجودك داخلي.
كانت تتابع كل ما يقول وتتابع حركات وجهه وإيماءات جسده الصادقة فقالت: أنا أحب التواجد معك بالفعل.
أحنى رأسه في انهزام. فابتسمت وقالت: هلا تدعني أكمل ثم تقرر.
فنظر لها بأمل، فأكملت: أحب التواجد معك وأحب أكثر أن أمحو مفرداتتك هذه لأكتب غيرها وأعتقد أنك محق بأن صداقتنا ستكون خير بداية لعلاقة ناجحة. ثم أنني قلت لك مسبقًا لا يوجد من يفهمني مثلك ولكني نسيت اخبارك أنه لا يوجد من يحبك مثلي.
ابتسم كالمنتصر وأمسك بيدها فاحمر وجهها.
فقال: أخيرًا وبعد سنوات أرى هذه الحُمرة على وجهك !
لا تعلمين كم تمنيتها.


ساره عاشور