الثلاثاء، 18 ديسمبر، 2012

Clutter


"فوضى !"
هذا هو كل ما يستطيع أي أحد أن يصف به شقتي، يرونها كما المدن بعد أن يضربها الأعاصير مليئة بأشياء لا تعرف من أين أتت ولكني أعرف من أين أتى كل هذا وأتذّكر كل قصة خلف كل شيء هنا.

-للوهلة الأولى بالمكان لن تُصدق كمية الأشياء الموجودة به، لن تجد وصف أو لن يجد عقلك الكلمة المناسبة لانشغاله بعدد الأشياء الموجودة حوله. سمعت قصتها من زميل لي، قال أنه هناك امرأة ما منزلها مكدّس بأشياء كثيرة بقيت لسنوات تجمعها وتكاد لا تعرف كيف تتحرك داخل شقتها، لم أفهم من أين علم بذلك ولا لماذا لا يملك أي فضول ليعرف ما قصتها فقررت أن أصل لها لأعرف منها حقيقة حكايتها وأكتب عنها بالجريدة.

مثلًا هذه الجرائد، أبي كان دائمًا يواظب على أن يأتي بهذه الجريدة يوميًا عندما ينتهي من عمله نفس الجريدة بلا تغيير رغم زيادة تنوع الجرائد كل عام تقريبًا ولكنه بقى وفيًّا لجريدته ولذلك أحافظ على وفائه هذا بأن أجلب نفس الجريدة يوميًا ولكنني لا ألقي بها بعد ذلك .. أبدًا.
وهناك هذا الذي هناك، نوع من الحلويات كانت أختي الصغيرة تُحبّه ومن بعدها أميرتي الصغيرة، أحتفظ بكل الأغلفة هنا.
وهذه الاسطوانات بجانب الجرامافون، إن كنت تستطيع رؤيته "تبتسم في قلق" إنها كل الاسطوانات التي استطعت جمعها للمطربة المفضلة لدى والدتي.
يوميًا كنا نجلس لنستمع لها بعد العشاء وهذا الجرامافون بالمناسبة كان لوالدتي "نظرة حنين بعينيها".

كل هذه الأشياء حولي لا تعني أي شيء لأي أحد أخر وهذه واحدة فقط من الأشياء الرائعة بها، هي أشياء تعني لي عُمر قد مر وتعبّر لي عن من فقدت وأشتاق .. أشياء تعني لهم "قمامة" ولكنًها تعني لي العالم كله بحلوه وقمامته أيضًا.
ماذا تفعل أنت في حياتك؟ ماذا يفعل أيًا منا في حياته؟
كل ما نفعله هو البحث عن شيء يُكسبك الأمان أو حتى احساس زائف بالأمان سترضى به تمامًا وتنعم بنومٍ هانئ ليلًا وأنت تعلم تمام العلم أنه زائف !
وظيفتك كصحفي تُعطيك أمانٍ ما، صحيح؟

-هززت رأسي بالموافقة.

فأكملت: هكذا كل ما ترى حولك، أنت تتمسك بأمانك في شيء تفعله وأنا أماني في كل هذه الأشياء التي أستطيع لمسها كل دقيقة من كل يوم وأتذّكر كل المواقف حولها بل وأعيشها كل يوم معها.
طفولتي في بيت عائلتي، مراهقتي مع اخوتي وحتى النمطية في حُب ابن الجيران، ولكن عاداتهم الصغيرة تلك المتمثلة في جريدة أبي واسطوانات أمي وحلويات أختي تلك هي العادات التي تمسّكت بالحفاظ عليها حيّة دونهم.
كل مرة تأتي ابنتي إلى المنزل إن أتت بالأساس، لا تستطيع فهم ذلك وتراها ككل العالم مجرد فوضى أو فقط أنني لا أملك القدرة الطبيعية على التخلص من الأشياء أو أنني أملك وسواس مرضي يجعلني أتسوق ولا أتخلص من شيء بعد ذلك.

-أنظر لها ببضع شفقة وهي تتجول بين الأشياء كالمجاذيب.

أكملت: هناك بالطبع أشياء أخرى هنا تخصني أنا وتخص ما أشتهي ولا أستطيع التخلص منها، كومة الكتب تلك أو هذه الفساتين هناك أو ..
وراحت تتجول محاولة عدم التعثر ثم أمسكت بشيء لم يكن له مثيل حوله.
وهذا الهاتف هنا هذا إنه ليس فوضى ولكنه لا يرن !
لدّي هاتف لا يرن، هل لديك هاتف لا يرن؟

-جاوبتها بالنفي واستعلمت عن الأمر، ابتلعت مرارتها ونظرت للسماعة بيدها في حزن شديد.

قالت: إنه يعمل، أعني أنا أدفع فاتورة خدمته كل شهر في موعدها تمامًا ولكن لا أحد يهاتفني .. لا أحد أبدًا.
حتى ابنتي أميرتي الصغيرة، أظنها لا تدري أني لدي الهاتف ولم تشغل نفسها أن تسأل، فأنا والدتها المجنونة صاحبة الفوضى !
كل هذه الأشياء القيّمة حولي وكل هذه الذكريات والأشياء التي تبدو متشابهة جدًا ولدّي هاتف لا يرن ..

-طلبت منها رقم الهاتف فتفاجئت من طلبي وأعادت السؤال لتتأكد أني أعني ما طلبت فأكدت الطلب مرة أخرى وعقدت العزم على أن أهاتفها يوميًا أو على الأقل كلما استطعت.

أعطتني الرقم وهي غير مصدقة ثم أنهيت مقابلتي معها.

ذهبت للجريدة لأكتب مقالتي عنها.
اخترت الصورة المناسبة والعنوان المرادف لحالتها بالانجليزية "Clutter" وهي تعني تكديس الأشياء حولك وعدم القدرة على التخلص منها أو كما نقولها بالعاميّة "كراكيب" ولكنها نوع مختلف فهي أشياء تحمل لها قيمة عاطفية كبيرة ليس "استرخاص" أو التحجج بأنها قد تحتاج إليها فلا تُلقيها .. هي حكاياتها التي لا يُمكنها أن تُلقي بها وعليها أن تُعيد سردها لنفسها يوميًا، تنزل لتشتري جريدة أبيها ثم تتمشى قليلًا بشوارع المدينة حتى تصل لمحل الاسطوانات تشتري اسطوانة لنفس المطربة قد تكون تملك منها ألاف النسخ في المنزل ولكن ذلك ليس المهم فالمهم هو كيف ستحكي لنفسها على شيء قديم لديها سبق وأن جلست وقالت نفس القصة وهو بيدها !
الأشياء حولها تحفظ قصصها لذلك كل يوم تأتي بشيء جديد حتى تكون القصة له جديدة وكأنها أول مرة يهتم أحدهم بما يكفي ليجلس معه فيحكي له حكاية والدته التي كانت تُحب صوت تلك المطربة حتى الثمالة وأنها كبّرت وهي تملك نفس السعادة التي كانت تغمر والدتها وهي تستمع لها وتُغني عند نفس المقاطع التي كان يعلو صوت والدتها بها، وتأتي بالحلوى لتأكلها أو تُبقيها كما هي فليس ذلك المهم، المهم أنها ستحكي لها عن أختها التي كانت تعشق ذلك النوع وتشتريه بشكل يومي والسعادة التي كانت تملئها وهي تلتهمها ثم نقلت نفس العادة لابنتها والآن لا تهتم ابنتها بذلك وتعتذر يوميًا للحلوى عن عدم اهتمام ابنتها فهي تنسى ما كانت تهتم به الأمس كوالدتها مثلًا، فهي تقول للحلوى لا بأس نحن متشابهتان.
حالة فريدة لم أقابل مثلها من قبل ولذلك أثارت فضولي لأكتب عنها وأعلم العالم أنه مازال هناك من يملك ذلك الوفاء تجاه من فقد وقد يكون لا يملك أي شيء حوله يُعطيه الاحساس بالأمان لذلك عقد العزم وصمّم بل ونفذّ بإخلاص خطته لجلب الأمان لنفسه والتحكم به فهي لا تُفكر أنها قد تصحو يومًا ما ولا تجد محل الاسطوانات هذا ولا تُفكر ماذا ستفعل إن لم توقفت تلك الجريدة عن الطبع، لديها العديد والعديد منهم فقط ستُأقلم نفسها ويموها وقصصها على ما تملكه الآن أو ربما تُقرر أن تُشفى كُليًا من حالة الحنين الأزلية تلك وتبدأ في نسج قصص جديدة قصص تكون خاصة بها مع أشياء جديدة تخصها هي لتخطو للعالم وتترك لابنتها ما يجعلها تَفِي لذكراها .. لا أملك سوى ربما تجاه فراداتها.

لم تُصدق نفسها عندما رنّ الهاتف، جريت نحوه بأقسى سرعة حتى أنها أوقعت بضع أشياء في طريقها ولكنها لم تهتم بها. اهتمت فقط بأن الهاتف له "حرارة" سينبعث منه صوت تستطيع أن تُحاكيه وتَحكي له ما تكدّس داخلها لسنوات وتشكي له الاهمال وتعطيه الأمل وتُعلّمه معنى الوفاء.

لديها الآن هاتف يرنّ ..


ساره عاشور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق