الأحد، 16 ديسمبر، 2012

مذكراتٍ ما

من صفحات مذكراتها:

* اليوم وبعد يوم طويل من المشي بشوارع القاهرة وصلت لكوبري قصر النيل، لسببٍ ما أحبه.
أقف أتأمل أسوده الواقفة بشموخ وتأهب وكأنها تنتظر فقط الاشارة حتى تفتك بالأعداء، مشيت لمنتصفه تقريبًا ولم يكن يوم شديد الزحام، ثم وقفت وأعطيت وجهي تجاه مياه النيل وتسلقت أولى درجات سوره حتى أعلو فوق الكتلة الحديدية تلك وأرى منظر أوسع للنيل، وأغمضت عيني وتذّكرت فورًا مشهد تيتانك الشهير فحاولت موزانة نفسي وأنا أرفع ذراعيَّ بجانبي ونجحت أخيرًا ورجعت برأسي قليلًا للوراء وحاولت استنشاق أكبر كمية ممكنة من الهواء برائحة النيل، لم أعر اهتمامًا لأي من الناس حولي ولا الأفكار التي حتمًا كانت ممتلئة بمدى جنوني وأعتقد أن بضعًا منهم قد ظنوني سألقي بنفسي، هذه إحدى المساوئ لوجود البشر في العالم من حولك أصلًا، كل من ضاق بالعالم قليلًا خرج متذرعًا بكل لحظة سيئة قابلته في حياته ثم جمعهم وصنع منها فيلمًا وبات يكرره برأسه حتى عندما يقتنع تمامًا يكون هنا بنفس المكان، منتصف كوبري قصر النيل.
ولكن أنا أبحث عن هواء جديد ومنعش وغير ملوث بالبشر أتي مباشرة من النيل، وهم يأتون ليودعوا أخر أنفاسهم به، تُرى هل يمتلئ الهواء بأخر أنفاسهم؟ هل مر داخلي واحدًا أو اثنان الآن؟ هل بت مُعرضة للانتحار؟
أتحدث وكأنه مرض فيروسي سألتقطه من الهواء ! الهواء هنا فعلًا يجعل شيئًا بك يجنْ ..

* الآن أنا بمنزلي أكتب بمذكراتي كل ما فعلت والأفكار التي أتذكر أنها مرت برأسي، عليَّ أن أضعها في مكانٍ ما وإلا أضعتها.
أصبح لدي وسواس يومي يحمل عنوان "إن ضاع الدفتر فأنتِ بورطة" ويعرض برأسي يوميًا طوال اليوم تمامًا كما أفلام الانتحار تلك ولكن الفرق هنا أن عليَّ يوميًا أن أغير من مكانه وبالطبع ضاقت الأماكن حولي.
لم أعتقد أن هذا الشعور يُصبح ممكنًا، أن تألف المكان حولك وتتعرف على كل شق صغير به فتتغير نظرتك الكاملة للغرفة فتحسها أضيق فقط لأنك أصبحت ترى كل كبيرة وصغيرة بها ولم يصبح هناك الكثير من الأماكن المخفية عنك التي لا تعلمها.

* ورطتي بالدفتر هذا هي كل حديثي عن زوجي، كل ما لا أقوله له أكتبه هنا وبعد أعوام معه أعتقد أنه سيُصدم جدًا من أرائي به وبكلماته وتصرفاته وملابسه وطريقة أكله وطريقة معاملته لي. بعد كل هذا لما أحبه !

* يظن بأنني تافهة ! فقط لأني أقضي وقتًا طويلًا بمعزل عن العالم مع نفسي وإن كان لدي أنا -وأنا بكامل قواي العقلية- ولدي هو فماذا سأحتاج غير ذلك ! البشر ملوثون ويلوثون كل من حولهم لديهم تلك العادة السيئة أن عليهم جعل كل من حولهم يُشبههم في شيئًا ما فإن كانوا فرحين الكل يجب أن يصل معهم لنفس موجة الفرح وإن كانوا مكسورين بالحزن فعلى كل الأمواج حولهم أن تنكسر، يقضون حياتهم يبحثون عن من يحبهم كما هم وعندما يجدونه يقضون ما تبقى من عمرهم في تغييره، مجانين أليس كذلك ؟!
فلماذا أبحث عن مخالطتهم وأسعى لذلك وأحزن على فراقهم !
ويظن بأنني لا أفهمه لأني لا أُحدثه بما أفهمه عنه، ولكن ماذا عن بقائي معه طول ذلك الوقت ألا يشي مثلًا بأنني متمسكة بما لدينا. تخلصت من كل روابط لي بأي حياة قضيتها في وقتٍ ما مع غيره وتمسكت به هو حتى وهو ينظر لي تلك النظرة التي أكرهها، النظرة التي تشوش أفكاري تمامًا. لا أعلم لماذا يفعلها وهو يعلم أني أكرهها !


* هذا الدفتر يحوي كل ما لا يفهمه لذا عليَّ اخفاؤه جيدًا حتى بعد ضيق المكان. يُمكنني أن أطلب منه البحث عن شقة جديدة ..
هذه فكرة جيدة وتحمل تغيير نحتاجه أيضًا لننشغل بما سنضعه بالغرف وبأي لون سندهن الحوائط، أه أشتاق لهذه الأيام عندما كان أقصى قرار جدي عليَّ اتخاذه هو لون دهان الحائط !

*يوم جديد الآن، أستطيع سماع العصافير تشدو خارج النافذة ولكن الضوء الشديد يمنعنني من الخروج لمراقبتهم ومراقبة عاداتهم وربما محاولة معرفة عددهم، يالله هل حاولت فعل ذلك من قبل؟ إنهم متشابهون للغاية أو هل أتصور ذلك؟ هل نبدو متشابهون هكذا لهم؟ أو لمن يُراقبنا من الخارج مثل الفضاء مثلًا، هل يراقبنا أحد من الفضاء؟ أم هي مجرد خيالات البشر وجنون عظمتهم بأنفسهم الذي يُصور لهم دائمًا أنه هناك شعوب مُتقدمة للغاية بمكانٍ ما على كوكبٍ ما ورغم تقدم تلك الشعوب الهائل عنا إلا أنها تترك كل ما بيدها لتأتي لتدرسنا ! مجرد هراء حقيقةً، مجرد بحث عن ارضاء ذواتهم الفارغة تلك ولربما لهذا يبدو البشر من أعلى متشابهون جدًا !

*اللعنة .. سقطت بضع قطرات من النسكافيه فوق الدفتر، عليَّ البحث عن مكان أخر أكتب به غير البانيو ولكن للأسف أعتبره أهدى مكان بالعالم .. المهم أن تلك القطرات صنعت شكلًا جديدًا حول الكلمات، اممم إنه أمر مذهل، هل حاولت من قبل الكتابة بالحبر الأسود فوق قطرة نسكافيه موجودة على ورقة بيضاء؟ إنه أمر مُسلٍ جدًا يختلط الحبر بالنسكافيه ثم يجف في أشكال سريالية جميلة.

*محاولات جديدة لرسم أشكال بالحبر والنسكافيه ..

*ربما كان على حق وكنت فعلًا تافهة !!

*لماذا عليه معاملتي وكأنني طفلة صغيرة ! ليس بتدليله إياي ولكن بمعاقبتي على كل ما يصدر مني ولا يحوز إعجابه ! لست بالخامسة إن لم يكن قد لمح ذلك .. ههههه أتصوره الآن متزوج من طفلة بالخامسة ياه ستعاقبه شديد العقاب وستعلمه هي كيف تكون المعاملة ..
لماذا لا أستطيع فعل ذلك أنا الأخرى؟ لما لا أعاقبه عن فعل لا يعجبني منه ! لماذا يكبحني حُبي له عن ذلك بينما حُبه لي لا يفعل المثل، هل حُبي له أكبر؟

*كلما كتبت كلما أحسست بابتعادي عنه خطوة للوراء أتخذها مع كل سطر، أفكر عليَّ أن أبوح له بكل ذلك مرة واحدة ثم أتخيلني أجري نحو ذراعيه مندفعة لأغوص بداخل حضنه وهكذا تنتهي كل المشاكل، العالم أسهل داخل عقلي ..

*الوقوف بالمطبخ وجمع المكونات معًا حتى تصل لشيء شهي تأكله بالنهاية مع من تُحب وترى علامات اعجابه به على وجهه هو أمر يملئك بالفخر والرضا بالنسبة لي على الأقل ولكنه يُصر على أخذ تلك السعادة مني بتعيينه لخادمة !
كل يومين عليَّ افتعال مشكلة جديدة وايقاف مورد رزق لعائلة جديدة لأنه لا يفهم سعادتي بالوقوف بالمطبخ !
أظنه ملوث كباقي البشر !

*لا يهتم فلا أهتم، لم أعد أهتم بالأحرى .. تسرب منا الاهتمام في مرحلة ما من الابتعاد ولكن عليك الجزم بأن دوائر الحبر بالنسكافيه تلك سريالية كما الحياة، تحاول خلط شيئان لا يختلطان وعندما تعلم أنهما لن يختلطا فتبدأ في محاولة توفيقهما والرسم بهما فسيبدوان جميلان معًا وتبدأ بالمحاولة ثم عندما تلمح أنك بدأت في الوصول لخط جميل بينهما بالفعل يبدأن بالتجمد سويًا في تلك النقطة السابقة مباشرة للجمال .. سريالية غير مفهومة ..


ساره عاشور

هناك 9 تعليقات:

  1. أنتِ رائعه يا ساره عشت معكِ الحاله
    و الإحساس
    و كتبت بالنسكافيه المختلط بالحبر
    الصوره أيضاً موفقه جداً

    تدوينه رشيقه أسعدتني جداً
    :)

    ردحذف
  2. جميله بجد استمرى انتى روعه وبحسك بتتكلمى عنى ف حاجات كتير
    :(

    ردحذف
  3. بقالي فترة مش بكتب ولا بقرأ بسبب التوتر والقلق ال بيحاوطنا ,,,,
    فأعتذر عن عدم المتابعة ...
    فكرة القصة كخاطرة ومقسمة لاجزاء يومية مابين الحديث مع الذات والنفس والحديث مع الملوثون ( البشر ) وتأمل العصافير ( الغير ملوثون ) ثم الصراع السرمدي بين الرجل والمراة ، الراجل مدعي الحكمة والعقل والمراة التي دائما تكون طفلة حتى لو أصبحت اثينا ربة الحكمة والعقل والمعرفة ....
    التناغم جميل والاخطاء قليلة الا بعض الخلط من العامية للفصحى ....

    ردحذف
  4. رائعه آآوى ،تسلم ايدك :)

    ردحذف
  5. بجد حلوه قوى

    ردحذف
  6. أجمل ما فى الكتابة انها ترسم لك صور تستطيع ان تتخيلها وتعايشها وهذة حياة اخرى

    ردحذف
  7. اوووبس انا كنت فكرة الجنان الى احنا فيه ده سببه الوحدنية وكده لكن معقول حتى بعد الجواز ممكن افضل بالجنان ده متخيلة بان الجواز بييبدا بكلمة النهاية لكل حاجة قبله زى الافلام بالضبط يبدا الفيلم طويل واول وميتجوزو تبقى النهاية مفكرتش فيما بعد :\

    ردحذف