الاثنين، 23 يوليو 2012

عن "المفروض"


لو خيروك ما بين "النضوج" وبين "الفلوس" هتختار إيه؟


دا بالظبط اللي بيحصل في موروثات الجواز عندنا، تختار تعيش بعقلك وبقلبك ولا تصرف وتفكك من الحاجات اللي مابتجبش همها دي .. تفكر وتخطط لحياتك ومستقبلك ولا تعيش بنظام "المفروض" المفروض تعمل كده، المفروض تعيش كده، المفروض تحس كده، المفروض تقول لخطيبك ولا مراتك إنك بتحبهم لأنكم المفروض هتتجوزوا أو متجوزين فتوماتيكي المفروض بتحبوا بعض.


أشخاص غير ناضجيين إما على المستوى النفسي أو على المستوى العاطفي أو على المستوى العقلي، أشخاص مش جاهزين أصلاً للجواز ولا لتحمل مسئولية بيت وأسرة وأطفال. بس لأنهم "المفروض" يتجوزوا فابيتجوزوا أي جواز وخلاص عشان يجيبوا أطفال وخلاص.
يفضلوا يعملوا قعدات واتفاقات على حاجات تافهة ممكن تتفقد في لمح البصر وشقة تبقى قد علبة الكبريت ويصمموا يجيبوا فرش يملى كل بلاطة فيها وإلا هايبقى شكلهم إيه قدام الناس ! ماتعرفش بيتجوزوا لنفسهم ولا للناس، بيتطمنوا على ولادهم وإنهم مع حد هايراعي ربنا فيهم ولا ده بس من باب المنظرة !
يتخطبوا كل واحد يمثل قدام التاني إنه بيرفكت عشان الجوازة ماتبوظش وشكل العيلة مايبقاش وحش، يمثلوا عشان هما "المفروض" يعملوا كده.
البنت متبقاش مجهزة نفسها وتفكيرها على تحمل مسئولية بيت فتعيش بنظام "المحاكاة" تفضل تعيد اللي كانت بتشوفه بيحصل في بيتها عند أهلها وتدور على "المفروض" تعمل إيه وتعيش إزاي وتتكلم إزاي وتتصرف إزاي وتبقى النتيجة نسخة تانية من مامتها ولا كأنها بني أدمة لها كيان تؤ كوبي وباست.
أو ولد مش مستعد لتحمل مسئولية محدش أصلاً علمه إزاي يتحمل مسئولية بيت فايتعب ويجيب شقة أو أهله يجيبوهاله ويفرشها أو أهله يساعدوه المهم الليلة تخلص ويتجوز وبعد الجواز ياخد مراته ويرجع يقعد عند أهله ويبقى ده الجواز السعيد بالنسبة لهم. المهم إنهم متجوزين وخلاص.
بعد شهر ولا شهرين بالكتير لازم تكون حامل وإلا فيه حاجة غلط، "المفروض" اتجوزت عشان تخلف محملتش يبقى السيستم هيقع كده ماينفعش طبعاً.
تجيب أطفال وهما لسة مش مجهزين نفسهم لتربية أطفال وتبدأ الدايرة المفرغة من إنها بتعمل كل حاجة وهو ملوش دعوة بحاجة ودول ولادك ياهانم ودي تربيتك .. وكل اللي "المفروض" يعيشوه. جو الأفلام اللي اتربوا عليه ولازم يحاكوه لأن ماتعلموش غير ده أو اللي كان بيحصل قدامهم في البيت. محدش كان عنده فرصة يفكر لنفسه أو حتى بعد ما اتجوز يحاول يعيش بنفسه.

هو ده نظام المحاكاة .. المسمى عندنا تجاوزاً "جواز".


بسمع حجج إن اللي بيتحرش بالبنات ده الولد اللي عنده كبت عشان ماتجوزش، طب بالنسبة للي اتجوز جواز مكبوت أصلاً زي ده .. حجتكم إيه فيه !

عناق


عانقته عناق طويل ظن أنه لن ينتهي، حاولت أن تضع فيه كل ذكرياتهما معًا لترحل عنه كما كانت قبله .. هكذا تَمَنّتْ ..
ثم طبعت قُبلة على جبينه ورحلت ..

لم تطلب منه أن ينساها أو يتذكرها .. لم تتمنى له حياة سعيدة أو فليمت حتى .. لم تَعُدْ تهتم بما يفعل.

***

اكتشفت ذات يوم أنها باتت تنافس امرأة أخرى فيه، امرأة تجهلها ومطلوب منها أن تُقاسمها حبيبها. أنثى أخرى تحاول أن تملُك ما كان لها. امرأة لا تعرف عنها أي شيء ولا الأخرى تدري عنها.
كانت كلما شعُرت باكتئاب أتيٍ ليأكل روحها تتحامى بعناقٍ يجمعها بروحه. هذا هو ما تحس أنه يحميها من دواخلها. هو رَجُلها الذي تتحامى فيه من العالم.

امرأته الأخرى كانت تظن أنها وحيدة بحياته، هي فقط من تملك مفاتيح قلبه. لم تسأل عن غياباته المتعددة، لم تُريده أن يشعر أنها تُضيق عليه فتركته لما يُريحُه.

قضى أيامه حائر بين الاثنتين، يُفاضل بينهما .. مَن تتركه لراحته. ومن تهتم به حد التضييق عليه ولكنه إهتمام مفقود من الأخرى. لم يدري أنها تعلم ولم يرد أن يعترف لها بخطئه ولم تسأل. ووجدت نفسها يومًا بيوم تفقد إهتمامها بما يفعل، مَنْ يُحدّث، أين يذهب .. كيف هي الأخرى !
تكيفت مع الوضع هكذا وانتظرته ليختار .. أسوأ ما يُمكن أن تمُر به امرأة تحب السيطرة على كل ما يحدث بحياتها لتشعر بالأمان، أن تترك قرار يخص حياتها بيد غيرها. أحبته لهذه الدرجة وهو كان يُريد الأفضل له وفقط ..
فقدت إهتمامها وفقدت معه نقطة تقدم على الأخرى وهي لا تدري. كان التسابق بينهما مهم له، يُرضي غروره.

جاء ذات يوم ليُعلن لها قراره، يختارها هي لتُكمل معه حياته وطلب منها أن تتزوجه. توقع منها فرح وسعادة أن تطير به وبإختياره. أن توافق دون أي تردد وأن يعود لها إهتمامها الطاغي به. أغلق قيدها السابق ومد يده لها لتُمسكه فيعود إهتمامها وتعود معها سعادته بهذا الشعور.
فاجأته بعدم إبداء أي رد فعل على ما قاله "أنت كُنت مخطأ حين ظننت أن إهتمامي قيد." قالت له وهي تقف "أنا أحببت فعلًا أن أهتم بك، أن أشعر أنك طفلي، مسئوليتي، أطمئن عليك طوال اليوم لأشعر بالراحة أنك بخير."
نظر لها في حيرة شديدة فلم يتوقع هذا أبدًا.
قالت "الأخرى، هذه التي اخترتها لتُنافسني. يُمكنها أن تحظى بكل ما فيك. كل غرورك وأنانيتك وغبائك."
ذُهل عندما عرف أنها تعلم وقف أمامها وقال لها "لم يحدث أن ارتبطت بأخرى أنا أُحبكِ أنتِ."
ضحكت باستهزاء وتقدمت منه "أنت مخطيء."
ثم
عانقته عناق طويل ظن أنه لن ينتهي، حاولت أن تضع فيه كل ذكرياتهما معًا لترحل عنه كما كانت قبله .. هكذا تَمَنّتْ..
همست له أن "أكثر ما يؤلم الروح ويترك أثرًا عميقًا بها، هو الخطأ الذي نفعله عن عمد ثم نتمادى فيه."

ثم طبعت قُبلة على جبينه ورحلت ..


ساره عاشور

الأحد، 22 يوليو 2012

نصف الكوب الفارغ


"هو حظي السييء الذي لازمني طوال سنوات عمري. كل ما أردته خسرته بسبب حظي هذا، فشلت في تعليمي وسبقتني الفتيات الأصغر في التخرج ثم الزواج. تعثرت في إيجاد عمل. وموضوع الزواج هذا يحتاج لأيام لأشرح لكِ مدى سوء الحظ الذي يُلازمني."
قالت لصديقتها وهي تُسمعها بعض الأغاني لتُرفه عنها قليلاً ثم استطردت "أنا وحظي السييء .. كأنا وخيالي هذا." وأشارت لخيالها على الأرض.
نظرت لها صديقتها وعادت تنظر لهاتفها بحثاً عن أغنية أخرى.
فقالت "من أحببت لسنوات وكان بيننا اتفاق على كل شيء، ثم عندما جاء لأهلي للتقدم بطلب يدي رسمياً، تعقدت الأمور على أشياء تافهة !"
"كنت أظن أني في هذا السن الآن، سأكون بمنزله وسط عائلتي الصغيرة التي كونتها معه، معنا أطفالنا، نقرأ لهم كل ليلة كي يكونوا مثلنا مُحبين للقراءة .. أجلس في الكرسي الهزاز في غرفتي وطفلي بين يدي والكتاب معي واقرأ له. ثم ألمحه بطرف عيني يقف عند باب الغرفة وهو يعقد يديه على صدره وينظر لي مبتسم فأتظاهر بالإنشغال وعدم رؤيته، يتقدم منا يضع قبلة على رأس الطفل ثم قبلة يُريد أن تكوني على شفتي فأدير رأسي فتطبع على خدي .. ونضحك."
قالت صديقتها "هذه الأغنية جميلة .. استمعي لها."
أخذت منها السماعة وابتسمت لما عرفت الأغنية، قالت "كُنا نُحب هذه الأغنية كثيراً." وتنهدت وجلست تستمع في هدوء.
نظرت لها صديقتها تستفهم هل انتهت وصلة الرثاء النفسي أم هناك مزيد وصمتت لتدعها تُفرغ شُحنتها.
عندما انتهت الأغنية حدقت في الفراغ وقالت "هل يتذكرني؟"
ثم نظرت لصديقتها وقالت "هل تعتقدي أنه تزوج؟
أمازال يُحبني كما أحبه؟
ليتني أعلم أو أجد أي طريق له لأسأل عن ذكرياتي بقيت معه أن تراه نفضها عن كاهل عمره !"
أعادت صديقتها اصطناع التركيز في الهاتف والأغاني.
عادت لتقول "أنا سيئة الحظ، ما بقى شيء يُرافقني بإخلاص طوال عمري كسوء حظي هذا." وارتسمت نظرة حزن شديدة على وجهها.
تركت صديقتها الهاتف والتفتت لها وقالت "أنتِ سيئة الحظ يمكن أن يكون هذا صحيح ولكن هل فكرتِ من قبل أنه يمكن أن تكونِ تسعين خلف ما هو ليس لكِ؟!
ألا تعلمين أن ما ليس لكِ لن تناليه وإن كان سهل المنال !
ثم هل فكرتِ سوء حظك هذا ماذا منع عنكِ؟!
سمعتي قصة الرجل الذي كان يجلس أغلب أيامه ينعى سوء حظه وذات يوم وهو ذاهب للتقدم لوظيفة وكان متأخراً قليلاً وفاته المصعد واضطر لإستخدام السُلم وبقى طول طريقه يتغنى بسوء الحظ الذي يُرافقه ثم ما إن وصل للطابق الذي يُريده علم أن المصعد الذي فاته قد هوى بمن فيه !!
سوء حظك يُمكن أن يَحميكِ من أخطار كثيرة ولكنكِ تبقين تنظرين لما ضاع منك ولا تنظرين لما بقى منكِ معكِ .. يوجد نصف كوب فارغ ولكن هناك نصف ممتليء أيضاً يُكمل هذا الفراغ."
نظرت لها وبعينيها لمعت إكتشاف كنز جديد وقالت لها "من حُسن حظي أنكِ نجوتي من سوء حظي."
وضحكوا ...


ساره عاشور

الثلاثاء، 17 يوليو 2012

غابت


"يحدث أحياناً أن نلتقي بأشخاص نجهلهم تمام الجهل ومع ذلك نشعر بإهتمام بهم وبدافع يقربنا منهم قبل أن نبادلهم كلمه واحدة ...
ديستوفسكي"



غابت ..
كانت كالنجم الساطع الذي يمر بسمائك ذات ليلة ويخفت. وعندما هَمّ بتمنّي أمنية كانت قد مرت بحياته وغابت.

أحبها كثيراً، علقت بخلاياه وارتبطت كل ذكرياته الجميلة بها ..
وأحبته أو هكذا تصور ..

مرت نجمته بحياته في أحلك أوقاتها فأضائتها ولهذا تعلق بها كثيراً، كانت تُمثل له ضوء الأمل في وقت الأزمة التي كان يمر بها. كان كل شيء بحياته يسير عكس ما يُريد ويتوقع، ما إن ظهرت هي حتى إعتدل كل شيء وإستقام.
تجاهل ذاك الصوت الصغير داخله الذي حذره منها "مثلها لن يتركك إلا كبقايا مدينة بعد إعصار."
تجاهله ..
فقد كان مأخوذاً بها، هذه التي لا يمكن أن توجد بحياة من هو مثله إلا في الأفلام، وكانت هنا بحياته.

كانت أثارها تظهر عليه بسهولة تستطيع أن تُميز أنه مُتيمٌ .. شروده الدائم، إبتسامته لأنه تذكر كلمة أو موقف معها أو حتى عندما يلمح طيف إبتسامتها أمامه، يرى لونها المفضل في أي شيء حوله، يشم رائحة عطرها مصادفة. يحفظها بكل تفاصيل التفاصيل بداخله. مُتيمٌ هو.

عندما تقابلا صدفة في أحد المصالح الحكومية وكانت تقف تنتظر أن يُنجز لها أي حد ما تُريد دون أن تتعرض لسخافات الموظفين، تطوع هو. أحس وكأنه بأحد الأفلام البطل الهمام الذي يُنقذ الجميلة.
"لا يظهر عليها أن عاشت هنا كثيراً" حدث نفسه وهو يُمسك أوراقها ويحاول أن يخرج منها بأي شيء يُفيده في التعرف عليها.. قدرت له هذا الموقف حاولت أن تُعطيه بعض المال ولكنه رفض بشدة وشعر بالإهانة تأسفت له ولمعت برأسها فكرة "فلنلتقي في المنتصف إذاً، دعني أدعوك للغداء." وإبتسمت فخارت مقاومته ..
هي التي قضيت معظم عمرها بالخارج لم تجد حرجاً في طلبها، وهو أحب تأكيد شعور البطل داخله.
ذهبا لأحد المطاعم التي يراها في الإعلانات فقط. جلسا وتحدثا، لم يخطر بباله أنه سيتحدث بعفوية هكذا معها ولا أنها ستفتح له قلبها وتحكي له كُل شيء عنها. كان يسند رأسه على يده على المنضدة أمامه ويُراقبها وهي تتحدث المشاعر التي تتجلى بعينيها بوضوح، الإبتسامة التي لا تفارق وجهها وهي تتحدث، لاحظ أنها تحاول إخفاء لكنتها الغربية. أحس بأنه بعالم أخر الآن، جلس يُراقبها ويُفكر في كيف سيراها مرة أخرى. أحست بشروده فسألته "أين ذهبت؟"
ابتسم وقال "لا شيء، فقط لا أريد لهذا الوقت أن ينتهي."
واستطرد "أيُمكنني أن أراكِ مرة أخرى؟ هل أستطيع أن أحصل على رقم هاتفك؟ فقط لأطمئن على انتهائك من أوراقك." ثم ضحك بداخله "ياله من عذر غبي. حتماً سترفض.. غبي !"
تفاجأ بها تكتب له رقمها وتعطيه إياه ثم قالت "سأنتظر مكالمتك."

"لماذا لا تستطيعين أن تتقبليني كما أنا؟! أنتِ تعرفتِ عليَّ وأنا هكذا .. بحالتي هذه." تذكر كلماته في أخر مكالمة لهما عندما ضاق بمحاولاتها لتغييره. "لن أسمح لكِ أن تُقللي من قيمتي مرة أخرى .. إنتهينا." وأغلق الهاتف.
بقي ينظر لهاتفه "ماذا فعلت !!!"
"هل أتصل بها مرة أخرى !!
لا .. لن ينفع هذا.
أذهب لرؤيتها .. أنتَ غبي !"
جلس على الكرسي القريب وهو ينظر للأرض وأكتافه متهدلة وكأن العالم بأكمله يجلس عليها. تنهد ووضع يده على رأسه.
تمنى لو كان بالشجاعة الكافية للتراجع عما فعله الآن. تمنى لو كان من أصحاب الأموال والأناقة وهؤلاء الذين يملئون حياتها "ولكن لهذا كانت معي في الأساس .. لأني مختلف !"
رجع برأسه للوراء وأزاح العالم عن كاهله وأسند ظهره ورأسه على المقعد وأغمض عينيه "كانت حُلم .. وكُل حُلم لابد له من نهاية !
لا شيء يبقى للأبد .."
فلتذهب هي بأموالها ورشاقتها وأحلامها المحققة دوماً وأصدقائها الغربيين، هي بأنفهها وشعرها وشفاهها وياسمينها المتطاير معها وإبتسامتها ذات الشروق اللانهائي وألوانها وخفة حضورها وأملي بها.
وأبقى أنا كما .. أنا "وحدي".


ساره عاشور

الأحد، 15 يوليو 2012

هدوء


إرتباطها بأحمر شفاهها كإرتباطه بقهوته الصباحية.
لا تستطيع أن تغادر منزلها دون أن تضعه، ولا يمكنها أن تتحرك إلا وهو في حقيبة يدها. نفس درجة اللون لا تتغير ونفس الماركة.

يرجع كل هذا إليه.

أثنى يومًا على اللون الذي كانت تضعه في إجتماع ذلك اليوم، فلم تغيره منذ ذلك الوقت.
تحبه في صمت ويبادلها الحب بنفس المقدار وأكثر. ولكنهم الهادئون دائمًا ما يضيعون على أنفسهم فُرص العمر.

لا تستطيع أن تبوح له بحبها خوفًا من ألا يكون يحمل لها نفس المشاعر وهو يخشى البوح أيضًا لنفس السبب.

يتحدثان تليفونيًا خارج أوقات العمل بشكل يومي، يخترعون الأسباب لكي يتصل أيًا منهما بالأخر. يبدأ الحديث عن العمل ثم يذهب لأي شيء أخر. حدثته عن حبها لإرتباطه بالقهوة الصباحية فقال لها إنه لا يداوم عليها كل يوم ولكن منذ أن قالت له ذلك أصبحت القهوة عادة مقدسة عنده. لا يمكنه أن يبدأ يومه إلا بالقهوة وإلا لن تستقيم الأمور أمامه. 

يُحبها، يُحب كل ما يصدر منها، يحاول دائمًا إضحاكها ليُراقب وجهها وهو يُنير بإبتسامتها. يُحب أنفها الدقيق وشفاهها واللون الذي تختاره. يُعجبه أناقتها ولون شعرها. وصوتها يجعله بين السحاب.
يراقبها دومًا من دون أن تشعر لا يحاول أن يبوح لها بحبه خوفًا من أن تصده.

تُحبه وتُحب صوته الرجولي، يُشبع حواسها مجرد سماع صوته. تلاحظ عاداته وتُحب أنه منظم في كل ما يفعل. تُحب عينيه ووجهه وشعره. وتضحك دائمًا على نكاته. يَعجبها ضحكته الخجولة.

لم يلحظ أيًا منهما -رغم مراقبتهما الدائمة لبعضهما- تمسُّك كل منهما بما أعجب الأخر بعدما أثنى عليه، هي وأحمر الشفاه وهو والقهوة.

يلاحظ كل زملائهم إرتباطهما ببعضهما، ويقولون عنهم دومًا أنهما خُلقا حتمًا لبعضهما ولكنه هدوئهما هو العائق.

تعطلت سيارتها ذات يوم فعرض أن يُوصلها ترددت ثم وافقت، قضيا نصف المسافة تقريبًا صامتين رغم أنهما لا يكفان عن التحدث في الهاتف. يراقبان الطريق ونظرات مختلسة للأخر.
تجرأ هو وسألها عن حياتها العاطفية، إبتسمت وقالت له أنه لا يوجد أي أحد بحياتها غير عملها، ملئه الفرح وحاول ألا يظهر هذا عليه. وانتظر منها أن تسأله نفس السؤال ولكنها صمتت. فتحول فرحه لخوف وتردد، عندما تشجع للحديث معها ظن أنها تصده.

وهي فرحت جدًا بسؤاله هذا وانتظرت أن يُكمل بالحديث عن الزواج ولكنه صمتت. فحزنت وبقيت تنظر في الفراغ الذي يملئه السيارات والناس.
وصلت لمنزلها شكرته وبقي هو يُراقبها إلى أن وصلت لباب المصعد فتجرأ ونزل من سيارته ولحق بها، سألها: "أتقبلين أن تُكملي عمركِ معي؟"
نظرت في الأرض فتملكه الرعب ..
ثم عندما نظرت إليه ورأى الفرحة ترقص بعينها فتحول رعبه لرقصة فرح ..


ساره عاشور

السبت، 14 يوليو 2012

ظلام


دائماً ما كانت ترى أشياء غريبة في المناطق المظلمة، كأن ترى أشكال حيوانات مخيفة أو أشباح. هي اعتبرت أن ذلك بسبب حُبها الشديد لأفلام الرُعب فهناك حتماً ملايين الأشياء التي خُزنت في عقلها الباطن وهاهي تطاردها الآن كلما التفتت.

عندما صرحت في يوم لوالدتها بذلك نظرت لها نظرة رُعب وقالت لها: أنتِ حتماً مسكونة !

ضحكت كثيراً على تفسير والدتها ولكنها نهرتها: أن ذلك لا يوجد به عبث. يجب أن نجد شيخ ليُخرج منكِ هذا الجني.

ضحكت مجدداً ولكن عندما نظرت لوالدتها وجدتها فعلاً مقتنعة تماماً بما تقول وتنظر لها نظرة مختلطة بالرعب والخوف والحنان ..

بعد عدة أيام كانت قد نست تماماً هذا الموضوع ولكنها وجدت والدتها حضرت لتؤكد عليها ميعادهم مع الشيخ غداً. نظرت لها باندهاش: هذا أمر ليس خطير، ثم أني لا أعتقد في هذه الأشياء مثلك.

جلست والدتها بجانبها ثم قالت لها: حبيبتي، لا يُزيد أو يُنقص اعتقادك في الأمر شيء، إذا كان هناك جني فهو لن يتأكد أولاً إذا كنتِ تعتقدين فيه أم لا. ثم إني قد حددت الموعد وانتهى الأمر، غداً في العاشرة صباحاً سنذهب للشيخ سوياً. هو لا يفعل أي شيء خطأ فقط علاج بالقرآن .. لأجل أن يحفظنا الرحمن. وتركتها وذهبت.

جلست تُفكر طويلاً في الموضوع، لا يوجد بي أي شيء خاطئ سوى خيالي الواسع.

هل هذا يستدعي علاج وشيخ وكل هذا الرعب الذي والدتي فيه؟!

وبدأت تُفكر في صحة وخطأ هذا الاعتقاد من الأساس وإذا كان بها أشياء أخرى كان ينبغي لها أن تأخذ حذرها منها ولكن لا شيء أخر سوى رؤيتها لبعض الخيالات في الظلام فهي لا تسمع أي أصوات غريبة ولا شيء غير معتاد سوى ذلك.


صباحاً أيقظتها والدتها ليلحقوا بميعادهما، لبست ونزلت معها وهي تتململ طول الطريق: لا أريد أن أذهب، لا أحب هذه الأشياء ! لا أصدق أن هذا يحدث .. أنا متعلمة وأنتِ أيضاً كيف يمكن أن تُصدقي ذلك؟!

نظرت لها والدتها نظرة معناها "اسكتي الآن، نحن بمكان عام وحولنا ناس." فسكتت.

عندما وصلوا عند منزل الشيخ نظرت للمكان باحتقار هو حي شعبي جداً ومنزل متواضع جداً ثم تذكرت أنه سيُعالجها بالقرآن فهو حتماً إذن لا يتقاضى أجر. ثم وهما مازالا واقفتين تنتظران أن يُفتح باب المنزل، أتت سيارة فارهة وتوقفت ونزل منها شاب في العشرينات من عمره وفتح الباب الخلفي الذي نزل منه شخص في الأربعين تقريباً يلبس جلباب أبيض قصير وبنطلون أبيض وذقنه طويل يصل لصدره ويلف على رأسه ما يُشبه ما يلبسه البدو وشبشب. وهي تتأمل شكله العام فوجئت أن هذا هو الشيخ الذي سيعالجها وهو ليس كما حبت أن تتصوره .. ليس متواضع على الإطلاق.

هو يملك سيارات ومنازل عدة، له برنامج تلفزيوني في قناة دينية حديثة، هذا المنزل المتواضع به محل عطارة يتبعه تباع به زيوت وبخور ومواد عُشبية وطبية يصفها هو لزبائنه واكتشفت أنه يتقاضى أجر في كل جلسة يقوم بها ولكنه يعتبرها هِبة. وهذا المنزل المتواضع ما هو إلا واجهة يتخفى فيها من ملاحقة الأمن.

نظرت لوالدتها بغضب شديد وحاولت ان تُثنيها عن هذا العبث ولكنها نظرت لها بتوسل "اصبري !"

صعدت معها وانتظرت دورها في شقة في هذا المنزل وكانت تمتلئ عن أخرها بالذين ينتظرون دورهم ليعالجهم هذا الشيخ -الغني بالقرآن- .. كانت تتأملهم جميعاً وجوههم وثيابهم توحي بأنهم من طبقات مختلفة وحتماً تعليمهم مختلف ولكن ما بال كل هذا التنوع ويُقبلون جميعاً على هذا الفعل !

بعد فترة قصيرة سمعت اسمها يُنادي به شاب أخر صغير السن، دخلت مع والدتها غرفة الشيخ فرفض أن يكونوا جالسين منفردين سوياً بلا مِحرِم .. فتوسلت له والدتها أنهم بلا عائلة، هما يعيشان معاً وفقط. فتململ ثم نظر للفتاة نظرة لم تُريحها. بل هي لا ترتاح لأي شيء هنا.

أمسكت بيد والدتها وقالت لها: فلنذهب إذن .. فلنذهب الآن ونعود في وقت لاحق.. لا يُريحني هذا المكان، لا يُبشر بأي خير. فضربتها والدتها بكوعها لتسكت واعتذرت للشيخ الذي يبدو أنه كان يُنصت جيداً لما تقول. ثم طلب من شخصين من الخارج أن يحضروا معهم هذه الجلسة "هم نساء وحدهم ولا أستطيع أن أختلي بهم." فانبهر الرجال ودعوا له أن يحفظه الله .. ابتسم وحياهم وشكرهم.

ثم تحول لها وسألها: ما بكِ؟

فقالت: لا شيء !

فابتسم وقال لها: ولماذا أنتِ هنا إذن !

فهزت كتفيها وأشارت لوالدتها وقالت له: اسألها.

كان يتفرس في وجهها بطريقة أزعجتها. ثم استدار تجاه والدتها وسألها: ماذا بها؟

قالت له: إنها تقول إنها ترى أشباح في الظلام وعلى شكل حيوانات.

فالتفتت لها وقالت: هذا غير صحيح .. ليس كذلك.

ابتسم لأنها تحدثت وسألها: ماذا إذن؟

نظرت له بريبة وقالت: فقط خيالي واسع وأحب أفلام الرعب فطُبع ذلك بمخيلتي وأحياناً أرى ما يُشبه الأشباح أو الحيوانات في المناطق المظلمة.

فسألها: فقط في المناطق المظلمة؟

فضحكت وقالت: وهل تستطيع أن تتخيل شكل أمامك في الضوء؟

فارتبك وقال: أها طبعاً يمكن.

ثم تحرك من مكانه وذهب إليها. استأذنها ووضع يده على جبهتها وبدأ يقرأ بعض الآيات وهو ينظر جيداً لوجهها وعينيها وهي بدأت تهتم قليلاً .. مجرد فضول لترى ماذا سيفعل .. ماذا سيحدث.

ثم طلب من مساعده أن يُحضر "الإيشارب" فتعجبت من ذلك: أي إيشارب !! ماذا ستفعل؟

فقال لها: صبراً عزيزتي. يجب أن نخنق هذا الجني ليخرج منكِ.

فزعت عنذ سماع ذلك: تخنق ماذا؟ يخرج مِنْ مَنْ؟ أي جني؟! أنت مجنون !

ثم وقفت ووالدتها بدأت في البكاء. فاستدارت لها وهي تصيح غاضبة: على ماذا تبكين؟ لا تجدي أي مشكلة في أنه سيخنقني؟؟!

فزادت والدتها في البكاء وثارت هي.

أمر الشيخ المساعدين والرجال أن يقوموا بمسكها فهي في حالة خطيرة الآن "إنه هذا اللعين يقاومني. إنه يُسيطر عليها كُلياً."

أمسكوا بها من ذراعيها وأجلسوها في الكرسي وثبتوها.

أمسك الشيخ الإيشارب ولفه حول رقبتها وهو يُتمتم بأشياء لم تدري هي هل هي قرآن أم سحر أم ماذا.

زاد في شد الإيشارب حول رقبتها وهي تنظر له في عينه بتحدي. أحست بعينيها ستخرج من مكانها، إزداد الضغط على رقبتها. شعرت بأن الهواء ينقص والغرفة تدور بها. كل شيء يتحرك و "ماما .. ماما .. لا تتركيني أذهب"

وزاد الظلام أمامها وكان أخر ما سمعته صراخ والدتها.

لم يعود النور لها مرة أخرى .. لم تستيقظ أبداً ..

ذهبت لتبقى في الظلام مع من يتحينون أي فرصة ليأخذوا بثأرهم مِنْ مَنْ قتلهم ظلماً ...


ساره عاشور

الجمعة، 13 يوليو 2012

هوس


جلست تستريح من لهاث هوسها به.

مضت شهور وهي تحاول اللحاق به، تبحث عن كل ما يصدر منه وإن كان لغيرها. تتعلق بكلماته وأحواله هي كالدراويش في حبها له.
تخلق له أعذار الكون وتُمنّي نفسها به وإن كان قريباً سيتزوج بأخرى فمازالت هناك فرصة .. دائماً هناك فرصة لأخرى لتتسلل منها لحياته.

هكذا ابتعدت عنه في الأساس، بسبب أخرى.

لاحظت أعراض أنثى جديدة عليه، أحست بأن هناك شيء مختلف في جدوله اليومي واختفاءات غير مبررة فهي تحفظ جدوله عن ظهر قلب. كانت تثق به وتثق بحبه. أحبته حد الهوس الذي يزيد في البعد. تُصبح كالمدمن الذي يبحث عن جرعة انتشائه المقبلة. تتعلق بكلماته ورسائله وتنتظره .. دائماً ما تنتظره.

ولا يأتي.

سنوات علقّت نفسها به. بالوعد الذي قطعه بالزواج منه "أحبك أنا بالطبع سنتزوج ولكن قريباً لست مستعد بعد."
دائماً ما كانت صديقاتها تحاولن إفاقتها من إغماءة الوله هذه "هو فقط يتسلى بكِ" "هو قادر على الزواج في أي وقت ولكن ليس منكِ" ولكن دون جدوى فهي قد تعدت خط التراجع.

يومٌ ما بدأت شكوكها تزيد، قررت أن تلحقه وترى هل هناك فعلاً أخرى أم لا. لحقت به في كل مكان ذهب إليه وكانت دائماً ما تنظر له بتعلق واضح على وجهها.
ونطق وجهها أيضاً بالطعنة التي أحستها عندما رأتها مقبلة عليه والإبتسامة تملئ وجهها هي "الأخرى". لا تفرق عنها كثيراً بل يُمكن أن تكون هي أجمل منها.
تسمرت مكانها ولا يتحرك بها سوى عينها تنظر له ثم لها والأيدي الممدودة والسلام الطويل والإبتسامات والشفاه التي تتحرك بكلمات ثم جلسا ووقعت هي ..

"ماذا فيها إن أصبحت أنا أخرى بحياته .. المهم هنا هو أني سأبقى في حياته." قالت لنفسها.
ثم تذكرت حالتها عندما علمت بأمر تلك الأخرى، الليالي التي كانت تشعر فيها بأن روحها تكاد أن تُسحب منها. الدموع والدعاء اللاهث "اللهم إنزع حبه من قلبي. اللهم إنزع حبه من قلبي" .. الذكريات التي كانت تُعذبها كل دقيقة وذكرى لقاءه بالأخرى وإغمائتها "تُرى هل رأنى في هذا الوقت أم لا؟" الضعف الذي كانت عليه.
"لا أستطيع أن أضع غيري بهذا المكان .. لا" قكرت وهي تهز رأسها.
ثم تذكرت كلماته وهوسها به ودقة قلبها معه ..
فقالت "ولكن هو لا يستطيع أن يحيا بدون أخرى على جدوله .. فخيراً أن تكون أنا. ما هذا إلا أمرٌ مُحتمٌ حدوثه."

أمسكت بهاتفها وبحثت عن رقمها وإتصلت به .. سمعت صوت أنثى يرد عليها فأغلقت الهاتف ثم ألقت به في وجه الحائط كما لو كانت تُلقيه في وجهه هو

"وياليته هو الذي تحطم."


ساره عاشور

الأربعاء، 11 يوليو 2012

ما لا يهم ..


الزمن: منذ ساعتين .. يومين .. شهرين أو سنتين أو بعد دقيقتين ... لا يهم.
المكان: بورما .. سوريا .. فلسطين .. نيجيريا .. البوسنة أو الصومال ... هو أيضاً لا يهم.


ما يهم ..
ما حقاً يهم ..
هو الألاف من الأرواح التي تزهق فقط لإختلافها عن من حولها. أو حتى لأنها رفضت أن تركع.



ما يهم ..
هو الطفل الذي يقتل في هذه اللحظة وفي يده كرة قدم كان يحلم أن يلعب بها مع أباه أو أخاه ثم تلوثت بدمائه وأنت تهتف غاضباً على صندوق تلفازك وهو ينقل لك مباراة فريقك المفضل الذي خسر للتو .. ولا ترى أنت لون الكرة الأحمر مشبعاً بدماء أطفال ماتت مع أحلامها.




ما يهم ..
هي المرأة التي انتقلت بجوار ربها منذ دقائق وهي تحمي طفلها بحضنها، وأنتِ تغضبين على أطفالك لأنهم جروا أمامكِ فقطعوا عليكِ لقطة مهمة من مسلسلك .. ولم تري نزف الشاشة بدماء طفل لم يقو على أن يفهم أن والدته حمته لأخر نفس بهما.




ما يهم ..
من يُهجّر من منزله مضطراً وإلا يُقتل وعائلته .. وأنت تعيد طلاء منزلك وتغيير أثاثه .. ولا ترى الآمال التي تُركت على أطلال منزل كان كُل ركن فيه يعلو بحس الحياة ثم خبا.


ما يهم ..
هو من يتوق لرائحة طعام. من يحلم بكسرة خبز. بشربة ماء نظيفة. بأن فقط ينام ليلته وأطفاله معدتهم نصف ممتلئة. فيما تنهر أنت النادل بالمطعم لأنه لم يقم جيداً بفهم طلب "الاستيك النصف ناضج".




ما يهم ..
هو من ينام ليلته على أصوات قذائف وصواريخ فلا يدري هل يُغمض عينه ليصحى بمكانه أم يُغمضها ولا تُفتح مرة أخرى.
من يرتعد أبنائهم بأحضانهم من الخوف أن يصيروا يتامي فلا يجدوا من يحتموا فيه .. لا يجدوا الـ "بابا" أو الـ"ماما" ولا يجدوا من يدللهم.



من يشعر بفقدانه لإنسانيته .. بعدم إتصاله بهذه الكوكب بما عليه من مليارات تحيا كُلٍ بكونها الخاص.
من يشعر أنه أقل لأنه أسلم .. من قبض على دينه وإحتمل الجمر ..




ما يهم ..
هو كيف تُغمض عينك أنت ليلاً هانئاً فيما غيرك يخشى الكابوس الذي يحيا به فلا يدري إغماضها سينهيه أم هو يُزيده.




ما يهم ..
أن تحفظ جيداً اسم لاعبك الأجنبي المفضل أو بطل نوعية الأفلام التي تُفضلها أو اسم مصمم الأزياء التي تُحبين ارتداء تصميماته .. أحدث أنواع الأجهزة الإلكترونية وسهولة لفظك لكل ما يمت بصلة لما سبق .. ثم تقف حاسة النُطق عنك مشلولة أمام اسم "بورما" أو "أراكان" أو يمكن "سوريا" ولا تعلم أين تقع هذه البلاد وماذا يحدث بها و "ما دخلك أنت بهذا؟" إنها ليست فرق كرة أو أسماء أفلام.




ما يهم ..
أن هناك في عالمنا اليوم .. من يَزل يقتل غيره بإسم إعلاء دينه فلا يؤدي سوى لعكس غرضه تماماً.


ما يهم ..
أني اعتقدت أن إيذاء البشر لإعتناقهم الإسلام توقف عند مشاهد الكفار بالأفلام التي تعاد علينا سنوياً فيما يتجاهلون المشاهد اليومية بالعالم الآن ..
أني حتى الآن لا أتمكن من استيعاب كل هذا القتل.



*الصور من سوريا - غزة - بورما - الصومال - نيجيريا


ساره عاشور

نهاية


جلست في العزاء هادئة تماماً .. لا تبكي، لا تستغيث طالبة عودته، لا تنفعل .. لا شيء.
فقط تجلس بلا حراك .. لا تنظر حتى لمن حولها.
داخلها كانت الحركة كلها، قالت أشياء كثيرة، "عاتبته كثيراً على تركها برغم علمها أنه ليس لديه وقت طويل في هذه الحياة ولكن هناك من يحيا بهذا المرض، لماذا تركتني أنت؟!"
قرأت ذات مرة، أن البكاء والنحيب يؤذي من ترك عالمنا فقررت أن لا تؤذِه أبداً حتى تلقاه. لن تلبس الأسود إلا أيام معدودة بناء على رغبته هو "أعلم أنكِ ستنكسرين لرحيلي، ولكن الأسود لن يليق بنا."
"لماذا لا يكفون عن التحديق بي !!" رمت نظرات غاضبة تجاه كُل من ينظر حولها حتى لا يقتحموا مساحة حُزنها هكذا.
"أريد أن أحزن حُزناً يليق به. الهدوء هو أكثر ما يليق به."
فلتت منها دمعة، مسحتها سريعة. ونظرت حولها وظنت أنها أراحت من حولها بحضورهم المتكلف
"هم من أتوا فقط لتأدية واجب. أتوا فقط كيف يتحدثوا في شئون حياتهم فيما أنا أودع حياتي .. لا إحترام في العالم اليوم. أبداً"
انتهى القرآن وقررت أن تُنهي جلسات النميمة، اكتفت بالضوضاء عند هذا الحد، لا تُريد أن يُفسد أحد هدوء المنزل من بعده، "لا أريدهم أن يلوثوا الهواء المتبقى من أنفاسه بأفواههم الملوثة بالكلام العابث عن هذا وتلك."
وقفت .. حيتهم جميعاً وشكرتهم لتأديتهم الواجب. وتركتهم وذهبت لغرفتها. تركت أختها لتقوم بترحيلهم كُلٍ لحياته.
أرادت أختها أن تبيت معها، لا تتركها وحدها هكذا ولكنها رفضت بشدة "أريد أن أختلي بأخر ما تبقى منه، زفيره مازال متبقى هنا في الغرفة أحس به، عطره مازال هنا، ملابسه لازالت على السرير. روحه حتماً ستؤنسني."
استسلمت أختها لرغبتها ودعتها وهي تؤكد عليها أن تتصل بها إن أرادت أي شيء. هزت رأسها وأغلقت خلفها الباب.
أسندت ظهرها على الباب تتأمل المنزل الفارغ، لا شيء الآن سوى أنا و .. لا أحد.
تنهدت تنهيدة عميقة تمنت لو أنها أخرجت روحها معها لتلحق به.
دخلت للغرفة بخطوات متثاقلة، فتحتها ببطء آملة أن تلقاه بإبتسامته، أن يكون كُل هذا فقط كابوس ومضى لحاله. أغمضت عينها وفتحت الغرفة وأخذت خطوة للداخل وحين فتحت عينيها أحست أن الغرفة يكتسيها السواد ليس فقط هذا الفستان الذي تلبسه الآن.
جلست على طرف السرير، تحسست بيدها مكانه، أخذت مخدته بحضنها وتمددت في مكانها بالسرير ووضعت اليد الأخرى على مكانه. ظلت تتنفس عطره من المخدة وتلمس بيدها مكان نومه. علّها تأتي المعجزة ويحضر لها الآن.
لم تبيت من قبل بمفردها، اعتدلت ونامت على ظهرها وبقيت تُحدق في سقف الغرفة.

"أنتِ لا تنامين بسهولة عندما تفكرين" نظرت له وابتسمت "أنتَ تعلم أن التفكير هو الإدمان الذي لا أستطيع أن أتخلص منه." استدار تجاهها ووضع يده حولها وضمها نحوه.
رفع يده تجاه رأسها، مرر أصابعه بشعرها ثم نقر بإصبع منهم "دعيها ترتاح قليلاً .. هيا بنا ننام. أريدكِ معي غير مشغولة بغيري."
اعتدلت على جنبها ونظرت له "من قال أني مشغولة غير بك؟!"
كسا وجهه حزن العمر كله. "إنه قدري، ليس بسيطاً أنا أصاب بهذا المرض طبعاً ولكنها مشئية الله." قالت له "يالهدوئك، أنا لا أعترض على مشيئته ولكنك تُدرك أنك ستتركني خلال شهور معدودة !! لما لا تستطيع استيعاب هذا !"
ضمها لحضنه أكثر وقال لها "ستشبعين مني ياحبيبتي بل ستملي من وجودي .. من يدري إحتمال أن تقتليني أنتِ." وضحك
نظرت له غاضبة وصمتت. طبع قبلة على خدها وقال لها "فلننام الآن وصباحاً نتحدث في كل ما تُريدين."

تنهدت .. هذه ليلة لا تُنسى "مازال التفكير إدمانى ياحبيبي فأين أنت لتسحبني منه."
وضعت مخدته على صدرها وبقيت تنظر للسقف حتى ذهبت في نوم عميق.
استيقظت على صوت الهاتف، كانت أختها تطمئن عليها. انهت المكالمة معها في دقائق لم ترغب أن تُطيلها فيمكن أن ينهار هدوئها هذا في أي لحظة إن تعاملت مع العالم الخارجي.
نظرت لمكانه على السرير مرة أخرى "مازال فارغاً، حقاً ذهبت وتركتني !"
وبقيت ساعات بمكانها على السرير تُملي على نفسها النصائح التي نصحها بها "لا أسود لفترة طويلة .. لا تكسري نفسك بالحزن .. مكاني هنا وأشار لقلبها لذا سأظل دوماً معكِ لم أتركك ولن أتركك أبداً أنا معكِ دائماً .. لا تنعزلي عن العالم كثيراً .. لا تُفرطي في شيء وخصوصاً التفكير" عند النصيحة الأخيرة ابتسمت.

هده المرض كثيراً في فترة قليلة، كانت تقف على باب الغرفة تتأمله وهو بالسرير يغمض عينه ولكن رغم ذلك الألم بادي على وجهه، ذقنه المنبتة، شفاهه الجافة قليلاً .. لونه الذي شحب. يده التي برزت عروقها كثيراً عندما انخفض وزنه. أحست أنه لن يموت بل سيتلاشى من أمامها .. ستصحو من نومها يوماً وتجده وقد اختفى.
فتح عينه ببطء ثم نظر لها ورأى القلق البادي بشدة على وجهها "سأكون بخير، سأموت هنا وستبقى روحي بجانبك .. لن أتلاشي ياعمري." ضحكت بحزن.

جلست على السرير ثم وقفت .. ذهبت للمطبخ لتأكل شيئاً.
كلما مرت بشيء بالشقة تلمسه كأنها تستدعي الذكريات أو تحاول أن تحس بموضع يده .. إن أمكنها فقط أن تلمس يده مرة أخرى، مرة فقط أخيرة "لن أدمن التفكير، أعدك .. ولكن مرة واحدة فقط."
وأغمضت عينيها وتلمست كل الأشياء التي كانت قريبة منها ثم تلمست الهواء تبحث عن يده.

"ستكون روحي دوماً معك .. سنرقص هنا كما كنتِ تحبين. فقط مُدي يدكِ وستجدينني."

فتحت عينها في انهزام .. وأكملت طريقها لتأكل. ثم وقفت مجدداً:

"تلاشيت .. تلاشيت من كل شيء هنا، لا يوجد أي أثر لنَفَسَك. لا أثر ليدك. لا أثر لنور إبتسامتك .. لا أثر لك.
تلاشيت وتركتني. لم يكن فجأة كما كنت أظن ولكنك فعلاً بكل ذرة فيك قد ذهبت من هنا.
تركتني لهواء فارغ منك ولا أجد يدك لأرقص."

وانخرطت في البكاء.


ساره عاشور

الاثنين، 9 يوليو 2012

عزف


كان موسيقي مشهور في أوركسترا دار الأوبرا، ذهب بجولات خارجية كثيرة حول العالم. وأبدَع في عزف موسيقاه وذُهل كل من سمع عزفه العذب.
كان يصف دائماً الموسيقى أنها تنهال من روحه وليس من كمانه، لذلك كان دوماً يشعر بإرهاق شديد عقب العزف لفترة طويلة. إرهاق نفسي.

قابلته يقف في ساحة كبيرة في أحد العواصم الأوروبية التي سمعت أنه نوي التقاعد بها. يقف بشموخ وكمانه على كتفه والحمام من حوله وكأنهم جمهوره الذي سيعزف لهم. ثم حرك قوسه في الهواء 1 .. 2 .. 3 .. وبدأ يعزف ويتحرك ويتمايل مع كل لمسة قوس للكمان. يُغمض عينه تارة وبفتحها وينظر للسماء تارة وكل ذلك والإبتسامة لا تُفارق وجهه. نظرت لكل تفصيلة فيه، كل ملامح وجهه وثنياته البسيطة. استدارة ياقة قميصه حول رقبته. ويده وأصابعه ووقفة أقدامه الثابتة.

هو الذي كنت يوماً أهوى الحياة بقربه ويعشق الحياة معي كان دوماً يقول لي "أني أعزف على أوتار قلبه كلما ابتسمت له، صوتك يمدني بموسيقى جديدة دوماً.".
ولكني لم أتحمل حياة الموسيقي التي يحياها. يعيش لأجل موسيقاه يقضي وقته بين التدريب والأوركسترا والسفر والحفلات وأبقى أنا أنتظر فتات الوقت المتبقى  ..

اقتربت منه بعد أن أنهى عزفه وأنا أحس بتشبع تام من هذه الموسيقى التى لابد وأن تكون من خارج هذا العالم. صقفت له ما إن كنت في مواجهته. نظر جيداً ناحيتي وتعجب من وجودي هنا. اقترب وسلّم عليَّ.

سألته "عما يفعله هنا بعد أن كان العازف الكبير بالأوركسترا؟"
فضحك وقال إنه اعتزل من فترة فقلت له "أنا أعلم ذلك ولكن أسأل ماذا تفعل بعزفك بالساحات !"
فقال "إنه لا يعزف من أجل المال إن كان هذا ما قصدت أن أسأل عليه."
قلت "ماذا إذن تفعل؟"
قال "أنا أعزف وحسب."
سألته "لمن؟ للحمام؟!" وضحكت.
فغضب قليلاً من سخريتي وقال "بل لي .. أعزف مني لي."
اعتذرت له أولاً أني لا أقصد السخرية فهز رأسه متقبلاً ويده بأن لا شيء حدث ثم سألني "ماذا تفعلين أنتِ هنا؟ لقد ظننت بأني لن أراكِ أبداً."
ضحكت وقلت له "أبداً هذه توحي بثقة كبيرة .. طويلة جداً هذه الـ أبداً، ألا تظن ذلك؟!"
قال وهو مبتسم "لم تتغيري. كيف زوجك؟"
شعرت وكأنه يضع حد للذكريات بيننا فقلت بإقتضاب "هو بخير. أنا هنا معه في الحقيقة، رحلة عمل."
ثم سألته مجدداً "هل عزفك لنفسك أفضل أم ما كنت تعزفه لي؟"

عندما كنا سوياً كان يجزم لي بأنه لا موسيقى تخرج من روحه كالتي تخرج لأجلي عندما نكون بمفردنا فيعزف خصيصاً لي. كنت أعلم هذا جيداً دون أن يعترف لي بهذا. فكنت أحضر حفلاته وأحياناً تدريباته وأحفظ كل ما يصدر من كمانه أو من روحه. وما كان منه لي كان فقط لي من الجزء الذي أملكه أنا في روحه.

نظر لي بل نظر من خلالي شعرت وكأن نظرته اخترقت روحي، أحسست وكأن الدم كله انتقل لوجهي. ارتبكتُ قليلاً فقال "لا يوجد ما يساوي ما كنت أعزفه لكِ .. لا حالة أكون فيها كتلك."
نظرت في الأرض ثم إلى الدبلة التي في اصبعي ورفعت عينيا إليه ووجدته مازال يُركز نظره عليا علّه يلتقي بعيني.
هربت من نظرته.
"وهل الحمام هذا جمهور جيد؟ متذوق جيد لعزفك الروحي؟"
نظر حوله وقال "هو مسالم، لا ينافق ولا يكذب."
فهمت قصده فأنهيت الكلام بأن ودعته "سأتركك تعود لكمانك، وجمهورك. أتمنى أن تبقى بخير وأن تعود روحك لعليائها الموسيقي."

نظر لي مجدداً وهو يُميل رأسه ناحية اليمين ويشد في كم قميصه. وقال "أنا بخير وروحي جيدة وعزفي ممتاز وجمهوري مسالم وكنت أتوقع أني في عزلة هنا !"
قلت "لا يضايقك شيء ... نحن سنعود للقاهرة الليلة ستعود لعزلتك وحدك."
فقال "نعم وحدي وأنتِ نحنُ" وضحك باستهزاء. أخجلني جداً ..
هممت بأن أحرك يدي لأودعه فأشاح لي بيده وأعطاني ظهره ووضع الكمان على كتفه وبدأ يعزف مجدداً.

تأملته للحظات وأغمضت عيني لأستوعب جيداً موسيقاه ثم ذهبت في طريقي. وعاد هو لحياته مع الموسيقى.


 ساره عاشور