الأربعاء، 22 أغسطس 2012

تحقيق



أمسك كوب الماء أمامه، نظر بداخله لحركة الماء وهو يرفعه إلى فمه. ثم رشف منه قليلاً وابتلعه بصعوبة. ثم أعاد الكوب إلى الطاولة أمامه.

أعاد النظر إلى بقع الدم المتجلطة على يديه وهو يُقلبهما في الهواء ويرفعهما لتكون بنفس مستوى عينه. أنزلهما وتعلق نظره بمن ظهر من خلف يديه يجلس أمامه وهو ينظر له نظرة متفحصة ينتظر منه أن يعترف بجريمته، التي لم يفعلها.
ويُعلن عن مكان الجثث، الذي لا يعرفه.
ليتم اغلاق القضية، التي ربما لن تُغلق لفترة إذا لم يعترف هو لذاك الظابط الرابض بتحفز هنا.

" شاب بالـ 35 من العمر، طوله 175سم ووزنه 80 كجم. شعره أسود مليئ بالتراب وما يبدو أنه أثار من شحم ربما يكون عامل بورشة لتصليح السيارات. يلبس قميص أبيض ممزق عند الصدر ولكنه ما عاد يملك ذلك اللون الآن بعد الدماء، بنطال يبدو رمادياً فلا يُعرف لونه في الأصل. يدان ملطختان بالدماء وبعض خدوش على يديه عند الزُند فيما يبدو أنها جراح دفاعية من الضحية. وتم استخلاص بقايا جلدية من تحت أظافره.
يوجد علامات أصابع دامية على وجهه ..

جاري التحقق من الدماء إن كانت له أم للضحية وتم أخذ عينة لفحصها للتأكد إن كان هناك مواد مُخدرة بجسده.

ولكن يبدو عليه بعض تشتت في الأفكار وفجوات زمنية في ذاكرته، يمكن أن يرجع هذا للمواد المُخدرة أو يُمكن أن تكون الصدمة .. الاختبار حتماً سيؤكد لنا."

كان يراجع الظابط كلمات الطبيب الشرعي في عقله ليحاول أن يفهم المتهم الذي أمامه، هل هو حقاً واقع تحت تأثير مادة ما مُخدرة أم هو مصدوم لما حدث !

نظر له نظرات جوفاء محاولاً ألا يُبدي على وجهه أياً مما يدور بعقله، فلا يجب على أي محقق بارع في عمله أن يكشف أوراقه لمن أمامه حتى ينتزع منه ما يُريد من معلومات.

الظابط هذا كان مختلفاً عن باقي أصدقائه بشعبة التحقيقات الجنائية، لم يكن يُحب انتزاع أي اعترافات تحت ضغط أو تعذيب. لا يرى بذلك أي مٌتعة له ولن يشعر بأي انجاز ففي ذلك سهولة بالغة وهو يُحب التحديات.

يَسعد كثيراً بُكل قضية يتم اغلاقها بمعرفة الجاني أو الجناة وبمجهوداته التي أتت بثمارها.

رجع المتهم برأسه للوراء قليلاً نظر لسقف الغرفة الرمادي ثم أغلق عينه للحظات.

لم أفعل شيء .. قال للظابط وهو يعود بنظره إليه واستطرد: لم أقتل أياً منهم، لا أتذكر ماذا حدث ولا ما أتى بي إلى هناك ولكني لم أقتل. ليس لدي القدرة على ذلك. ثم ضحك وهو يقول: شكلي يوحي بغير ذلك، أكيد هذا ما يدور بعقلك الآن. ونظر بعينه مباشرة وراعى ألا يتحداه وقال: لم أقتل ولن أعترف بشئ لم أفعله ولن تُجبرني ..

فابتسم الظابط وقال له: اطمئن لا أتبع ذلك الأسلوب، سأعرف ما أريد دون لمسك.

ابتسم باستهزاء وهو يرد عليه: كلكم متشابهون، تأتون بنا من الأحياء الفقيرة كي "نشيل الليلة" حتى تُكملون العدد المناسب من القضايا المُغلقة. ضغوط وتعذيب ويهناك من يقتل وهو محتجز وهناك ..

قاطعه الظابط قائلاً: لا أطلب منك احصائيات أو بحث اجتماعي ، أعرف كل هذه الأشياء فأنا أعمل هنا إن كنت نسيت وابتسم بتحدي وهو يعقد يديه على صدره أمامه ويرجع بظهره ليسنده على ظهر كرسيه.

سادت لحظات صمت قليلة قطعها صوت طرقات على باب الغرفة، فصرخ الظابط: ادخل !
فُتح الباب ودخل عسكري قصير نحيل يمشي وهو ينظر لقدميه ثم وقف أمام الظابط الذي يكاد يُحرقه بنظراته المغتاظة ثم أدى له التحية وقدم له أوراق وقال: الطبيب الشرعي بعث لك بهذا الملف سيدي. وسلمه الملف وأدار ظهره وأسرع خارجاً والباب خلفه.

اعتدل الظابط في جلسته ووضع أمامه الملف وبقى ينظر له بعناية واهتمام بالغين أنسته الماثل أمامه غارقاً في الرعب الآن مما قد يكون بهذه الأوراق ..
قَلب الأوراق وهو يهز رأسه باهتمام ثم نظر للمتهم نظرة خاطفة محاولاً أن يستشفي ردة فعله ووجدها كما توقع، عيناه معلقتان بالأوراق ويبدو على وجهه خليط من الترقب والرعب.
عاد بنظره للأوراق ثم فجأة سأله:هل لك أية أعداء؟
بدى الذهول على وجه المتهم وأجابه بالنفي.
فهز الظابط رأسه ثم قال: ولازلت لا تتذكر ماذا حدث؟
فهز المتهم رأسه بالايجاب وهو يبتلع ريقه.
فعاد الظابط للأوراق أمامه وقال للمتهم: هذا تصوري لما حدث بناءاً على هذه المعلومات أمامي و دون أي افادة منك.

في عصر ذلك اليوم كنت بعملك، جائتك مكالمة مجهولة تبلغك بخبر هام يتوجب عليك معه أن تذهب للمنزل فوراً، فتركت كل ما بيدك وذهبت لتجد المنزل مبعثر كما رأيناه وعندما ناديت بأسماء عائلتك لم يُجبك أحد فذهبت تفتش في الغرف كلها وكلما فتحت غرفة وجدت بها دماء ولا أحد. وحضرنا نحن بنفس الوقت الذي كنت فيه أنت بأحد الغرف.

تصور معقول؟ سأله الظابط.
فلم يُجبه المتهم بأي شيء.

فقرأ عليه الظابط فقرة من الورق أمامه: بعد فحص الملابس الدامية التي كان يلبسها المتهم وجد أنها خليط مختلف من دماء العائلة فكلها بينها صفات وراثية مشتركة وهذه البقع لا يمكن ان تكون قد انتقلت لملابسه بهذا الشكل بمجرد احتكاكه ببقع دماء بل هي ناتجة من النفجار شرياني من مكان قريب. والبقايا الجلدية تحت أظافره كانت صفاتها الوراثية مشتركة في أكثر من مكان وهي لمؤنث مما يُوحي أنها لوالدته. الخدوش على يديه هي بالطبع دفاعية ولم يكن بها أي مواد يمكن الاستعانة بها فحتماً سنعرف إذا وجدنا الجثث من منهم قد حاول الدفاع عن نفسه. ليس بدم المتهم أي آثار لأي مواد مخدرة لذلك تمت الجريمة وهو بكامل وعيه وبكامل قواه العقلية ولا يوجد ما يُفسر فقدان الذاكرة المزعوم.

ما إن أنهى الظابط الجملة الأخيرة ورفع نظره إلى المتهم أمامه حتى وجده يبتسم ابتسامة شيطانية وهو يقول: آه صحيح .. الآن تذكرت !


ساره عاشور

الاثنين، 20 أغسطس 2012

تنفيس ..


(1)

حضرتْ إلى الجامعة وآثار البكاء واضحة على وجهها فتجمعتْ صديقاتها حولها ليفهمنْ منها ماذا حدث.
حكتْ لهن وهي تُغالب رغبتها في البكاء مجدداً: كنت جالسة في الترام ثم وقف بجانبي شاب والتصق بكتفي تماماً فَتوقعت أن ذلك من شدة الزحام حوله وانتهبت جيداً لتحركاته حولي خشية أن يقوم بسرقتي.
وكان مريباً بحق.
ثم أحسست بشيء غريب يقوم به ولكني لم أقدر على أن أُدير وجهي تجاهه، وفجأة شعرت بشيء لزج على كتف "البادي".

هي فتاة متوسطة الجمال، غير محجبة، مغتربة بهدف الدراسة بالقاهرة. وكانت تحمل من البراءة ما يكفي لوصفها في زمننا هذا "بالعبط".

تطوعت واحدة من زميلاتها لتشرح لها ما هو هذا الشيء اللزج وما إن علمت وبعد تخطيها لمرحلة الذهول، انفجرت في البُكاء. كيف يحدث لها هذا؟
كيف يتجرأ هذا الشخص أن يفعل ذلك في وسط هذا الزحام؟
ولماذا هي؟!

وبقين بجانبها يُحاولن تهدأتها لأن هذه الأشياء بالقاهرة أصبحت من الأمور العادية في يوم البنت، فنيومنا يكون هكذا: نصحو من النوم، نتناول طعام الافطار، نلبس ونأخذ مستلزمات يومنا بالجامعة ثم نُعيد النظر للبسنا للتأكد أنه لا يصرخ "هيا تحرش بي.. أريد ذلك" ..
ننزل من البيت وأول شيء نتعرض له ما إن نخطو بالمواصلات هو "التحرش" وبعضنا يملك القدرة على الخناق وسط الزحام او ضرب ذلك المتعدي علينا، ثم المناهدة مع جميع من حولك من نساء ورجال ومحاولة شرح أنه هو المخطئ وليس أنتِ.
ثم تصلين للجامعة ويمر اليوم لتعودي للمواصلات ويمكن أن يتكرر ما حدث بمواصلات الصباح في مواصلات أخر اليوم أو بالشارع. وتمري بنفس الدائرة المفرغة من محاولة اقناع من حولك أنكِ صاحبة الحق وهو من تعدى عليكِ وأنتِ فقط كنتِ تدافعين عن نفسك عندما علا صوتك عليه أو عندما قمتي بضربه ..
فالخطأ دائماً ليس على من تعدى عليكِ لفظياً أو بيده بل أنتِ لأنكِ خرجتي عن حدود المسموح لكِ في المجتمع فلا يجب أن يعلو صوتك ولا يجب أن تضربي "رجل" بل يجب عليكِ أن "يتحرش بيكي وإنتِ ساكتة وتحمدي ربنا إن حد عبرك أصلاً !"


(2)

كانتْ ذاهبة لامتحانها في الصباح، ركبتْ الميكروباص ولكنه كان ممتلئ ولم يبقى غير الكرسي الأمامي بجانب السائق فركبت به بجانب بنت أخرى خوفاً من تأخرها.
عندما وصل الميكروباص عند كليتها لم يكنْ باقي به غيرهما، حاولت فتح الباب ولكنه لم يَكنْ يفتح معها فعرض عليها السائق أن يفتحه. مد يده من خلفهما فتقدما الاثنتان للأمام فمد يده على مؤخرة كل منهما في طريقه للباب ..
لم تنطق أياً منهم بحرف واحد خوفاً على حياتهما. الشارع حولهما لا يوجد به بشر فالوقت مُبكر جداً إن صرختا يمكنه بكل سهولة أن يُكمل طريقه ويخطفهما.
شتمته إحداهما وهي تُغلق الباب ولكنها لمحت ابتسامة غريبة على وجهه، كمن أخذ شئ يملكه في الأساس هو حقه ولا حق لكي أن تتكلمي.
بقيت خارج الكلية لنصف ساعة تقريباً تحاول أن تتملك أعصابها حتى أتت لها صديقاتها فحكت لهن ما حدث معها وهي ترتعش فحاولن تهدأتها لأنها يجب أن تدخل الامتحان الآن ولكنها لا تتذكر ما يجب عليها أن تمتحنه !
لا تتذكر ما ذاكرت ولا تتذكر أي شيء !
لا تتذكر سوى تلك الابتسامة القذرة على وجهه وهذا الضعف الذي تملكها و دار بعقلها كل السيناريوهات المحتملة عن كل ما كان يجب عليها فعله. لم تتذكر سوى جسدها المُهدر وسكوتها على أخذ حقها ..

كانت قد قررت ألا تدخل الامتحان ولكن صديقاتها صممن أن تدخل فما حدث شئ بسيط نُقابله كل يوم !

دخلت وجلست أمام الورقة تنتظر أن يُعلن المراقب انتهاء الفترة التي بعدها تستطيع مغادرة اللجنة. وغادرت ورأسها يعصف بالتأنيب لها على سكوتها ..


(3)

داخل "الميني باص" المزدحم دائماً في هذا الوقت من اليوم فهو وقت ذهاب العاملين لأشغالهم والطلاب للمدارس والجامعات كحالتها.
جلس بجانبها شاب يلبس بدلة توحي بالأناقة ولمحة رُقي ..
جلس ورفع يده على ظهر الكرسي الذي أمامه وعلق عليه جاكت بدلته.
ثم سمعته يُتمتم بكلمات جانبها بصوت هامس حتى لا يسمعه أحد ولكنها لم تفهم جيداً كيف في هذا الزحام ألا يسمعه غيرها ! هل هذه الأصوات المريضة لا تصل إلا إلى أذننا نحن فقط !! هل قذراتهم مُخصصة لنا فقط !

قال لها: بُصي .. بُصي ..

نظرت تجاهه، لوجهه وتحاشت النظر للمكان الذي رغب لها أن تنظر له فهي قد فهمت أنه يُريدها أن تنظر لعضوه. لم تكن أول مرة يحدث معها هذا الموقف وقد سبق أن حكت لها صديقتها موقف مُشابه. تمالكت أعصابها ووقفت وأشارت له أنها تُريد أن تمر ثم صرخت في السائق أنها تُريد أن تنزل هنا ثم التفتت له وصفعته على وجهه وسط ذهول من حولها ونزلت إلى كُليتها.

نعم يحدث هذا معنا .. يحاولون أن يبدون "ذكوريتهم" بهذه الطريقة القذرة فنحن بالنسبة لهم مجرد عاهرات إلى نُثبت العكس ..

(4)

بعد أن قضت اليوم مع صديقتها ذهبت لتركب المترو، وهي تقوم بتعدية الشارع لمحت شباب يأتون خلفها -نملك الآن قدرة خارقة على رصد حركة كل ما هو مذكر في محيط رؤيتنا- فأسرعت في خُطاها نحو العسكري الواقف عند المتحف المصري لتحتمي به. أسرع أحد الشباب خلفها ليُسمعها ما يُريد من كلمات يعتبرها هو أنها كلمات غزل وأنها ستطير فرحاً حين تسمع من كائن مثله كلام كهذا في عرض الشارع .. فهم يعتبرون أن ننزل من منازلنا فقط لنسمع كلمة من كل مذكر يمر بجانبنا وإلا سنمر بحالة اكتئاب لأنهم "مش بيعبرونا !"
وعندما وصلت للعسكري لتقول له إنه هناك من يقوم بمعاكستها فحاول أن يبدو رومنسياً قدر معرفته السطحية بالرومانسية المنحصرة في عينين بلهاء يعتقد هو أنه ستُذيب حصوني وقال "حقه ما انتي قمر" فنظرت له باشمئزاز وأسرعت في خطاها أكثر لتذهب نحو المحطة و هم من خلفها شجعهم العسكري المذبهل ذاك وفقط عندما وجدوها لا تنظر حتى تجاههم ذهبوا لفريسة أخرى.


ساره عاشور

ملحوظة: القصص الأربعة قصص حقيقية وكانت من سنين من قبل موجة "هما لابسين ايه" اللي مسكوا فيها دلوقت دي :)

ما بعد الغياب .. جزء ثان


في اليوم التالي استيقظت تحاول استيعاب ما فعلته بالأمس حين وقعت عينها على العلبة .. أمسكت بهاتفها لتتأكد أنه لم يُحدثها أو يبعث لها برسائل وأغلقته تماماً لما أمسكت بنفسها تضغط أرقامه لتتصل به وألقت به جانباً ....

اعتدلت على السرير ونظرت مجدداً للعلبة أمامها ثم هبت واقفة وعيناها تمشطان الغرفة من حولها وما يبدو عليها من أثار المعركة. ثم انهارت جالسة وعادت لما يبدو أنه استكمالاً لحلقة البكاء من أمس .. ثم من وسط الدموع قالت: اللعنة على الأفلام وعلى من يرغب في أن يُحاكيها .. واستكملت البكاء.

حين انتهت، فكرت ماذا عليها أن تفعل أولاً؟!
تُرتب الفوضى بغرفتها أم تُرتب الفوضى بداخلها ..

وعند المقارنة وجدت أن غرفتها أهونهما فقامت لتؤدي ما عليها بها علّه يُساعدها بما عليها فعله بفوضاها الأخرى.

تخلصت من العلبة ورتبت كل أنحاء غرفتها وكل جزء تصل له تتأكد أنه لا يحمل أي ذكريات مفاجأة بطياته وعند انتهائه منه تتركه لأخر ثم بعد انتهائها ذهبت تُحضر لنفسها "نسكافيه بلاك" كما تُحبه وقامت بفتح جهاز "اللابتوب" ووضعت قائمة بأغانيها المفضلة واختارت ركناً بغرفتها وجلست على الأرض ورأسها مسنود على الحائط خلفها وتُدندن مع الأغاني، فيروز مُطربتها المفضلة دائماً وغالباً في حالات العزلة والانفصال عن العالم الخارجي هذه.
صوت فيروز رفيق عُزلتها ومؤنسها.

بدأت في ترتيب ذكرياتها لتحاول التخلص من ذكرياتها معه، تتمنى لو لها قدرة على سحبها من عقلها ثم حرقها هي الأخرى ..
تذكرت أول فالنتين لهما سوياً حين فاجأها بباقة كبيرة من الورد الأحمر، حسدها جميع أصدقائها عليها.

تذكرت أول رمضان مر عليهما والفانوس الكبير الذي أتى به لها .. وتذكرت ان عليها التخلص منه هو الأخر ربما لجمعية أيتام يفرح به الأطفال عوضاً عن نشر مزيد من الوجع هنا.

بقيت فيروز تُغرد وهي باقية في جلستها على أرض الغرفة ورأسها مسنود ربما من ازدحامه بما يجب التخلص منه وعدم معرفتها كيف تتخلص منه .. بقيت في الحالة هذه حتى أتى الليل وزاد ظلام الغرفة حولها.
تذكرت أن صديقتها طلبت منها أن تُطمئنها عليها فقامت بفتح هاتفها مرة أخرى ..

ما إن عاد الهاتف للعمل حتى فوجئت برسالة تنتظرها ..

رسالة منه ..

"أعلم حالة العُزلة التي حتماً قد أدخلتي نفسكِ بها، وأني أخر من تُريدين أن تسمعي منه الآن ولكن ..
لا أستطيع حتى الآن أن أجد تفسير واضح لنفسي حتى أجد ما أفسر به نفسي لديكِ ولكني أعلم أني أشعر بافتقاد كبير لوجودك.

أنتظرك .."

بقيت عيناها محدقتان بالشاشة حتى انطفأت ، أضائتها مرة أخرى وأخرى وأعادت قراءة الرسالة لمرات ومرات. لم تدري بما ترد !
أو ماذا يُريد هو في الأساس !
ثم اخرجها صوت رنين الهاتف من دوامة التساؤلات، انخلع قلبها لعله هو ..
ما غن دققت بالشاشة حتى وجدت اسم صديقتها فتذكرت لما قامت بفتح الهاتف.

بعد مكالمة طويلة وجذب وشد بينها وبين صديقتها وانهاء المكالمة بوعود منها لصديقتها بعدم التحدث له وأن لا تُطيل في الهروب إلى داخلها أنهت المكالمة وعادت لقراءة الرسالة والنظر لاسمه ..

ترددت في الرد برسالة أو أن تقوم بالاتصال به ثم حدثت نفسها أنه لم يقم بالاتصال بها حتى تتصل به هي ثم تذكرت أن هاتفها كان مُغلق ..


فقالت لها فيروز
"بتمرق علي امرق ما بتمرق ما تمرق مش فارقة معاي مش فارقة معاي
بتعشق علي اعشق ما بتعشق ما تعشق مش فارقة معاي مش فارقة معاي"

فابتسمت لها وأغلقت الهاتف مرة أخرى ..


ساره عاشور

السبت، 18 أغسطس 2012

ما بعد الغياب .. جزء أول

تأتي لحظات ما بعد الغياب الأولى بمشاعر حادة في كل اتجاه .. يُصبح كل احساس وكأنه تحت عدسة مُعظِّمة تُعطيه ما يفوق حجمه بمراحل. فتستهلكنا قوتها لننهار في أخر خطوطها لنصل إلى حد اليقين ..

بعد الغياب نقف مذهولين عما ألت إليه الأمور، كانت كل الحكاية تجري فوق السحاب بعيداً عن الواقع بوخزاته المؤلمة. نبقى متصلبين في مكاننا مأخوذين بخسارتنا نحاول لملمة شتات أنفسنا.

بعد الغياب نُفكر في "الخسارة الفادحة" التي لحقت بالأخر فياله من أحمق "خسر للتو أفضل ما حدث له بحياته".

بعد الغياب نُعظّم من أنفسنا ومن مدى تأثيرنا في حياة الأخر ومدى الارتباك الذي حتماً سيصيب حياته.

بعد الغياب نُريح أنفسنا من التفكير في ما سيلحق بحياتنا بتغيرهم وبغيابهم لنشغل أنفسنا "بهم وبخسارتهم".

بعد الغياب لا نكتشف مدى تعلقنا بهم فحتى بعد الغياب لانزال نقلق على حياتهم ولانزال نُفكر بهم ونرفض الاعتراف باهتمامنا بهم أحياناً حد الهوس.
وحتى بعد الغياب لازلنا ننكر الاعتراف بحق أنفسنا ببضع اهتمام من الأخر أو حتى منا .. لنبقى مشغولون عليهم.


تعلقت بصورتهما معاً وبقيت في سريرها تحاول أن تسترجع لحظاته معها عند التقاط هذه الصورة التي تُحبها. كان سعيداً ويظهر عليه هذا بوضوح. تُفتش بملامحه عن أي أثر لضجر أو فتور أو عدم ارتياح فلا تجد.
بقيت تنظر للصورة لساعات دون ان تنتبه لذلك، بقيت بلا حراك سوى عيناها تحفر في كل تفصيلة بالصورة لعلها تجد ما تبحث عنه.
هزهها غيابه بعمق ..

كان يُحبها كان ظاهر عليه لكل من يعرفهما. وكانت تبادله مشاعره وأكثر. تهتم به وتهتم بنفسها لأجله.
تعرف كُل ما يُحب وكُل ما يكره. تعرف نقاط قوته ونقاط ضعفه. وهو لم يعلم سوى أنه هو نقطة ضعفها في الحياة.
عند بداية تغيره عليها وبداية فتوره وخطواته الحثيثة للوراء .. للوراء للبُعد عنها .. للوراء لما قبلها. لم تُصدق حدسها بأنه يتغير، ظنت أنها فقط ضغوط عمله تؤثر على نفسيته مما يجعلها تشعر بهذا. كان عليها أن تستمع بشكل دقيق لهذا الحدس وأن تنتبه أنه ما أتاها من قبل إلا لأن الآن والآن فقط هو الوقت الذي عليها فيه أن تستيقظ قبل أن يوقظها غيابه. ولم تستمع ..

- خسرني .. قال لنفسها وعيناها مازالت مُعلقة بوجهه. خسر أفضل ما حدث له بحياته، استطردت.

ثم تنبهت لوجودها بالصورة وهنا رأت بوجهها ما لم تعيه من قبل ..

كانت لغة جسدها كُله مستنفرة تجاهه فيما هو يقف وكأنه وحيداً. يقف بكامل أناقته ورونقه يُمسك بكرافته وكأنه يُعدّله ويبتسم بفخر وغرور وينظر مباشرة للكاميرا .. فيما هي تظهر بجانب وجهها. كانت تنظر تجاهه وكان يغُّره هذا التعلق ..

وضعت الصورة جانبها ووجهها لأسفل فلا داعي للنظر لها مجدداً باتت محفورة بذاكرتها الآن وإن كانت في الأساس تحفظها بكل تفاصيلها.
حدقت في الحائط وحاولت أن تبكي ..
قالت: هذا ما يفعلونه في الأفلام، دوماً تجلس النساء مثلي وحيدة وتسترجع الذكريات الجميلة ثم تبكي فراقه !

لم تعلم أنه يُريحها أن تفكر في خسارته وتُبقى تُحلل في تفاصيل حياته المأسوف عليها من بعد خسارته لها.

بقيت تفكر فيه وتفكر فيه ثم تفكر فيه .. تحاول أن تبتلع مرارة حقيقة أنها عليها الآن الاستمرار دونه !

بقيت تشغل نفسها به ثم ما عادت تملك ما تشغل نفسها به عنه فانتبهت: لم أكن خياره الأول !

عادت تُمسك بالصورة ثم ما إن وقعت عيناها على وجهه ذو الابتسامة المغرورة حتى قذفت بالصورة نحو الحائط الذي لا تجد به ما يُبكيها. وعندها وجدت ما يُبكيها.
نظرت للإطار المُحطم أمامها بجانب الحائط .. وجدت صورتها أصابتها بعض الخدوش ووجهه مازال بابتسامته المغرورة الفجة بنظرها الآن وهي التي كانت تتباهى فيما قبل بغروره هذا ظناً منها أنه نابعٌ من وجودها بحياته ..

توجهت نحو المطبخ أتت بعلبة معدنية وعلبة ثقاب، دخلت غرفتها مباشرة نحو الصورة، التقطتها وقطعتها لنصفين.
أخذت وجهه المغرور ووضعته بابتسامته بالعلبة. ثم وضعت يدها على وجهها فقد أحست بما يُبلله فاكتشفت أنها تبكي. مسحت دموعها ثم بقيت تلف أرجاء الغرفة تُبعثر الأشياء هنا وهناك تبحث عن أي شئ قد سبق وأهداها إياه وكل ما تقع عليه يداها يذهب مباشرة للعلبة، دون أي توقف أو تأمل أو حتى مراجعة ذكرياتها لربما تود أن تحتفظ به ..

بعد أن انتهت من الغرفة وتأكدت أنه لا يوجد أي شئ أخر بها يمت له بصلة .. عادت تجفف وجهها ثم أمسكت بعلبة الثقاب وأشعلت منها عود وألقت به في العلبة ووقفت تتأمل النيران وهي تأكل أشياؤه وغروره .. وضعت يدها على قلبها فقد تهيأ لها أن النيران تأكل أيضاً حُبه من قلبها وظلت واقفة تبكي وتتأمل النيران وتُربّت على قلبها حتى أتت النيران على كل ما كان بالعلبة وانطفأت ..

جلست على السرير تحاول اللحاق بأنفاسها ومازالت يدها على قلبها فكأنه يحاول هجرها هو الأخر، تبكي وتحاول أن تُنظّم تنفسها وبقيت ساعات حتى هدأت ونامت ..


ساره عاشور

الأربعاء، 15 أغسطس 2012

سُم لا ينسحب


يكرهون العتاب في العلن .. أو حتى في سرك.
يكرهون أن تبلغهم عن أخطائهم أو عن عيوبهم ..

كانت تفاصيل الاشتياق توجعها ..
تحاول أن تفك خيوطه من بعضها، صوته عن وجهه عن يده. كُلٍ في مكانٍ وحده لتعطيه حقه.
كانت تحاول التعايش مع ذكرياتهما، تحاول الاعتياد على ملاحقتها لها في كل لحظة من كل يوم.
حاولت وحاولت وفشلت .. ثم ظهر مجدداً !
عاد وكأن كل هذا الوجع الذي مرت به لم يكن شيئاً مهماً وهذه الأيام كانت لحظات !
عاد ودبلة امرأة أخرى ستزين يده، عاد يطلب منها اهتمامها وحبها .. عاد يطلب اسعاده.
عاد وتجمدت هي ..
لم تفكر بعقلها، لم يوقفها هذا الحاجز الفضي في يده وتجاهلت رؤيته تماماً. لم تتذكر تفاصيل كثيرة سوى حُبه.
عاد وهو يعلم أنها ستكون بانتظاره تقف على أطراف أصابعها تشعر بنقصها دونه وعودته ستكملها رغم امتلائه هو بأخرى ..
عاد وعادت هي ..

هو لا يعتبر نفسه سُم دخلها ليقتلها ببطء. بل هو يقف عند حدود ما يُريده فقط وما يفعله بغيره لا يهم.

يسألها: هل هذا حقاً ما ترين بي؟ أني سُم؟
لم ترد عليه .. سألها بنبرة تهكمية: وهل تخلصتي من هذا السُم ؟!!!
فقالت: أحاول ..

لا يريد منها أن تعاتبه .. ما حدث خارج عن ارادته. أو هكذا يصور لها.

ظهر بحياتها مجدداً .. ظهر بخيلائه وأحاسيسه التي يُحب أن يُعبر عنها دون أي اهتمام لاحساسها هي أو ما يفعله بها.
ظهر بحياتها ليأخذ برأيها في المحلات التي تبيع فساتين الأفراح .. لا، لا تعتقد أنه لها بل هو لزوجته المستقبلية.
نعم، يأخذ برأي من يقول أنه يحبها في فستان وبدلة حفل خطوبته المقبل على غيرها.
ظهر وهو يعلم أنه يملك بها شيئاً ما سيمكنه من أن يُحركها تجاهه دون أن يخسر شيئاً من حياته بينما تقف هي دون أن تتحرك.
فقط عندما دخل بحياتها شخصاً لطيفاً ليعوضها قليلاً .. ظهر وقلب حياتها رأساً على عقب.

لا تعتقد أنها يُعجبها ضعفها أمامه أو أنها تُعطيه هذه المساحة بحياتها مجدداً .. هي تتحرك كالمنوم حوله. لا تقدر أن تقول له: لا .. ابتعد عني. عندك زوجتك وحياتك فلتكتفي بها ودعني أمضي بما بقي مني، هذا إن كان بقي شيء يُفيد أخر من بقايا قلبي.

يحاول أن يُبرر لها موقفه: أصدقائي قالوا لي أن الحب شيء والزواج شيء أخر فلا تخلط بينهما.

تحاول هي أن تُبرره لي فتقول: هو غير سعيد، لا أرى بعينه أو بوجهه أي لمحة سعادة. أنتظر أن أرى دبلة امرأة أخرى بيده يمكن عندها فقط أفيق من هذا التنويم.
 أحاول استيعاب الحالة التي هي بها، أن لا أزيد جراحها بكلمة غير محسوبة لكني أعتقد أني أفشل لأني لا أستطيع تحمل حالة الضعف التي هي بها.

هو شخص مؤذي لا يملك زمام أمره ولا يستطيع أن يختار حياته لا يستطيع أن يختار زوجته بل يترك الأمر كله لوالديه بحجة أنه هكذا يبرهما ..
فلا يستطيع اثبات رجولته المنقوصة هذه سوى بالتلاعب بمشاعرها .. يسمع لأصدقائه بأن الحب شيء والزواج شيء أخر .. ليذهب ليتزوج من امرأة لا يملك أي شيء مشترك بينه وبينها سوى أن والداه اختاراها له لأنها طبيبة مثله ! ولأن أهلها يملكون المال.

ثم يأتي ليتحدث عن المشاعر والأحاسيس الفياضة والاهتمام والحب معها هي !
فهو يريد زوجة في منزله وحبيبة خارجه.

هي تحاول أن تسّند قلبها وتشده ضده وأحاول أن أساعدها ..
هي لا تقبل أن تصبح "أخرى" بحياة أي أحد .. وأنا لا أقبل لها.


ساره عاشور

الأحد، 12 أغسطس 2012

زفاف


سيكون فستاني الأبيض بسيطاً جداً .. أحب أشيائي بسيطة بلا تعقيد لا داعي له يُلفت الأنظار.
جمال الأشياء حتماً يكمُن في بساطتها. سأربط شريطة حمراء على وسط الفستان، تعلم أني أعشق الأحمر فهو لون جنوني.
سيكون شعري منسدلاً على ظهري، ومكياجي لا يكاد يُلاحظ أحد وجوده.
وطرحة العروس ستكون رقيقة، لن أزينها بتاجٍ ماسي بل بطوق من الفُل والياسمين. أعرف أنك تُحب رائحتهما.
صديقاتي سيلبسون اللون الوردي، لوناً أنثوياً يليق بهم.

أما بدلة العريس .. أنت حبيبي ..
ستكون سوداء بها لمعة بسيطة، وقميصاً أبيض وكرافت أحمر. تعلم أني أعشق الأحمر.
ستبدو وكأنك أحد نجوم السينما الذين تقع الفتيات تحت أرجلهم ولكنهم لا يعيرونهم أي اهتمام مجرد ابتسامات بلاستيكية ألية ويحفظون الابتسامة التي تصدر من قلبهم لمن هم مُتيمون بها.
أي أن جل اهتمامك سيكون لي ..
نعم كما تعودت منك تماماً أعلم ما ستقول.
ستكون أنيقاً ووسيماً وجذاباً والمهم أنه بنهاية الليلة ستكون لي .. أو رسمياً أعني.

سيكون حفلاً لا يُنسى .. نسمع به كل ما نُحب من أغانٍ لا كما يفعل الناس ويتركون كل الأمر لمنسق الموسيقى. تعلم أني أحب أن أسيطر على كل التفاصيل.
ورقصتنا الأولى كزوج وزوجة على موسيقى هادئة من أحد الأغاني المفضلة لدينا.
ثم نرقص مع أهلنا وأصدقائنا ونلتقط معهم الصور لتُخلد ليلتنا لدى الجميع.

ثم بالنهاية نودعهم لنذهب لمنزلنا الذي أثثناه سوياً، اخترنا كل قطعة فيه ووضعنا فيه شخصياتنا ليكون بالنهاية ما يُعبر عنا. هو بيتنا عنواننا بالفعل.


تعلم أن الفتيات يُفكرن كثيراً بهذا !
يقضون الأيام والليالي يشغلون أنفسهم فقط بهذه الليلة وتفاصيلها وماذا سيحدث وماذا ستقول وكيف ستضحك ومن ستغيظ من صديقاتها ومن ستفرح معها وأشياء كهذه ..

أتعلم أني لا أفكر بهذه الليلة كثيراً أو يكاد يكون أبداً !
أعني لا أقف عند حدود هذه الليلة وحسب .. يُهمني بالطبع كيف ستكون وماذا سنلبس وكيف سنبدو للعالم وكل هذا، فكرت فيه مرة او اثنتان وحسب.

تعتقد أني حتماً أفكر فيما يأتي بعد في مستقبلنا. سأخيب ظنك قليلاً ..
أفكر في المستقبل أو أحاول أن أفكر فيه، فأرانا ونحن ببيتنا وأحضر لك الغداء أو أهتم بنظافة بيتنا ..
نجلس سوياً لنشرب الشاي ونشاهد التلفزيون قليلاً ..
أو نجلس لنقرأ معاً ..
لا يفعل أحدنا شيئاً دون الأخر.

لكني معظم الوقت لا أقدر أن أرى لي مستقبل ..
لا شيء، لا أرى أي شيء به.


هنالك فقط ..

هل أطلعك على سر؟ لا أريد حتى أن أصارح به نفسي !

أنا لا أرى بمستقبلي سواك .. هذه هي حدود مستقبلي، أنت وكفى ..



ساره عاشور

السبت، 11 أغسطس 2012

سر



هل تستطيع كتمان سر؟
هو شيء لم أجرأ على أن أحدث أحد به من قبل .. لا أعرف من يستطيع تقبل هذا بسهولة.

كنت أجلس ذات يوم وحيدة أراقبهم حولي ثم التقطت حديث دائر بين امرأة عجوز وشاب، يتحدثان في أمور الحياة. كانت تشكو له من أولادها وكيف أنهم لا يتابعون أمور حياتهم جيداً ويثقلونها بأمنياتهم لرجوعها إليهم.

استغربت حالها، كم من أم أو أب هذه اليوم يتمنون لو فقط سأل عنهم أولادهم ما بالك بطلبهم أن يكونوا معاً.

هز الشاب رأسه في أسى وقال لها أنا لا يطلبني أحد !
ولا يتمناني أحد ..
ربتت السيدة على كتفه وواسته، قالت له إن ذلك الآن أفضل  له فهو لا يعلم هذه النعمة التي هو فيها ألا يكون أحد يُمسك بك ويمنعك عن استكمال طريقك. قالت: لا يستطيعون الاستمرار ويقفون هكذا في بلاهة في المنتصف مصدومين، لا يتحركون ولا يتحدثون وينظرون في الهواء منتظرين رؤيتنا مرة أخرى .. من يذهب لا يعود ولا يجوز لهم التشبث بنا.
فقال لها الشاب: وأنتِ أيضاً لا تعلمين النعمة التي تملكين، تجدين من ينادي باسمك، من يحمل اسم عائلتك بعدك، من يتشبث ويحملك في قلبه.
في ركن أخر كان رجل يودع طفل صغير، الأطفال ملائكة الجنة لا يبقون كثيراً هنا.
أحسهم مختلفون، رجال ونساء. كبار السن وشباب. وكلهم يحدثون بعضهم عن مشاكلهم ومشاكل من تركوهم خلفهم. ولا أحد فيهم يذكر أو يتحدث عن ما جاء به إلى هنا.
ولكنهم راضون .. ما يميزهم حقاً أنهم راضون ويتمنون لنا نعمة الرضا هذه.

نظرت لهما مباشرة ونظروا لي ولم يرى أياً منا الأخر .. لا يسمعوني ولا أسمع منهم أصوات فقط أسمعهم بقلبي ..

التائهون حولي يملئون فراغ غرفتي .. فأدعو الله ألا يتوقف أحد عن التشبث بهم حتى لا يبقى الفراغ فراغاً !

أرواحهم هنا بسبب من لا يستطيعون تركهم يذهبون في سلام.
من يتعلق ببقاياهم وأشيائهم ويتمسّك بهم. يتشبثون بهم في منتصف طريقهم للحياة الأخرى ..
فيعلقون هنا هائمين ..

أتعلم أنهم ليسوا أشرار كم يعتقد البعض ولا هم هنا ليؤذوننا بل هم يترجونهم أن يتركونهم يذهبون دون أن تثقلهم هذه الذكريات كمن يحاول السباحة لأعلى فيما أحجار معلقة بقدميه .. فيفشل وفي النهاية يستسلم ليبقى .. هكذا هم.

الآن، هل حقاً تستطيع كتمان السر؟



الاثنين، 6 أغسطس 2012

أشياء ..

ربّاه .... أشياؤهُ الصغرى تعذبني.. فكيف أنجو من الأشياء ربّآه؟
- نزار قباني



هل فكرت يوماً أن لهذه الجمادات حولك من أرواح؟
هل فكرت أنها ربما تستمد منا بعض حياة؟
هل تعتقد أنهم يعذبوننا بأشيائهم الملقاة حولك دونهم؟

أنا فكرت ..

هداياهم حولي تُعذبني، تؤنبني كل دقيقة لماذا تركتهم ورحلت !
هداياهم وبها أرواحهم .. أنا متأكدة تماماً من ذلك هم هنا .. حولي .. يسكنون بها .. يهمسون لي ..
وهذه الساعة بدقاتها المتتابعة المملة التي تضرب فوق رأسي .. هي حتماً متحالفة معهم.

أتصورهم عندما لا أكون بالغرفة يحكون لبعضهم عن أصحابهم وعما فعلته بهم. يخططون ماذا سيهمسون لي في المرة القادمة فتقول الساعة: ما عليَّ سوى أن أعلن بدقاتي المتتالية قرب انتهاء عمرها .. أعلن لها هذا الوقت الذي تُمضيه وحيدة. أدق لها الساعة تلو الساعة فتعلم مدى حرمانها من صُحبة من تُحب.
يرد عليها الكتاب: تصوروا ما عادت تطالعني، لم تُمسك بي منذ زمن، أخر مرة لمستني بأصابعها توقفت عن إهدائه الذي تركه داخلي ولم تقرأني. أخشى على حروفي الذوبان من الوحدة.
تنعيهم الوردة الذابلة صامتة .. لم يعد بها روحاً لتحكي مثلهم. تكتفي بالشذى الحزين المتطاير منها.
تتحرك كوفيته على السرير لتقترب منهم: أبات كل ليلة في حضنها، لا يعلم أياً منكم كم الدموع التي تنزل من عيونها الناعسة تستجدي بها النوم في هذه الوحدة.

- أخيراً ظهر لي حليف، هذه الكوفية وفية مثل صاحبها .. كان أحنهم عليَّ.

تُظهر زجاجة العطر بعض الغضب قائلة: نحن نقول لها كل يوم أن هذه الوحدة لا تنفع جميلة مثلها. لكنها لا تستمع لنا .. هي تعتقد أننا مجرد جمادات هدايا أُهديت لها لتترك مهملة بعد ضياع أصحابها في دروب الحياة. يجب أن تعلم أننا هنا ونُحبها كما أحبها أصحابنا. ما جئنا لها إلا بحبهم.
نظرت لهم اللعبة الموجودة على الرف فوق المكتب تنهدت ثم قالت: ألا تعلمون أننا بالفعل جمادات ! نحن نتحدث معاً ونفهم بعضنا لكننا بالنسبة لها ذكريات يمكن أن تكون مؤلمة .. يكفينا أنها لم ترمي بنا في صناديق ليملؤنا الغبار أو حتى لم ترمي بنا في الشارع !
احتفاظها بنا يُبدي أنها بالفعل تمتلك مقداراً من الحب نحو أصحابنا.

- يُلقون لنا بهداياهم في المناسبات أو حتى دون مناسبات وهم ينون أن تكون أشياء تذكرنا دائماً بهم .. وتتم المهمة على أكمل وجه بل وأكثر .. فالهدايا تبقى تحمل الجميل لمن أنقذها من المحلات .. تُنفذ خطة أصحابها بالفعل.
كنت أفكر بهذا بصوت غير مسموع حتى لا يسمعونني.

تلفت في الغرفة أنظر لهم جميعاً بعين الرحمة .. ثم قلت: أنا فعلاً أحبكم وأحب صُحبتكم معي في الغرفة هنا وأقدر خوفكم عليَّ وتُعذبني همساتكم .. أنا أحببت أصحابكم قبلاً ولكنكم الآن ملكي أنا فهلا كان وفائكم الآن لي .. فقط تؤنسوني ..
تحملون لي الغالي من الذكريات ولا أقدر أن أستغني عنكم أبداً ..


.. أشيائهم الملقاة حولنا تحمل لنا قدراً من قلوبهم فلننظر لها بعيون الرحمة والحب ونُقدر لهم أنهم شاركونا ببعضٍ منهم ..

الجمعة، 3 أغسطس 2012

راقصتني




سألتك أن تُراقصني ككل المُحبين ..
هذا ما كان يجب أن يكون منذ أول لحظة، لكني كابرت وأنت كذّبت إحساسي ..
كان يجب أن أمضي في كل يوم على أطراف أصابعي ..
أتحاشى كُل ما يعكر مزاجك وأتنازل عن كُل ما يُعكر صفو حياتي ..
أرقص يُمنة ويسار كي لا يُصيبني قصف بركانك ..

هذا ما كان يجب أن يكون ..
أتعمد أن أعطيك ..
أتعمد ألا أطلب..
أتعمد أن أتنازل ..
تنازلت وتنازلت حتى ما عُدت أجد مني ما يبقى للتفريط فيه ..

كذّبتني ..
سألتك الاهتمام .. فقط بضعاً من اهتمام
كانت خطواتك تكشفك
وكذّبتني ..

سألتك الحفاظ على مشاعري .. 
سألتك أن تُراقصني
دون أن تُدمي  أصابعي حولك ..

لكن هذا ما كان يجب أن يكون ..
أعطيك ولا أأخذ
أسأل ولا تهتم
أحبك ولا تُبالي
تثور وأتفادى اشعال بركانك مرة أخرى ..
أحافظ عليك أملاً في أن تُحافظ عليَّ ..

ما كان يجب أن يكون منذ أول لحظة ..
أن أرقص وحدي بعيداً عنك ..


ساره عاشور

السبت، 28 يوليو 2012

غياب


ذهب للكافيه الذي كانا يجلسان به دوماً لعله يتعثر بها.
جلس وحيداً .. طلب قهوته المعتادة وجاءت وحيدة ..
جلس يُحدق بها ثم يتلفت حوله ينظر لكل الجالسين حوله .. لم يجدها.
نظر مرة أخرى للفنجان أمامه واستحضر خيالها ولقائتهما المتكررة هنا وكاد أن يُحدثها ثم تذكر أنه وحده .. فصمت ..
لم يقبل أن يخونها هنا ويشرب قهوته دونها، أخرج محفظته ووضع المال بجانب الفنجان ورحل.

عاد لمنزله، لغرفته، لعزلته.
تمنى لو يرى حالها الآن، كيف هي؟
أغمض عينه وتخيلها ..
هاهي تجلس بغرفتها،
- ياه تبدو ملكية.
- يبدو على وجهها حزن عميق، حتماً تشتاقني.
تتحرك في الغرفة ببطء، تمسك هاتفها تقرأ رسائله القديمة ثم تبكي.
- آه حتى دموعها تبدو من عالم أخر.
 فتح عينه وهز رأسه ..
- مازلت غبي وأتوقع أن عالمها سيقف من دوني.

أغمض عينه مرة أخرى ..

- هاأنا في غرفتها مرة أخرى.
رأها تمشي في الغرفة وهي تتحدث في هاتفها كانت تؤكد على موعد.
-أكيد هذا رجلها الجديد.
ثم ذهبت لتختار ملابسها.
- رقيقة هي في كل ما تفعل.
ثم ذهبت تأخذ حمام دافيء.
- حياتها لا تقف على أمثالك.
ثم لبست ملابسها ووقفت أمام المرآة تضع مكياجها وتُعدّل في شعرها خصلة يمين وخصلة يسار.
- كم أشتاق لخصلاتها المنسدلة ورائحة الياسمين التي تُشع منها.
وحاول أن يشُمها فاقترب منها ومد رأسه للأمام فوقع من على كرسيه .. فتح عينه وخبط بيده على رأسه.
- قلت لك، غبي.

قام ليتمشى قليلاً في الشقة .. يحاول أن يُوقع في كل خطوة جزء منها عالق به .. وفشل.

ذهب للمطبخ، وقف على الباب ونظر في كل أركانه كأنه يحاول أن يتذكر أين هو ولماذا هو هنا وليس معها؟
ثم وقعت عيناه على الثلاجة فذهب وفتح بابها ووقف يحدق بما بداخلها ثم أغلقها وراح يبحث عن القهوة، كانت أهدت له نوع غالٍ من البن لم يفتحه قط .. كان يكتفي بأن يذهب كلما اشتاقها لينظر للعلبة ويتلمسها كأنه يبحث عن لمسة أصابعها عليها ثم يقبلها ويذهب.

قرر أن يفتحها، هي خطوة الآن ليتحرر منها.

تردد قليلاً .. تلمسها من كل اتجاه ليقتنع بأن أصابعها ما عادت أثارها هنا.

أخذ فنجان قهوته الجديدة وعاد لغرفته. اطفأ الأنوار وأغلق الستائر وجلس يشربها في الظلام.
وينظر إلى السواد حوله هذا هو ما يُمثل حياته الآن .. سواد يُغلفها ..
ينظر إلى اللاشيء .. هذا هو حاله دونها.

انتهى من الفنجان ثم بحركة لاإرادية قام بقلب الفنجان على طبقه وعندما تنبه لما فعله ضحك ثم تعصب وألقى بالفنجان في الهواء وسمع صوت تكسّره.

كانت تلهو معه ذات مرة فقالت له سأقرأ لك فنجانك .. وأخذته ونظرت فيه بتمعن وهي تُقطب حاجبيها دليل على تركيزها الشديد وهو ينظر لها ويضحك ثم رفعت عينيها عن الفنجان ونظرت له وابتسمت ثم قالت في جدية: لا شيء يقلق هنا، ستعيش.
وضحكوا.

لم يتحرك من مكانه لينظف مكان الفنجان المكسور.
- الآن هو مكسورٌ مثلي.

رجع برأسه للوراء وأغمض عينه كان سيسرح فيها مرة أخرى ففتح عينه وأنّب نفسه للمرة المليون: أنت غبي. لا تتعلق برائحتها ولا بأغانيها ولا بقهوتها ولا بخصلات شعرها الحريرية ولا حياتها الملكية ولا بكل ما فعلته بك .. لا تتعلق بها ولا تُعلق حياتك عليها .. لا تشغل نفسك بما تفعله ولا تُقنع نفسك بانتظارها إياك .. فقط توقف ولا تفعل.

ثم أضاءت شاشة هاتفه ذهب ليُلقي نظرة وجد إسمها ..
وضع يده على صدره ليلحق بقلبه قبل أن يقفز، كان به تلك الدقة الزائدة التي تليق بحبه لها.
تجمد أمام الهاتف وأصابعه تتردد بين الأخضر ثم الأحمر ثم الأخضر وعندما قرر أخيراً على أيهما سيضغط ..

انطفأت فجأة الشاشة. وانطفأ معها.


ساره عاشور