الاثنين، 20 أغسطس، 2012

تنفيس ..


(1)

حضرتْ إلى الجامعة وآثار البكاء واضحة على وجهها فتجمعتْ صديقاتها حولها ليفهمنْ منها ماذا حدث.
حكتْ لهن وهي تُغالب رغبتها في البكاء مجدداً: كنت جالسة في الترام ثم وقف بجانبي شاب والتصق بكتفي تماماً فَتوقعت أن ذلك من شدة الزحام حوله وانتهبت جيداً لتحركاته حولي خشية أن يقوم بسرقتي.
وكان مريباً بحق.
ثم أحسست بشيء غريب يقوم به ولكني لم أقدر على أن أُدير وجهي تجاهه، وفجأة شعرت بشيء لزج على كتف "البادي".

هي فتاة متوسطة الجمال، غير محجبة، مغتربة بهدف الدراسة بالقاهرة. وكانت تحمل من البراءة ما يكفي لوصفها في زمننا هذا "بالعبط".

تطوعت واحدة من زميلاتها لتشرح لها ما هو هذا الشيء اللزج وما إن علمت وبعد تخطيها لمرحلة الذهول، انفجرت في البُكاء. كيف يحدث لها هذا؟
كيف يتجرأ هذا الشخص أن يفعل ذلك في وسط هذا الزحام؟
ولماذا هي؟!

وبقين بجانبها يُحاولن تهدأتها لأن هذه الأشياء بالقاهرة أصبحت من الأمور العادية في يوم البنت، فنيومنا يكون هكذا: نصحو من النوم، نتناول طعام الافطار، نلبس ونأخذ مستلزمات يومنا بالجامعة ثم نُعيد النظر للبسنا للتأكد أنه لا يصرخ "هيا تحرش بي.. أريد ذلك" ..
ننزل من البيت وأول شيء نتعرض له ما إن نخطو بالمواصلات هو "التحرش" وبعضنا يملك القدرة على الخناق وسط الزحام او ضرب ذلك المتعدي علينا، ثم المناهدة مع جميع من حولك من نساء ورجال ومحاولة شرح أنه هو المخطئ وليس أنتِ.
ثم تصلين للجامعة ويمر اليوم لتعودي للمواصلات ويمكن أن يتكرر ما حدث بمواصلات الصباح في مواصلات أخر اليوم أو بالشارع. وتمري بنفس الدائرة المفرغة من محاولة اقناع من حولك أنكِ صاحبة الحق وهو من تعدى عليكِ وأنتِ فقط كنتِ تدافعين عن نفسك عندما علا صوتك عليه أو عندما قمتي بضربه ..
فالخطأ دائماً ليس على من تعدى عليكِ لفظياً أو بيده بل أنتِ لأنكِ خرجتي عن حدود المسموح لكِ في المجتمع فلا يجب أن يعلو صوتك ولا يجب أن تضربي "رجل" بل يجب عليكِ أن "يتحرش بيكي وإنتِ ساكتة وتحمدي ربنا إن حد عبرك أصلاً !"


(2)

كانتْ ذاهبة لامتحانها في الصباح، ركبتْ الميكروباص ولكنه كان ممتلئ ولم يبقى غير الكرسي الأمامي بجانب السائق فركبت به بجانب بنت أخرى خوفاً من تأخرها.
عندما وصل الميكروباص عند كليتها لم يكنْ باقي به غيرهما، حاولت فتح الباب ولكنه لم يَكنْ يفتح معها فعرض عليها السائق أن يفتحه. مد يده من خلفهما فتقدما الاثنتان للأمام فمد يده على مؤخرة كل منهما في طريقه للباب ..
لم تنطق أياً منهم بحرف واحد خوفاً على حياتهما. الشارع حولهما لا يوجد به بشر فالوقت مُبكر جداً إن صرختا يمكنه بكل سهولة أن يُكمل طريقه ويخطفهما.
شتمته إحداهما وهي تُغلق الباب ولكنها لمحت ابتسامة غريبة على وجهه، كمن أخذ شئ يملكه في الأساس هو حقه ولا حق لكي أن تتكلمي.
بقيت خارج الكلية لنصف ساعة تقريباً تحاول أن تتملك أعصابها حتى أتت لها صديقاتها فحكت لهن ما حدث معها وهي ترتعش فحاولن تهدأتها لأنها يجب أن تدخل الامتحان الآن ولكنها لا تتذكر ما يجب عليها أن تمتحنه !
لا تتذكر ما ذاكرت ولا تتذكر أي شيء !
لا تتذكر سوى تلك الابتسامة القذرة على وجهه وهذا الضعف الذي تملكها و دار بعقلها كل السيناريوهات المحتملة عن كل ما كان يجب عليها فعله. لم تتذكر سوى جسدها المُهدر وسكوتها على أخذ حقها ..

كانت قد قررت ألا تدخل الامتحان ولكن صديقاتها صممن أن تدخل فما حدث شئ بسيط نُقابله كل يوم !

دخلت وجلست أمام الورقة تنتظر أن يُعلن المراقب انتهاء الفترة التي بعدها تستطيع مغادرة اللجنة. وغادرت ورأسها يعصف بالتأنيب لها على سكوتها ..


(3)

داخل "الميني باص" المزدحم دائماً في هذا الوقت من اليوم فهو وقت ذهاب العاملين لأشغالهم والطلاب للمدارس والجامعات كحالتها.
جلس بجانبها شاب يلبس بدلة توحي بالأناقة ولمحة رُقي ..
جلس ورفع يده على ظهر الكرسي الذي أمامه وعلق عليه جاكت بدلته.
ثم سمعته يُتمتم بكلمات جانبها بصوت هامس حتى لا يسمعه أحد ولكنها لم تفهم جيداً كيف في هذا الزحام ألا يسمعه غيرها ! هل هذه الأصوات المريضة لا تصل إلا إلى أذننا نحن فقط !! هل قذراتهم مُخصصة لنا فقط !

قال لها: بُصي .. بُصي ..

نظرت تجاهه، لوجهه وتحاشت النظر للمكان الذي رغب لها أن تنظر له فهي قد فهمت أنه يُريدها أن تنظر لعضوه. لم تكن أول مرة يحدث معها هذا الموقف وقد سبق أن حكت لها صديقتها موقف مُشابه. تمالكت أعصابها ووقفت وأشارت له أنها تُريد أن تمر ثم صرخت في السائق أنها تُريد أن تنزل هنا ثم التفتت له وصفعته على وجهه وسط ذهول من حولها ونزلت إلى كُليتها.

نعم يحدث هذا معنا .. يحاولون أن يبدون "ذكوريتهم" بهذه الطريقة القذرة فنحن بالنسبة لهم مجرد عاهرات إلى نُثبت العكس ..

(4)

بعد أن قضت اليوم مع صديقتها ذهبت لتركب المترو، وهي تقوم بتعدية الشارع لمحت شباب يأتون خلفها -نملك الآن قدرة خارقة على رصد حركة كل ما هو مذكر في محيط رؤيتنا- فأسرعت في خُطاها نحو العسكري الواقف عند المتحف المصري لتحتمي به. أسرع أحد الشباب خلفها ليُسمعها ما يُريد من كلمات يعتبرها هو أنها كلمات غزل وأنها ستطير فرحاً حين تسمع من كائن مثله كلام كهذا في عرض الشارع .. فهم يعتبرون أن ننزل من منازلنا فقط لنسمع كلمة من كل مذكر يمر بجانبنا وإلا سنمر بحالة اكتئاب لأنهم "مش بيعبرونا !"
وعندما وصلت للعسكري لتقول له إنه هناك من يقوم بمعاكستها فحاول أن يبدو رومنسياً قدر معرفته السطحية بالرومانسية المنحصرة في عينين بلهاء يعتقد هو أنه ستُذيب حصوني وقال "حقه ما انتي قمر" فنظرت له باشمئزاز وأسرعت في خطاها أكثر لتذهب نحو المحطة و هم من خلفها شجعهم العسكري المذبهل ذاك وفقط عندما وجدوها لا تنظر حتى تجاههم ذهبوا لفريسة أخرى.


ساره عاشور

ملحوظة: القصص الأربعة قصص حقيقية وكانت من سنين من قبل موجة "هما لابسين ايه" اللي مسكوا فيها دلوقت دي :)

هناك تعليقان (2):

  1. مش تنفيس أبداً
    دي قلة كل حاجة ف الكون (دين وتربية وأخلاق وذوق وأدب وإنسانية وإحترام)

    بقرأ وأنا مكسوف ومتغاظ ومحبط وحاسس إني عايز اعتذر لكل بنت بيحصلها كدة

    وفعلا مش لاقي كلام يا سارة أقوله عن مدى همجية وتخلف مجتمع منتشر فيه الظاهرة الغبية دي
    بس لازم هييجي اليوم وتنتهي

    أسلوبك ف السرد أكيد جميل

    بالتوفيق دايما

    ردحذف