السبت، 6 أكتوبر، 2012

ألم


يقولون أن المال هو أصل كل الشرور ولكنهم نسوا أن الحب أيضاً يحظي بنصيب كبير من هذه الشرور. ولقد اجتمع في حكايته الاثنان.

"اكتم جرحك ببعض البُنْ لتوقف الدماء."
تذكر نصيحة والدته هذه عندما كان صغيراً وتُجرح قدمه وهو يلعب مع أصدقائه من الجيران. جرى إلى المطبخ يبحث في الظلام وأمسك ما ظن أنه علبة البن وأخذ قليلاً وسريعاً وضعه على الجرح النافذ بيده ثم انطلقت منه صرخة فقد وضع الملح وأحرقه الجرح.
للحظة أعجبه الوجع هذا، فانتظر قليلاً حتى اعتاده جسده ثم أعاد وضع ذرات أخرى من الملح دون أن يصرخ هذه المرة. يُغريه تحدي قدرته على تحمل الألم أو ربما يشعر بالاثارة.

هو من إحدى أغنى العائلات بالمدينة التي كان يعيش بها، لم يكن ينقصه أي شيء .. سواها.
من عائلة ثرية هى الأخرى ولكنها مطلقة !
صرخت به والدته: مطلقة !! لماذا؟!! هل ينقصك أي شيء حتى تأخذ ما تركه غيرك !
استغرب التعبير من والدته المتعلمة وصاحبة المركز الاجتماعي فقال لها كيف تفكرين بهذه الطريقة !
قالت: لا تقاتل في شيء ستخسره مؤكداً بالنهاية، اترك هذه السخافات ونحيها عن عقلك تماماً، العائلات كثيرات والفتيات كثيرات فلتختار من تشاء.
فقال لها ولكني اخترت بالفعل وانتهى الأمر.

ذهب ليُفتش عن أي شيء يُطهر يه جرحه ولكن الظلام مازال مستمر وهو لا يحفظ أماكن الأشياء جيداً بالفيلا، لا يقضي بها الوقت الكافي ليحفظ مكان أي شيء ثم رجع للغرفة التي ألقى بها جثتها.

بعد صراع طويل مع نفسه، قرر أن يقتلها ويُبريء شرفه الذي لوثته. خطط لنفسه.

- سأدخل من الباب الخلفي بعد أن أفصل الكهرباء عن المكان ثم أذهب لغرفتها، الوقت متأخر لذا ستكون نائمة ولن تقاومني كثيراً. سأذهب بهدوء وأضع المخدة بقوة على وجهها فتذهب ملعونة.
لكن ماذا إن قاومت بشدة ! لا أستطيع استعمال المسدس لصوته العالي، إذن سكين سيكون كافي لحسم المسألة.

وذهب والخطة باء "السكين" في جيبه. وكل الأفلام التي شاهدها من قبل تُعرض في رأسه. ما عليه تجنبه حتى لا يترك أدلة وما عليه فعله .. يعرف كل خطوة تماماً.

كانت والدته قد قضت يوم زفافه وسط دموعها وكأنها تُشيع ولدها لمثواه الأخير. وزوجته كانت في قمة سعادتها مثله فقد حظي كلٍ منهما بمن كان يُمني نفسه به.
رغم تحذيرات والدته العديدة بأن المُطلقات هؤلاء ساقطات إلا أنه لم يستمع لها أبداً ومضى قدماً في خططه.
لم تأتي لزيارته في الصباح التالي ليوم زفافه ولا بعد أن عاد من اجازة شهر العسل حتى ذهب هو لزيارتها .. وحده.

حاول أن يصل للدائرة الكهربية ليُعيد التيار إلى المكان ولكنه لا يعرف طريقه جيداً حتى يعود من حيث أتى، حتى وقف ليُغمض عينيه ويُعيد خطواته في عقله حتى علم إلى أين يذهب .. ثم عاد النور للمكان ورأى الفوضى التي أحدثها فجلس في مكانه .. بلا ندم. فقط ليُرتب ما سيفعل.

- أنا جئت هنا حتى أطمئن عليها. لما لم تأتِ للباب الرئيسي ذهبت للباب الخلفي ودخلت لأجد المكان في هذه الفوضى.

أشعل سيجارة حتى يُمكنه التفكير جيداً، يجب أن تكون انفعالاته مضبوطة حتى لا يكشفه المحقق. ثم عليه أن يتذكر ماذا لمس وإذا كان هناك أي شيء يدل على تورطه في هذه الجريمة. وقام ليمسح كل شيء لمسه جيداً وينظر لكل الأثار على الأرض. ثم نظر للجرح الحديث بيده ولم يدر كيف يفسره وإذا كان هناك حتماً دمه على السكين ! كيف سيفسر هذا ؟! وإن قام بمسح السكين، فأي قاتل هذا الذي سيترك خلفه سكين نظيف ! وإذا تخلص من السكين سيظنون أنها جريمة مخطط لها جيداً ويجب أن يبحثوا جيداً خلف الموضوع.

أشعل سيجارة ثانية، كلمات والدته لعبت بتفكيره بمرار وضح على تصرفاته معها. كان يتذكر أنها تتركه يمسك يدها أو يقبلها وهي ليست زوجته. إذاً والدتي على حق فهي عاهرة وإلا لماذا تركها زوجها السابق !

سيجارة ثالثة، هل تسرعت في قتلها !
هل تفكر في هذا الآن؟!

سيجارة رابعة وتذكر احساس الملح على جرحه فذهب للمطبخ، أحس بانتشاء كمن أخذ للتو جرعة مخدرة. ترك السيجارة على المنفضة ثم ذهب إلى غرفتها ووقف يُحدق بجثتها.
جلس بجانبها في وضع القرفصاء وهو يحدق في عينها الزجاجية الخالية منها، ثم نظر للجرح بيده وقام واقفاً.

ضربها بقدمه بشدة .. بغضب، لأنها أفسدت خطته.

لم تكن أول مرة التي يقوم بضربها، ولم تكن أول مرة التي يعلم بها مدى انتشائه من الألم ولكنها أول مرة يُجرب الانتشاء من ألم بجسده هو وليس بصرخة منها. عرف أن تحكمه بنفسه أكبر والنشوى التي أحس بها هي حتماً الأعمق حتى الآن.

رجع للسيجارة فوجدها قد تحولت لرماد، فكر في حرق الفيلا بجثتها ولكن تذكر الفيلم الذي فعل فيه مجرم ذلك ولكن الشرطة توصلت للسبب الحقيقي للحريق ووصلت له وأيضاً هذا الجرح في يده كيف يفسره !

قال: لقد وقعت على السكين.
ثم جلس يضحك وهو يُشعل السيجارة الخامسة ويهز في رأسه من غباء البعض.

ثم خطر بباله أن يقول أنه لحق بالقاتل الذي قام بضربه ثم هرب !

نعم إنها فكرة جيدة ولكن أحتاج إلى جرح على رأسي وإلا كيف هرب هذا الوغد، قالها بجبين مقطب وابتسامة شيطانية.

انتهى من سيجارته ومن ترتيب قصته ومن التأكد أن لا شيء يحوي بصمته أو دليل لإدانته وقام بالاتصال بالشرطة وهو يصرخ: أحدهم قتل زوجتي ثم بكى فحاولوا تهدئته ثم طلبوا منه اسمه وعنوانه فأعطاهم المعلومات وأغلق الهاتف.

قام بتنظيف المنفضة من السجائر المحترقة وطمأن نفسه أنه لا يوجد أي دليل على ادانته. وذهب ليتصل بوالدته ليُعلن لها الخبر المُفرح بأنها تخلصت من وصمة العار لعائلتها وهو في قمة الهدوء الذي بث الرعب في نفسها.

هكذا كان انتهى من كل شيء وجلس ينتظر الشرطة وهو يعيد تمثيل انفعاله ثم يضحك، يسرد القصة ويضحك .. يضغط على الجرح الموجود بيده ويعلو ضحكه ما إن سمع صوت سيارات الشرطة فصمت وذهب ليفتح لهم باب الفيلا ثم عندها تذّكر ..

في كل فيلم شاهده كان دائماً ما ينسى المجرم شيء يدينه، ولكنه حسب أن ذكائه سينجيه ولكنه نسي.
لم يكسر الباب ليكون مكان دخول القاتل ولم يبعثر محتويات غرفتها ويُخفي الأموال دليل على السرقة والأهم الذي نسيه والذي حتماً سيودي به لحبل المشنقة .. دمه الموجود على السكين بجانبها ودمه الموجود تحت أظافرها .. نسي دليل إدانته وسط انتشائه بالألم فابتسم ابتسامته الشيطانية للمرة الأخيرة.


ساره عاشور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق