الخميس، 8 نوفمبر، 2012

لا جديد


قراءة الفنجان لن تكون صعبة، ماذا يفعلن هؤلاء السيدات سوى إعطائكِ أمل أو خسفكِ بالأرض على حسب ما تعطيهن من أموال وأنا لا أريد سوى بعض الأمل لنفسي، إذًا أنا لا أرى في هذا الفنجان يافتاة سوى خط عمر طويل ها هو ذا و خط حظ مميز ترينه هنا موازٍ لخط العمر وهناك في منتصفهما يوجد رجل أنيق مبتسم .. سيقع بطريقكِ قريبًا .. أرايتِ ليس صعبًا على الإطلاق.
قلت لصديقتي التي تحاول أن تنجو بروحها من ثُقب الحزن الأسود الذي يبتلعها شيئـًا فشيئـًا.

 فنظرت لي نظرة شبه فارغة وقالت: ليتني أستطيع فعل ذلك، أمسك بالفنجان لا لأقرأه بل لأبُث به أمنياتي أملًا في أن يُحققها وكأنه جني المصباح لا يَهُم مُسماه فنجان .. مصباح .. المهم أن أجد لأمنياتي حقيقة، الأفلام عبثت بعقلنا حتى النخاع !
ضحكت .. فهناك بالفعل شبه حقيقة في هذا. لا نُحب إلا كما يُحبّون في الأفلام ولا ننفصل إلا بشكلٍ درامي يُشابه ذلك الذي على الشاشة. الممثلون يُقلّدون بشر والبشر يُقلدونهم وما عاد أحدٌ يعلم أين الأصل في كل هذه الأحاسيس المُقلّدة. نغضب كما يفعلون فنحطم كل ما يُصادف وجوده أمامنا فقط لأنهم يفعلون ذلك ونحزن مثلهم وحتى عند فرحنا أو إلقائنا للنكات غالبًا لا يخرج ذلك أيضًا عنهم. لم يعد الشخص يعلم إحساسه الخاص به هو دون تلويث الأفلام أو ردّات فعله.

حينما يسحبها الحزن داخل دائرته لا تقاومه أو لم تعد تقاوم فهو كالرمال المتحركة كلما قاومتها كلما تعمّقت قدماك داخلها أكثر، فاعتادت عدم مقاومته. يأتي فيستهلك الحزن نفسه ويذهب، تعتقد أنه ربما هكذا ستصبح الفترات بين زياراته أطول قليلًا.

ولكن دائمًا ما يغلبها الملل فيأتيها الحزن راكضـًا وكأنه إفتقدها.

تقول لي إنها ما ترى في نفسها أسوأ من حب الامتلاك والملل ودوامة الحزن التي تبتلعها بين الاثنان. يتبع أيهما الأخر فدومًا تمّل من شيء طال أمد رغبتها في امتلاكه حتى إذا بات بين يديها زهدته فيسحبها ثقبها الأسود.
أعتقد أن حُزنها لا يُشبهنا، نحن نحزن على فقدنا ونحزن لأننا لن نستطع تعويض ما نفقد ولكنّها تحزن لامتلاكها ما أرادت وتحزن لأنها تُريد البحث عن غيره حتى لما لم تعرف ما تريد تاليًا فتزهد الحزن ذاته. دائرة مفرغة لا تخرج منها ولا يخرج منها شيء بشر أو أشياء ماعداي.
هي تنظر لي بإعتباري نقطة توازنها أو مرآة لداخلها، فلا أحد يفهم حالاتها مثلي، قد كنت مثلها يومًا والآن أحاول جاهدة أن أنقذها قبل أن تستهلك روحها.

كان لديها نقطة إتزان غيري، كانت تُسند قلبها عليه وكان يُريحها من شروخ روحها المتزايدة تلك.

ولكنه صار ككل شيء عندها قابل للترك. فتركته لتبحث عن غيره ووضعت توازنها على عاتقي، ولن أخذلها.

طلبت منه أن يظلا أصدقاء فضحك بإنكسار على برائتها المصطنعة، قال لها كيف يمكن بعد أن أطلقت قلبي بأقصى سرعته نحوك أن تطلبي منه فجأة أن يتوقف ويضع حدودًا بينك وبينه !
هل تظنين حقًا أن ذلك ممكنًا؟! بكل سهولة هكذا أصبح صديقك !
كانت تتحدث بعفويتها المعتادة فهي أحبت امتلاكه ولكن ها قد تسرب الملل لقلبها فظنته سيكون كالعجين السهل تشكيله بيدها، قالت له فترة قصيرة فقط وسنعود كما كُنا بل أظننا سنصبح أفضل.
اتخذ بضع خطوات للخلف وهو ينظر لها بريبة ليتأكد أنها بالفعل تتحدث بجدية و أذهلته لم يعلم أنها تملك هذا التأثير على الناس أو لم يتوقع أن يراه عليه هو. ابتسم لها وقال ما انكسر لا يعود لذا لا يمكنني أن أكون صديقًا لك بل لا يمكنني أن أنطق اسمك ثانيةٍ بحياتي يكفيني ما كان وابتعد ..
وقفت في حالة لا يمكنني بالفعل وصفها فهي لم تتوقع منه ذلك، هي تمتلكه وظنت ذلك، لن يتركها مهما كان السبب ظنت ذلك فعلًا ولكنها أخطأت السبب فلا يمكن لأحدهم أن يقبل ذلك. تلك اللعبة التي تحيا بها هذه الدائرة التي لا تستطيع التخلص منها، لا يمكن لأحد أن يتماشى معها وهي لم تحاول أن تتخلص منها لأجله ولأجل حُبها، ظنت أنها لن تؤثر على علاقتها به فلم تحاول ..

وعادت تبحث عن الجديد الذي ستحاول تملّكه بعد قضائها فترة حزنها عليه، لم تعلم أنه سينتظرها. سينتظر أن تتغير وتعود لقلبه.
لم تعلم لأنها لا تُريد أن تتغير، لا تُريد التخلص من هذه الدائرة فهي تحميها، لا تدعها تقترب مسافة كافية من أحدهم حتى يكسرها بل هي من تتحكم في المسافات والحدود وهي من تقذف بنفسها لدوامة الحزن إن أرادت أن تُكفّرعن ذنب أحدهم. تظن أن ذلك سيطهر روحها ويحميها من أن يُرد بها ما تفعل، إن حزنت بشكل يليق بالفعل بكل شخص سَيُزال ذنبه عنها لتعود بصفحة بيضاء ورغبة جديدة.

ما لم تأخذه في حساباتها هو أنها ستمل هذه الحالة في يوم من الأيام ستتملكها تلك الرغبة في الاستقرار، وما لم تدري به أن رغبة الاستقرار هذه لا تُترجم داخلها إلا باسمه هو.
فلا مفر الآن من الحزن ولا خروج منه إلا إليه ولا توازن سأستطيع أن اُعيد ولا أمنيات على نجوم ستُعيده ولن يُعيده سواها. تذهب فتتطهر أمامه وتُعلن خطأها وتبكي له حُبها وتطلب أن يملك هو إتزانها مجددًا ويحفظ لها كرمتها ويُسقط المسافات بينهما ويقترب لتلك المساحة التي لم تطأها قدم من قبل ليُصبح الأول والأخير.

سأقنعها يومًا ما فهو ينتظر ..


ساره عاشور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق