الأربعاء، 24 يوليو، 2013

انتقام سينمائي


انتقام سينمائي

يجلسان بصالة عرض الأفلام لحضور فيلم رومانسي، تمتلئ القاعة حولهم بوجوه عديدة ويبدو على الغالب أنهم ثنائيات جاءت لنفس السبب. تظلم القاعة ويرفع الستار عن الشاشة ويسود الصمت فتبدأ الاعلانات بالعرض على الشاشة، يميل عليها ليحدثها بأذنها بصوت خفيض أن تنتبه لهذا الفيلم فهو مصنف عالميًا ومرشح لجوائز وغير ذلك فبطلته تُشبهها في أشياء عديدة. التفتت له وابتسمت أو هذا ما لمح هو ورفعت اصبعها تجاه فمها لتُشير له بأن يصمت ثم وجهت رأسه تجاه الشاشة كي يتوقف عن التحديق بها ومحاولة إرباكها.
ما هي سوى دقائق وبدأ جميع الأصوات الهامسة في الظلام في الخفوت لأن موسيقى اعلان بداية الفيلم بدأت تصدح بالقاعة. ركزت بنظرها على الشاشة البيضاء أمامها وأهملت الانتباه لأي أحد حولها .. حتى هو أو بالذات هو ..
كان قد انقطع لفترة عن التواصل معها بأي طريقة كانت فلا اتصالات هاتفية ولا محادثات عبر الانترنت ولا مقابلات بالطبع. فقط تجاهل تام وكأنه قد سقط فجأة عن سطح الأرض.
لم تعتاد منه التجاهل وعدم الاهتمام فأشعل بها ذلك نيران عدة، التساؤلات أولًا ثم المحاولات المستميتة للبحث عنه ثم أخيرًا نيران لا يجب على أي رجل أبدًا أن يشعلها بأنثى تهتم به وتُحبه، نيران الانتقام. فهي لن تهدأ سوى بعد أن تنال انتقامها منه لأنها اهتمت وأخلصت وأحبت وهو فقط تجاهلها وكأنها لم تكن.
فقررت بعد أيام من اختفائه أن تنتقم لكرامتها منه هكذا ببساطة أتى القرار تمامًا كبساطة قراره بإلغائها من جدوله اليومي. وما كانت كثرة ازدحام جدوله بها. جلست وانتظرته فكانت تعلم بمنتى التأكد –كأنثى تُحب- أنه سيعود الغد أو بعد الغد أو بعد شهر سيعود فلا ملجأ آمن له سوى حضنها الدافئ.
انتبهت ليده تتسحب بالظلام لتحتضن يدها فأسرعت بالإمساك بهاتفها وكأنها حركة عفوية منها وبقيت عينيها مُركزة بشدة على شاشة العرض وكأنها لم تدر برغبته ولكنها لمحت انهزامه.
البطلة بالفعل تُشبهني قليلًا، اقتربت من أذنه وهمست له برقة فهي لا تُريده أن ينهزم كليًا أو أن يكتشف فتورها تجاهه الآن .. ليس بعد، لم تحن اللحظة.
بالأفلام الأجنبية يحتفلون بالنساء القويات فيما يتنصل منها العرب وكأنها تهمة تستحق الاخفاء أن تكون الأنثى ذات شخصية قوية قادرة على الاعتماد على نفسها !
وهي كانت قبلًا تتنصل من قوتها وتدعى الضعف لتُرضي الشرقيين حولها فما باتت تحتفظ بأي علاقات لأكثر من بضعة شهور فلا صديق أو حبيب يقبل بها كأنثى في موقع الند معه ولكنه اختلف عنهم فكان يحتفل بقوتها ويقويها ويساعدها على اظهار ذلك وعدم الخجل منه. وكانت من أكثر الأشياء التي تعجبه بها وهي علمت أنها أيضًا أكثر الأشياء التي ستقضي عليه فمن يفتح صندوق باندورا عليه تقبل عواقب فعلته.
هو من قال لها مرة أنها كصندوق باندورا فقوتها تحوي أشياء سيئة وهي تلجأ للسيئ دومًا للدفاع عن نفسها ولكنه حذرها بأن ذلك سيقضي على الطيب بها شيئًا فشيئًا. فقال لها أنت كصندوق باندورا الخاص بي ولذلك أخشي على كلانا فقدان الأمل بعد تمام فتحه.
انتبهت لأضواء القاعة تضاء فقد انتهى النصف الأول من الفيلم، تاهت مع ذكرياتهما ولم تُرتب بعد الختام لمشهدهما معًا. نظرت له فوجدته يتأمل ملامحها وهو مبتسم فابتسمت له وسألته: ما بك؟
فقال: تكونين جميلة وأنت توجهين كل تركيزك بأمر ما، ملامحك تصبح جادة.
وبدأ في تحريك وجهه لمحاولة تقليدها وإضحاكها بنفس الوقت فقد بدأ القلق يسري بدمه تجاه ما تدبره، فهي هادئة أكثر من المعتاد وشاردة ويبدو على ملامحها أن هناك أمر ما قد حدث أو سوف يحدث، لا أدري قالها بصوت عالٍ.
فقالت له لا تدري ماذا؟
فارتبك قليلًا وقال: لا شيء هل سنخرج أم سنبقى جالسين؟
فقالت له: لنبقى هنا.
سألها عن رأيها بالفيلم، فقالت له ما كانت تفكر به عن أنه كان محق فالبطلة تُشبهها قليلًا بالفعل فابتسم كالمنتصر فاستطردت ولكن أخشى أن لهذا الفيلم نهاية سعيدة ككل الأفلام.
فاستغرب كلامها وقال: لا أعلم نهايته ولكن ما الخشية في ذلك أليست النهايات السعيدة شيئًا جميلًا؟
فقالت: يقولون أن ما يحدث بالأفلام من نهايات سعيدة هي فقط قصص لم تكتمل فالواقع دائمًا أقبح ..
وفي هذا شبه حقيقة، تمنيت لو أتمكن من عمل مونتاج لحياتي بنفسي. أتخيل حياتي كفيلم وعليَّ المونتاج لتخرج بالشكل المناسب اللائق بقصتنا بالطبع قبل بدأ انحدارها بالواقع، فتظل كما يتخيلها من حولنا القصة الجميلة ذات الضحكات الرائقة والألوان المبهجة والمشاهد التي تجعلك تتمنى مثلها والحب الذي برؤيته تُعيد حساباتك حول الشخص الجالس بجانبك الآن يُشاهد معك هذه الرومانسية وتتخيله بفيلمك أنت ولكن عليك معرفة أنك في كل مرة تفعل فيها ذلك، في كل مرة تتخيل  فيلم حياتك وتطرد منه من ترى أنه غير لائق بدور البطولة أمامك أنك غفلت عن حقيقة هامة وهي رؤيتك لما بعد كلمة النهاية وانطفاء الشاشة أمامك فكما أفعل الآن بوضع الكلمة في الموضع المناسب لتحسدني على نهايتي السعيدة وأخفي عنك الجزء الواقعي من المشكلات اليومية التي نحياها جميعًا فأنت بالفعل وبلا شك ترتكب أكبر أخطاء البشرية !
ولا تحزن كثيرًا فهذا يتم بشكل دوري في كل صالات العرض حول العالم ..
نظرت له فكان وكأنها قد صفعته على وجهه مراتٍ عدة فبُهت، فقررت أن تلحق بدمائه قبل أن تهرب، فقالت له: هذا مجرد تفكير جال بخاطري ليس ما أريد في الحقيقة أو ليس ما سأفعله معنا أعني. فهز رأسه محاولًا أن يبدو مُقتنعًا فقررت هنا أنها اللحظة المناسبة لإنهاء هذه التمثيلية التعيسة فقالت له لنخرج ونتنفس بعض الهواء.
قال لها أن الجزء الثاني من الفيلم على وشك أن يبدأ. فقالت: أعلم ذلك ولكن هيا بنا لا أريد مشاهدة نهاية أخرى سعيدة على أية حال.
فقام منهزمًا يجر أذيال خيبته ورائهما وهو يدري تمامًا كما تدري الذبيحة بأنه قد آن أوانها الآن، حاول أن يرتب بضع ردود أو مبررات لما فعله ولكن عقله كان كذاكرة الكمبيوتر عندما يُصيبها فيروس مُعطلة ولن تُلبي لك ما تُريد لا بالسرعة المطلوبة ولا بالشكل المُراد.
جلست وجلس أمامها، حاول أن ينطق ويقول لها أنه يهتم بالفعل لأجلها فهنا وأمام الشاشة الكبيرة كان سُيقدم لها عرضه الكبير ويطلب منها أن تتزوجه ولكن متى يجد فمك الكلمات حين تُريده !
كانت تُرتب ذهنها بالداخل وتُرتب ملابسها بالخارج وهو يُراقبها تارة ويلعب بالكوب الذي أمامه ويشرد به تارة أخري. ثم عندما قرر أن يبدأ الحديث وجدها تركت كل ما بيدها وكأنها قد استعدت كاملًا الآن فقالت له بكل ثقة: ما بيننا انتهى منذ اللحظة التي قررت فيها أنك لن تحتاجني بأيامك.
هَمَّ أن ينفي ذلك ولكنها لوحت له بألا يتحدث وقالت: اليوم أنت تستمع فقط فأنا سأنهى ما لدي وأذهب وسيكون هذا أخر لقاء وأخر ما بيننا.
فقال لها: لا يمكننا فعل ذلك وأنتِ تدرين.
فردت: تدربنا بفضلك جيدًا فلا تخف.
تفاجئ من طريقتها معه وصمت فاستتبعت ضرباتها:
انتهينا عزيزي قلت لك، قررت مع نفسك في لحظة أن تسقط عن وجه الأرض ولا تهتم بي إذن فلتبقى هناك خارج نطاق الخدمة وخارج نطاق اهتمامي. كنت بالفعل أظن كما تقول أني لن أقدر على التنفس من بعدك ولكن ها أنا أمامك فلم ينقصني شيء، ربما بضع رتق هنا وهناك وسأعود كما كنت من دونك. سأذهب عنك الآن وستبقى هنا ولن تتبعني ولن تعاود الاتصال بي أو طلب مقابلتي بأي شكل كان وعند هذا الحد سيُقطع عنق حبنا فينزف وننتهي.
لم يرد عليها فهو داخله كان يعلم أنه من أتى بهذا على نفسه أو كما يقولون "جنت على نفسها مراكش" لم يتخيلها بهذه القسوة ولكن هكذا صندوق باندورا يفاجئك دومًا.
أمسكت بحقيبتها وألقت نظرة سريعة على أشلائه أمامها ثم وقفت وقالت له: من يبدأ شيء عليه انهاؤه وأنت لم تملك الشجاعة الكافية لذا أنهيته عن كلانا فأنا لا أملك أنصاف مثلك، فلا نصف قلب ولا نصف حب ولا نصف اهتمام، معي إما الكل أو لا شيء وأنت اخترت.
ثم رحلت ..
جلس يتابعها ولم يتحرك ثم عندما وجدها خرجت تمامًا من المكان وغاب طيفها عنه أخرج هاتفه وجلس يكتب لها رسالة فيبعثها لها ويغلق هاتفه للأبد فهي من طلبت منه الانتهاء، فكتب:
عزيزتي
انتهينا كما قلتي قبل قليل لذا قبل الانتهاء كان يجب عليكِ استكمال خيط اهتمام واحد بيننا وسؤالي عما دفعني للابتعاد هذه الفترة ولكن بلا إطالة كانت فقط بضع مشاكل بالعمل لأني كنت أرتب أحوالي كي أطلب منك الزواج فتُتمم قصتنا بالنجاح ونبدأ فيلمنا الرومانسي الجميل ولكنك تسرعتِ قليلًا أو لنقل كثيرًا واخترتِ ابعادي بمقص المونتاج عن باقي مشاهد حياتك وإخراجي من الفيلم بالكامل لذا أتمنى لك السعادة مع من ستختارين لدور البطولة أمامك ولكن قلب ذلك فضلًا عليكِ إغلاق صندوق باندورا وإحكام إغلاقه ثم إبقائه هكذا حتى يبقى معكِ قلة من الأمل في رجل حياتك المقبل ولا تثورين عليه بغيرتك وغضبك المعظم ذاك.
عزيزتي .. سأحبكِ ولن أنتهي من ذلك ولكن ما بيننا انتهى بالفعل.


ساره عاشور

هناك تعليقان (2):

  1. tou7fa bgd geeeeeeeeedn ,, bs heya fe3lan 3'al6ana aweeeeeee w 3aleha 3al a2l wageb 2adaby na7yeeto enha te3tezrloo :(

    ردحذف
  2. عاوز اقولك حاجه بس تصدقيها علشان بجد بقولها من قلبى انتى احسن حد قريتله بجد . حرام عليكى ماتبقيش مشهوره .. لازم تحاولى .. ولازم تنجحى ويبقالك كتب كتير كمان

    ردحذف