الأحد، 24 فبراير 2013

فراغ



استقبلت عيونها ضوء الصباح الآتي من النافذة بثقل فهذا هو يوم اجازتها وليس عليها الاستيقاظ مبكرًا ككل يوم فحاولت أن تتجاهله وتعود لنومها ولكن شيئًا فشيئًا تسلل الضوء لعقلها ليُعلن له أن عليه الاستيقاظ فاستسلمت للأمر بالنهاية وأفاقت، أول ما بحثت عنه بالغرفة حين فتحت عيناها كان زوجها لم تجده بجانبها فظنته يجلس ليدخن كعادته بجانب النافذة ولكنه لم يكن هناك وحين جالت عينياها بالغرفة لمحت حقيبة سفر سوداء تقبع بجانب الباب كالفأل السيئ معلنة أن هذا اليوم لن يمر على خير.
لملمت نفسها ونهضت ثم ذهبت تجاه المطبخ وفتحت الثلاجة ووقفت تحدق بها لأنها نست لما هي هنا؟
هل عليها تفقّد أن الاضاءة تعمل !
حركت الباب بيدها لينطفئ الضوء ثم يعود مرة أخرى مع فتح الباب فقررت أنها حتمًا أدّت مهمتها بنجاح وأغلقت الباب ويدها لا تزال معلقة بمقبضه وجبهتها محنية تستند للباب وكأنها تستجدي الحياة أن تبقى بها. وتمتمت بأشياء وعيناها مغمضة ثم تنهدّت وقررت أن تذهب للمواجهة المحتومة، وفكرت ما عليها أن تقول أو تفعل ولكن كل الأفكار التي كانت تُبقيها مستيقظة قد قررت أن تخذلها وتهرب الآن فهي ممن يهربون منك حين تحتاجهم ويبقون نصب عينيك حين لا تريدهم.

مشت بخطوات مُتثاقلة كمن يذهب لتنفيذ حكم الإعدام، أكتاف متساقطة ورأس لا يُرفع وأعين زائغة وأنفاس متلاحقة ثم تُصبح لحظة المواجهة مع حبل المشنقة أصعب من الموت القادم، تلك اللحظة الأولى التي تقع بها عينيك على ذاك الحبل الذي سينزع منك الروح بعد قليل قد تصبح أصعب كثيرًا من نزع الروح نفسه فقد تذهب الروح طواعية الآن مع تلك الدقيقة الأولى ويكسب الحبل المعركة دون أن يُقاتل ويقتل ويتحمل وزر عنق جديدة تدق وروح جديدة تزهق فيبقى بسجل نظيف لليوم على الأقل ويعتبره يوم الراحة.
ثم وقفت في مواجهته، ليس الحبل بل زوجها الذي يجلس على الكرسي الأقرب لباب الشقة وكأنه لص يستعد للفرار في أقرب فرصة بعد دراسة المكان جيدًا وترتيب خطة هروبه، وقفت فقط ولم تتقدم خطوة أخرى فلحظة المواجهة الأولى هي الأصعب ولذلك لا ترغب عيناها في مواجهته.

"ماذا سأفعل بكل تلك المساحة الفارغة بخزانة الملابس؟"
كانت الفكرة التي تُلّح برأسها وهي تحاول الآن رفع عينيها لتقابل عينيه، هي فقط الخطوة اللازمة الآن سيتلاقيان وينضم خيطاهما سويًا ولن تحتاج لمجهود لتُبقيهما معه.

وصلت عينياها لعيناه أخيرًا فزفرت وبقيت ساكنة لا تتحرك. سألها إن كانت رأت حقيبته، فردت بأنها ليست عمياء ولا غبية.
قال كلام كثير لم تتبين منه سوى الرحيل، لم تسمع غيرها. التقطتها أذناها وكأنها صفارة الانذار التي ما إن علت حتى طغت على كل ما سواها.
كان فمه يقذف بكلمات كثيرة ويرتجف أحيانًا ويزوم أحيانًا وأخرى بدت لها محاولات لإيصال صوته بعلو يناسب من يقف في الطبقة التي تعلوهم بالمنزل ولكنها لم تستمع كانت ترى محاولات عديدة وكلمات تمنت لو رأتها وهي تخرج من فمه لكان ذلك أسهل كثيرًا من محاولة الاستماع له الآن.
الرحيل ..
هذا هو ما عليه فعله من فترة لماذا قرر ذلك فجأة؟
ما الذي استجد ليستحثه على تنفيذها هكذا دون أي نقاش مسبق !
هل تخيل أنني سأحاول اثنائه عن ذلك !
أظنه يعلم أن ذلك لن يحدث، ومع ذلك أنه أمر جلل أن تستمع لهذه الكلمة حتى وإن كنت تتوقعها أو تنتظرها بالأحرى. هاهي المواجهة مع حبل المشنقة برغم علمك المسبق بأن ذلك أتيٍ لا محالة تبقى له رهبة عظيمة لم تُكسر.

"وبالطبع ترك الكثير من علّاقات الملابس الفارغة، ماذا سأفعل بها"!
كانت تفكر.

أصبحت مختلفة في الفترة الأخيرة لا قدرة لديها على مواجهة المشكلات تتعامل معها وكأنها ذلك الجينز الذي تشتريه بمقاس أصغر لتضع لنفسك هدفًا تصل إليه وكلما مر الوقت وأنت على حالك تدفعه بعيدًا قليلًا عن نظرك حتى يتوارى خلف أكوام من الملابس فتحجبه عن عينك ويرتاح ضميرك، هكذا تفعل تدفع المشكلات من أمام عينيها وتعيش بلا خيبة أمل نتيجة عدم تحقيقها لهدفها أو حلّها لمشكلاتها.

أطلق اسمها في الفراغ ليحاول استعادة بضع انتباه أو اهتمام منها.
فأحست بصوته وكأنه يقذف داخلها إلى تلك الهوة التي اتسعت داخلها حتى أصبحت بلا قعر، فلا نهاية لها.
صوته يهوى بداخلها ولا صوت ارتطام، فقط يستمر بداخلها بلا نهاية.
ولكنها انتبهت لوقع اسمها على أذنيها فعادت وكأنها لم تكن تراه من قبل وكأن عينياها قد انطفأتا للحظات ثم عادت للعمل الآن مع النداء. أعاد عليها كلمة الرحيل فاستندت للحائط لتمنع نفسها من الانهيار على أرض الغرفة الصلب أو ربما حتى لا تبتلعها تلك الهوة التي لا نهاية لها فلا يجدها أحد ولا تذهب لمكان أخر وتضيع بها دون أن تقرر ما عليها فعله بالعلّاقات الفارغة بالخزانة.
اقترب منها ليتأكد أنها بخير فأكدت له أنها ليس بها شيء فظن أنها تلعب دور المريضة لتبقيه معها فتركها وذهب ليأتي بحقيبته من الغرفة فلم تمنعه فتردد في استكمال طريقه للحظات وأعاد النظر إليها وكأنه كان ينتظر منها أن تمنعه فلم تعره أي اهتمام وجلست على الأرضية تحدق للحائط أمامها فأكمل طريقه للغرفة. سألته لماذا تركت الحقيبة هناك بالداخل؟ فلم يرد عليها أعادت السؤال ولم تتلق أي رد فشكت أن الهوة تبتلع صوتها هي الأخرى الآن فصرخت: لماذا لم تذهب قبل أن أستيقظ؟
خرج من الغرفة وسألها لماذا تصرخين؟
قالت: لا شيء كنت فقط أسألك لماذا تركت حقيبتك بالداخل؟
ولماذا لم تذهب مبكرًا وجلست تنتظرني؟
هل تعتقد أنه من المناسب أن أبدء يومي بشيء كهذا؟
أم ماذا بالضبط ! يحق لي أن أفهم ذلك على الأقل .

وقف يتأملها وسألها لماذا لم تمنعه فلم ترد عليه وقالت له أننا كبرنا على لعبة سؤال بسؤال .

تنهد وترك الحقيبة ثم جلس القرفصاء بجانبها ومد يده ليلمس وجهها فأبعدت رأسها عن مسار يده فاستعادها لنفسه ثم قال: انتظرتكِ حتى تمنعينني من القيام بذلك، انتظرتَ منكِ سببًا يبقينِ هنا بجانبك وأنتِ غارقة في هوة اكتئابكِ تلك وذلك العالم الذي رسمتِ برأسك ثم قررتِ البقاء فيه وطردِ خارجه وعليَّ الموافقة على ذلك واستكمال حياتي فقط مع جسدكِ بلا روحكِ وعقلكِ ولا جاذبيتكِ التي أحببتها. انتظرتَ منكِ ذرف دمعة واحدة لتبقينِ بجانبكِ لأواسيكِ أو حتى فقط أن تذكرين كم تحبين البقاء معي ولكن لا شيء وقفتِ كالتمثال أمامي وكأنني أتحدث مع الحائط 
.
كانت تنظر له بعيون تبدو زجاجية بلا حياة وتراقب فمه تارة وعيونه ووجهه ككل تارة وكأنها تحاول أن تستفهم ما يُقال أو ما يحدث ثم سألته عما كان يدور بعقلها: تركت الكثير من علّاقات الملابس الفارغة، أليس كذلك ماذا سأفعل بها الآن !
وكل تلك المساحة الفارغة بالخزانة ماذا سأضع بها؟
كيف تنتظر مني التعامل معها؟

نظر لها بكل ما يملك في جسده من دهشة وشفقة ثم وقف بأمل خائب أو فلنقل منكسر وعاد لحقيبته وحملها وقال لها بعدما مر من جانبها: ستكونين بخير أنا أعلم ولكن فلتهتمِ قليلًا بحالكِ وإن احتجتني بأي وقت فقد دونت لكِ كل أرقام هواتفي بأوراق ووضعت لكِ بكل مكان ورقة، اتصلِ بأي وقت لن أنقطع عنك ولكن الآن عليَّ الرحيل.
هاهي مجددًا الكلمة التي تسحقني وتُعيدني للمواجهة مع حبل المشنقة، مع النهاية.
أعلم أنه تحدّث عن أشياء عديدة، وذكر أوراق وغرف ولكنِ لم أنتبه أو ألتقط سوى كلمة الرحيل ثم تأتي تلك الهوة لتبتلع كل شيء بعدها.
ثم صوت الباب يغلق بعنف ثم خطوات تبتعد غاضبة ثم لا شيء لم يعد له وجود حولي لم يبقى سواي وحبل المشنقة والمواجهة معه التي يبدو أنها ستطول.
وتلك المساحة الفارغة والعلّاقات الفارغة والمنزل الفارغ منه ثم أنا أقع بالهوة.
وبقيت بمكانها كالجثة لا تفعل شيء سوى التحديق بالفراغ ..


ساره عاشور

السبت، 19 يناير 2013

مُفردات الوحدة


على أحد أرصفة محطات المترو كانت تقف وحيدة مستندة للحائط تعبث بالهاتف الموجود بيدها ويبدو أنها تستمع لأغاني أو من عبثها بالهاتف فهي تبحث عن ما تستمع له، تُقلب بعصبية واضحة وحزن بادي على وجهها، ما هي إلا دقائق و بدأت الصفارات المزعجة في الاعلان عن قدوم القطار نظرت للضوء الأحمر في غضب ثم رجعت لهاتفها ولم تقترب من حافة الرصيف لتركبه ولكنها انتبهت لكل ما كان يحدث حولها لحركة دخول وخروج الناس من العربة أمامها وسير وأحيانًا ركضهم بجانبها ثم وجدت كرسي فارغ على المحطة فجلست عليه وبقيت تُراقب القطار حتى اختفى بكل عرباته.
لم تكن الوحيدة الجالسة متجاهلة قدوم القطار ولكن الجميع حولها لم يكن وحيدًا، تركت هاتفها جانبًا مع بقاء السماعات بأذنها وأخرجت من حقيبتها كتاب وفتحته وقرأت قليلًا ثم انتبهت للضوء الأحمر على الرصيف المقابل ونظرت له بنفس مقدار الغضب الذي نظرت به لسابقه، أعتقد أنها تكرهه لسببٍ ما. جاء القطار بكل الضوضاء التي تُصاحبه ثم أتي أخر وأخر وهي تجلس بمكانها تُراقب القطارات أحيانًا والبشر في أحيان أخرى وتعود لكتابها أو تغير أغنية لم تعجبها.

بعد ما يقرب من ساعة وقفت لتركب القطار القادم بعد نظرة طويلة مليئة بخيبة الأمل تجاه مدخل المحطة ثم استسلمت أخيرًا وركبت، ذهبت لركن العربة بجانب الباب بعيدًا قليلًا عن زحام منتصف العربة والكتاب بيد والهاتف باليد الأخرى ووقفت تُراقب راكبات العربة وتصرفاتهم وتستمع لكلامهم وضحكاتهم وهي تفكر لماذا لا يتوقفون عن الحديث !
بعد تخطيها لمحطتين نزلت بالمحطة الثالثة ليست مكان نزولها المُعتاد ولكنها ملت من التواجد بهذا الزحام، ثم بعد نزولها بلحظات اتصل بها، نظرت لاسمه على الهاتف وترددت بين الأخضر والأحمر ثم قررت أن تجد مكان هادئ لترد عليه ثم أجابت.

حدثها متأسفًا كثيرًا عن تأخره عليها ثم سألها إن كانت عادت للمنزل أم مازالت بالخارج فهو يُريد رؤيتها.
فقالت أنها مازالت تنتظر المترو فسألها بأي محطة لأنه بالمحطة التي وعد أن يأتي لها بها.
فقالت أنها قد نزلت لأن العربة كانت مزدحمة وهي لا تحب الزحام.
فاعتذر لها مرة أخرى لأنه يعلم ذلك ولأنه عرضها لما تكره.
فقالت له إنه لا بأس ربما علينا أحيانًا أن نجرب ما نكره فنكتشف جوانب جديدة بشخصياتنا فأنا اكتشفت أنني يمكنني أن أتحمل الزحام في سبيل مراقبة الناس ولأجل لقائك أيضًا ..
فقال لها: لا تتحركين أنا سأركب الآن لآتي إليكِ.
فوافقت مازال الوقت مُبكرًا للعودة على أية حال.
طلب منها أن يبقى معها على الهاتف حتى لا يكون أيًا منهما وحيدًا حتى يلتقيان فقالت له هذا أفضل فالكل حولي ينظر لي بريبة وكأنني سأفجر المكان فضحك وقال لها أنها تملك الخيال الأغرب فابتسمت وقالت بضع خيال يلزم لحياة ذات متعة أكبر فوافقها على الفور.

يوافقها على كل ما تقول، تكره هي ذلك أحيانًا ولكنه أمر يُعزز غرورها.
كانت تُفكر لماذا طلبه المٌلح المفاجئ أن يتقابلا بل و إصراره أن تنتظره الآن !

سألها: أين شردتِ؟
فقالت: لا شيء أنا معك، فقط تذكرت شيئًا ما.
فقال: هل لي أن أعرف ما هو؟
فقالت: صداقتنا تعود لسنوات بعيدة، أليس كذلك؟
فقال: نعم صحيح. لماذا تذكرين ذلك؟
فقالت: أتذكر في أول شهور تعارفنا أنك قد طلبت مني الارتباط عاطفيًا وقلت لي أنك تحبني.
فقال: نعم صحيح أيضًا، أتذكر ذلك ولكن ذلك ليس سبب مقابلتي لكِ اليوم.
فضحكت وقالت له: لا يوجد على وجه الأرض من يفهمني مثلكَ.
قال لها أن المترو قادم لمحطتها الآن وسألها عن مكان تواجدها ثم عندما رآها أغلقا الهاتف. ذهب إليها وألقى السلام وقال لها مُغازلًا: في كل مرة أراكِ تبدين أجمل، فما سركِ؟
فابتسمت وقالت: ولا أحد يعرف كيف يُرضي غروري ويُضحكني بنفس الوقت مثلكَ.
فضحك بشدة واستغربت منه ذلك فطلب منها أن يذهبا للجلوس بمكان قريب فوافقت.

طوال الطريق وهي تنظر له لتتأكد أنه لا شيء متغير به ولا يوجد أي شيء يلمع بيده ولن يجرؤ أن يُقبل على خطوة كهذه دون تواجدها بجانبه ولكن هل أتى ليطلب مني أنا الزواج أم ليُعلن لي خبر زواجه !
أخشى أن أفقده في الحالتين ! لن أستطيع الزواج منه ولن أستطيع أن أفقده لأخرى !
كان محقًا عندما قال لي ذات يوم أني أعلّقه دائمًا بجانبي بمقدار يسمح له بحرية الارتباط بعلاقات سطحية بعيدًا عن التوغل بحب امرأة أخرى وبمقدار يجعله معلقًا دائمًا برغبته في الفوز بي كزوجة المستقبل. ألقي له بالوعود وأخطف منه فرص التنفيذ فيبقى بجانبي ولا يبقى بجانبي. علاقة معقدة كما قال ولكنها تُرضيه.

وقف أمام أحد المقاهي وقال لها: أعلم أنكِ تُحبين هذا النوع من الأماكن.
جلسا وطلبا شايًا وقهوة ثم شرد عنها فقالت له: هل أتينا إلى هنا لتذهب بعيدًا؟
فقال: ومنذ متى تتركيني أذهب بعيدًا عنكِ؟
قالت: أنت تملك كامل حريتك في ابتعادك عني ولكنها رغبتك أنت في البقاء.
ابتسم وهز رأسه بالموافقة ونظر ليده.
فسألته إن كان مقبلًا على الزواج.
ضحك بشدة وقال لها: أنتِ تعلمين أن هذا المكان بحياتي محجوزًا من قبل وينتظر فقط موافقة جلالتكم.
أخجلها.
فقال لها أن الأمر بعيدًا عن ذلك الموضوع تمامًا ولكنه بنفس الوقت مرتبط به.
فقالت له: لا أحب الحديث بالألغاز تعلم ذلك.
فاعتذر وقال: هل سمعتي من قبل عن مصطلح مفردات الوحدة؟
فردت بالإيجاب وقالت له: هل صرت تؤلف روايات الآن؟ إنه مصطلح أدبي للغاية.
فوافقها الرأي فقالت: لماذا دائمًا توافقني في الرأي؟
فقال: لأنك تمثلين العقل الذي أتمنى أن يُرافقني في رحلة الحياة وتعلمين ذلك ولكن هناك ما لا يعجبني أحيانًا بتفكيرك بالطبع ولكن إن خالفتك فيه قد أبدو لك كمن يُريد حبسك أو تغييرك وأنا لا أريد ذلك.
فقالت بغضب مصطنع: هل أصبحت تقرر بدلًا عني الآن؟ تحسبني لا أملك القدرة على تمييز رغبتك بتغييري أو فقط مجرد اختلافنا في الرأي !
فقال لها: لا ليس كذلك .. ليس موضوعنا هذا الآن على أية حال   .

جئت لأحكي لكِ عن مفردات الوحدة، فهي تُمثل أشياء قد تبدو بسيطة بالنسبة لكِ كقلة اهتمامك بما يجري بحياتي بعيدًا عنك أو عدم رغبتك في اظهار غيرتك وحبك أو مثلًا ابتعادك بالأيام وعدم السماح لي بنفس الفعل وأشياء كهذه تُعزّز شعوري بالوحدة مع علمي التام يوجودكِ بحياتي فتصير وحدتي مفككة لمفردات بسيطة عوضًا عن وحدة كاملة أي أنني لا أملك تمام وحدتي أو تمام وجودكِ يحاتي فأصبح بلا وحدة. تفهمين ما أقصد بالطبع ونظر لها فنظرت بالاتجاه الأخر مع نصف ابتسامة على وجهها.
وقالت: أنت تدري أني لا أملك القدرة على الالتزام ولم يفهم هذا الأمر طوال حياتي غيركَ فلم تريد تغيير ذلك الآن !
فنفى أن هذه هي رغبته وقال لها: أنا طلبت مقابلتك لأني أملك فرصة جيدة للسفر والعيش بالخارج، فرصة للهجرة ولا أريد لوحدتي أن تأتي معي بل أريدكِ أنتِ معي ولنحل معًا مشكلة عدم قدرتك على الالتزام فأفوز بكِ كاملة وأنهي وحدتي كاملة.
 
فاجئها طلبه ولمح هو ذلك عليها فقال: أنا أعلم أن ذلك أمر مفاجئ ولكني لا أملك الكثير من الوقت لترتيب كل أموري ولكن ما يهمني قبل أي شيء هو أن اطمئن أنكِ ستكونين معي ونمحو معًا كُل ما سبق وتكون سنوات صداقتنا هي القاعدة التي يبنى عليها زواجنا الناجح. أنا أحبكِ وأعلم أنكِ تُحبيني أو على الأقل تحبين التواجد معي وأخشى أن يمتد تعريفي لمفردات الوحدة إلى الغربة أيضًا والغربة تكسر البشر، الغربة تُضيّع كل جميل بك. وأنتِ أجمل ما بي وأكثر ما أخشاه من فقد وجودك جانبي هو افتقاد وجودك داخلي.
كانت تتابع كل ما يقول وتتابع حركات وجهه وإيماءات جسده الصادقة فقالت: أنا أحب التواجد معك بالفعل.
أحنى رأسه في انهزام. فابتسمت وقالت: هلا تدعني أكمل ثم تقرر.
فنظر لها بأمل، فأكملت: أحب التواجد معك وأحب أكثر أن أمحو مفرداتتك هذه لأكتب غيرها وأعتقد أنك محق بأن صداقتنا ستكون خير بداية لعلاقة ناجحة. ثم أنني قلت لك مسبقًا لا يوجد من يفهمني مثلك ولكني نسيت اخبارك أنه لا يوجد من يحبك مثلي.
ابتسم كالمنتصر وأمسك بيدها فاحمر وجهها.
فقال: أخيرًا وبعد سنوات أرى هذه الحُمرة على وجهك !
لا تعلمين كم تمنيتها.


ساره عاشور

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2012

Clutter


"فوضى !"
هذا هو كل ما يستطيع أي أحد أن يصف به شقتي، يرونها كما المدن بعد أن يضربها الأعاصير مليئة بأشياء لا تعرف من أين أتت ولكني أعرف من أين أتى كل هذا وأتذّكر كل قصة خلف كل شيء هنا.

-للوهلة الأولى بالمكان لن تُصدق كمية الأشياء الموجودة به، لن تجد وصف أو لن يجد عقلك الكلمة المناسبة لانشغاله بعدد الأشياء الموجودة حوله. سمعت قصتها من زميل لي، قال أنه هناك امرأة ما منزلها مكدّس بأشياء كثيرة بقيت لسنوات تجمعها وتكاد لا تعرف كيف تتحرك داخل شقتها، لم أفهم من أين علم بذلك ولا لماذا لا يملك أي فضول ليعرف ما قصتها فقررت أن أصل لها لأعرف منها حقيقة حكايتها وأكتب عنها بالجريدة.

مثلًا هذه الجرائد، أبي كان دائمًا يواظب على أن يأتي بهذه الجريدة يوميًا عندما ينتهي من عمله نفس الجريدة بلا تغيير رغم زيادة تنوع الجرائد كل عام تقريبًا ولكنه بقى وفيًّا لجريدته ولذلك أحافظ على وفائه هذا بأن أجلب نفس الجريدة يوميًا ولكنني لا ألقي بها بعد ذلك .. أبدًا.
وهناك هذا الذي هناك، نوع من الحلويات كانت أختي الصغيرة تُحبّه ومن بعدها أميرتي الصغيرة، أحتفظ بكل الأغلفة هنا.
وهذه الاسطوانات بجانب الجرامافون، إن كنت تستطيع رؤيته "تبتسم في قلق" إنها كل الاسطوانات التي استطعت جمعها للمطربة المفضلة لدى والدتي.
يوميًا كنا نجلس لنستمع لها بعد العشاء وهذا الجرامافون بالمناسبة كان لوالدتي "نظرة حنين بعينيها".

كل هذه الأشياء حولي لا تعني أي شيء لأي أحد أخر وهذه واحدة فقط من الأشياء الرائعة بها، هي أشياء تعني لي عُمر قد مر وتعبّر لي عن من فقدت وأشتاق .. أشياء تعني لهم "قمامة" ولكنًها تعني لي العالم كله بحلوه وقمامته أيضًا.
ماذا تفعل أنت في حياتك؟ ماذا يفعل أيًا منا في حياته؟
كل ما نفعله هو البحث عن شيء يُكسبك الأمان أو حتى احساس زائف بالأمان سترضى به تمامًا وتنعم بنومٍ هانئ ليلًا وأنت تعلم تمام العلم أنه زائف !
وظيفتك كصحفي تُعطيك أمانٍ ما، صحيح؟

-هززت رأسي بالموافقة.

فأكملت: هكذا كل ما ترى حولك، أنت تتمسك بأمانك في شيء تفعله وأنا أماني في كل هذه الأشياء التي أستطيع لمسها كل دقيقة من كل يوم وأتذّكر كل المواقف حولها بل وأعيشها كل يوم معها.
طفولتي في بيت عائلتي، مراهقتي مع اخوتي وحتى النمطية في حُب ابن الجيران، ولكن عاداتهم الصغيرة تلك المتمثلة في جريدة أبي واسطوانات أمي وحلويات أختي تلك هي العادات التي تمسّكت بالحفاظ عليها حيّة دونهم.
كل مرة تأتي ابنتي إلى المنزل إن أتت بالأساس، لا تستطيع فهم ذلك وتراها ككل العالم مجرد فوضى أو فقط أنني لا أملك القدرة الطبيعية على التخلص من الأشياء أو أنني أملك وسواس مرضي يجعلني أتسوق ولا أتخلص من شيء بعد ذلك.

-أنظر لها ببضع شفقة وهي تتجول بين الأشياء كالمجاذيب.

أكملت: هناك بالطبع أشياء أخرى هنا تخصني أنا وتخص ما أشتهي ولا أستطيع التخلص منها، كومة الكتب تلك أو هذه الفساتين هناك أو ..
وراحت تتجول محاولة عدم التعثر ثم أمسكت بشيء لم يكن له مثيل حوله.
وهذا الهاتف هنا هذا إنه ليس فوضى ولكنه لا يرن !
لدّي هاتف لا يرن، هل لديك هاتف لا يرن؟

-جاوبتها بالنفي واستعلمت عن الأمر، ابتلعت مرارتها ونظرت للسماعة بيدها في حزن شديد.

قالت: إنه يعمل، أعني أنا أدفع فاتورة خدمته كل شهر في موعدها تمامًا ولكن لا أحد يهاتفني .. لا أحد أبدًا.
حتى ابنتي أميرتي الصغيرة، أظنها لا تدري أني لدي الهاتف ولم تشغل نفسها أن تسأل، فأنا والدتها المجنونة صاحبة الفوضى !
كل هذه الأشياء القيّمة حولي وكل هذه الذكريات والأشياء التي تبدو متشابهة جدًا ولدّي هاتف لا يرن ..

-طلبت منها رقم الهاتف فتفاجئت من طلبي وأعادت السؤال لتتأكد أني أعني ما طلبت فأكدت الطلب مرة أخرى وعقدت العزم على أن أهاتفها يوميًا أو على الأقل كلما استطعت.

أعطتني الرقم وهي غير مصدقة ثم أنهيت مقابلتي معها.

ذهبت للجريدة لأكتب مقالتي عنها.
اخترت الصورة المناسبة والعنوان المرادف لحالتها بالانجليزية "Clutter" وهي تعني تكديس الأشياء حولك وعدم القدرة على التخلص منها أو كما نقولها بالعاميّة "كراكيب" ولكنها نوع مختلف فهي أشياء تحمل لها قيمة عاطفية كبيرة ليس "استرخاص" أو التحجج بأنها قد تحتاج إليها فلا تُلقيها .. هي حكاياتها التي لا يُمكنها أن تُلقي بها وعليها أن تُعيد سردها لنفسها يوميًا، تنزل لتشتري جريدة أبيها ثم تتمشى قليلًا بشوارع المدينة حتى تصل لمحل الاسطوانات تشتري اسطوانة لنفس المطربة قد تكون تملك منها ألاف النسخ في المنزل ولكن ذلك ليس المهم فالمهم هو كيف ستحكي لنفسها على شيء قديم لديها سبق وأن جلست وقالت نفس القصة وهو بيدها !
الأشياء حولها تحفظ قصصها لذلك كل يوم تأتي بشيء جديد حتى تكون القصة له جديدة وكأنها أول مرة يهتم أحدهم بما يكفي ليجلس معه فيحكي له حكاية والدته التي كانت تُحب صوت تلك المطربة حتى الثمالة وأنها كبّرت وهي تملك نفس السعادة التي كانت تغمر والدتها وهي تستمع لها وتُغني عند نفس المقاطع التي كان يعلو صوت والدتها بها، وتأتي بالحلوى لتأكلها أو تُبقيها كما هي فليس ذلك المهم، المهم أنها ستحكي لها عن أختها التي كانت تعشق ذلك النوع وتشتريه بشكل يومي والسعادة التي كانت تملئها وهي تلتهمها ثم نقلت نفس العادة لابنتها والآن لا تهتم ابنتها بذلك وتعتذر يوميًا للحلوى عن عدم اهتمام ابنتها فهي تنسى ما كانت تهتم به الأمس كوالدتها مثلًا، فهي تقول للحلوى لا بأس نحن متشابهتان.
حالة فريدة لم أقابل مثلها من قبل ولذلك أثارت فضولي لأكتب عنها وأعلم العالم أنه مازال هناك من يملك ذلك الوفاء تجاه من فقد وقد يكون لا يملك أي شيء حوله يُعطيه الاحساس بالأمان لذلك عقد العزم وصمّم بل ونفذّ بإخلاص خطته لجلب الأمان لنفسه والتحكم به فهي لا تُفكر أنها قد تصحو يومًا ما ولا تجد محل الاسطوانات هذا ولا تُفكر ماذا ستفعل إن لم توقفت تلك الجريدة عن الطبع، لديها العديد والعديد منهم فقط ستُأقلم نفسها ويموها وقصصها على ما تملكه الآن أو ربما تُقرر أن تُشفى كُليًا من حالة الحنين الأزلية تلك وتبدأ في نسج قصص جديدة قصص تكون خاصة بها مع أشياء جديدة تخصها هي لتخطو للعالم وتترك لابنتها ما يجعلها تَفِي لذكراها .. لا أملك سوى ربما تجاه فراداتها.

لم تُصدق نفسها عندما رنّ الهاتف، جريت نحوه بأقسى سرعة حتى أنها أوقعت بضع أشياء في طريقها ولكنها لم تهتم بها. اهتمت فقط بأن الهاتف له "حرارة" سينبعث منه صوت تستطيع أن تُحاكيه وتَحكي له ما تكدّس داخلها لسنوات وتشكي له الاهمال وتعطيه الأمل وتُعلّمه معنى الوفاء.

لديها الآن هاتف يرنّ ..


ساره عاشور

الأحد، 16 ديسمبر 2012

مذكراتٍ ما

من صفحات مذكراتها:

* اليوم وبعد يوم طويل من المشي بشوارع القاهرة وصلت لكوبري قصر النيل، لسببٍ ما أحبه.
أقف أتأمل أسوده الواقفة بشموخ وتأهب وكأنها تنتظر فقط الاشارة حتى تفتك بالأعداء، مشيت لمنتصفه تقريبًا ولم يكن يوم شديد الزحام، ثم وقفت وأعطيت وجهي تجاه مياه النيل وتسلقت أولى درجات سوره حتى أعلو فوق الكتلة الحديدية تلك وأرى منظر أوسع للنيل، وأغمضت عيني وتذّكرت فورًا مشهد تيتانك الشهير فحاولت موزانة نفسي وأنا أرفع ذراعيَّ بجانبي ونجحت أخيرًا ورجعت برأسي قليلًا للوراء وحاولت استنشاق أكبر كمية ممكنة من الهواء برائحة النيل، لم أعر اهتمامًا لأي من الناس حولي ولا الأفكار التي حتمًا كانت ممتلئة بمدى جنوني وأعتقد أن بضعًا منهم قد ظنوني سألقي بنفسي، هذه إحدى المساوئ لوجود البشر في العالم من حولك أصلًا، كل من ضاق بالعالم قليلًا خرج متذرعًا بكل لحظة سيئة قابلته في حياته ثم جمعهم وصنع منها فيلمًا وبات يكرره برأسه حتى عندما يقتنع تمامًا يكون هنا بنفس المكان، منتصف كوبري قصر النيل.
ولكن أنا أبحث عن هواء جديد ومنعش وغير ملوث بالبشر أتي مباشرة من النيل، وهم يأتون ليودعوا أخر أنفاسهم به، تُرى هل يمتلئ الهواء بأخر أنفاسهم؟ هل مر داخلي واحدًا أو اثنان الآن؟ هل بت مُعرضة للانتحار؟
أتحدث وكأنه مرض فيروسي سألتقطه من الهواء ! الهواء هنا فعلًا يجعل شيئًا بك يجنْ ..

* الآن أنا بمنزلي أكتب بمذكراتي كل ما فعلت والأفكار التي أتذكر أنها مرت برأسي، عليَّ أن أضعها في مكانٍ ما وإلا أضعتها.
أصبح لدي وسواس يومي يحمل عنوان "إن ضاع الدفتر فأنتِ بورطة" ويعرض برأسي يوميًا طوال اليوم تمامًا كما أفلام الانتحار تلك ولكن الفرق هنا أن عليَّ يوميًا أن أغير من مكانه وبالطبع ضاقت الأماكن حولي.
لم أعتقد أن هذا الشعور يُصبح ممكنًا، أن تألف المكان حولك وتتعرف على كل شق صغير به فتتغير نظرتك الكاملة للغرفة فتحسها أضيق فقط لأنك أصبحت ترى كل كبيرة وصغيرة بها ولم يصبح هناك الكثير من الأماكن المخفية عنك التي لا تعلمها.

* ورطتي بالدفتر هذا هي كل حديثي عن زوجي، كل ما لا أقوله له أكتبه هنا وبعد أعوام معه أعتقد أنه سيُصدم جدًا من أرائي به وبكلماته وتصرفاته وملابسه وطريقة أكله وطريقة معاملته لي. بعد كل هذا لما أحبه !

* يظن بأنني تافهة ! فقط لأني أقضي وقتًا طويلًا بمعزل عن العالم مع نفسي وإن كان لدي أنا -وأنا بكامل قواي العقلية- ولدي هو فماذا سأحتاج غير ذلك ! البشر ملوثون ويلوثون كل من حولهم لديهم تلك العادة السيئة أن عليهم جعل كل من حولهم يُشبههم في شيئًا ما فإن كانوا فرحين الكل يجب أن يصل معهم لنفس موجة الفرح وإن كانوا مكسورين بالحزن فعلى كل الأمواج حولهم أن تنكسر، يقضون حياتهم يبحثون عن من يحبهم كما هم وعندما يجدونه يقضون ما تبقى من عمرهم في تغييره، مجانين أليس كذلك ؟!
فلماذا أبحث عن مخالطتهم وأسعى لذلك وأحزن على فراقهم !
ويظن بأنني لا أفهمه لأني لا أُحدثه بما أفهمه عنه، ولكن ماذا عن بقائي معه طول ذلك الوقت ألا يشي مثلًا بأنني متمسكة بما لدينا. تخلصت من كل روابط لي بأي حياة قضيتها في وقتٍ ما مع غيره وتمسكت به هو حتى وهو ينظر لي تلك النظرة التي أكرهها، النظرة التي تشوش أفكاري تمامًا. لا أعلم لماذا يفعلها وهو يعلم أني أكرهها !


* هذا الدفتر يحوي كل ما لا يفهمه لذا عليَّ اخفاؤه جيدًا حتى بعد ضيق المكان. يُمكنني أن أطلب منه البحث عن شقة جديدة ..
هذه فكرة جيدة وتحمل تغيير نحتاجه أيضًا لننشغل بما سنضعه بالغرف وبأي لون سندهن الحوائط، أه أشتاق لهذه الأيام عندما كان أقصى قرار جدي عليَّ اتخاذه هو لون دهان الحائط !

*يوم جديد الآن، أستطيع سماع العصافير تشدو خارج النافذة ولكن الضوء الشديد يمنعنني من الخروج لمراقبتهم ومراقبة عاداتهم وربما محاولة معرفة عددهم، يالله هل حاولت فعل ذلك من قبل؟ إنهم متشابهون للغاية أو هل أتصور ذلك؟ هل نبدو متشابهون هكذا لهم؟ أو لمن يُراقبنا من الخارج مثل الفضاء مثلًا، هل يراقبنا أحد من الفضاء؟ أم هي مجرد خيالات البشر وجنون عظمتهم بأنفسهم الذي يُصور لهم دائمًا أنه هناك شعوب مُتقدمة للغاية بمكانٍ ما على كوكبٍ ما ورغم تقدم تلك الشعوب الهائل عنا إلا أنها تترك كل ما بيدها لتأتي لتدرسنا ! مجرد هراء حقيقةً، مجرد بحث عن ارضاء ذواتهم الفارغة تلك ولربما لهذا يبدو البشر من أعلى متشابهون جدًا !

*اللعنة .. سقطت بضع قطرات من النسكافيه فوق الدفتر، عليَّ البحث عن مكان أخر أكتب به غير البانيو ولكن للأسف أعتبره أهدى مكان بالعالم .. المهم أن تلك القطرات صنعت شكلًا جديدًا حول الكلمات، اممم إنه أمر مذهل، هل حاولت من قبل الكتابة بالحبر الأسود فوق قطرة نسكافيه موجودة على ورقة بيضاء؟ إنه أمر مُسلٍ جدًا يختلط الحبر بالنسكافيه ثم يجف في أشكال سريالية جميلة.

*محاولات جديدة لرسم أشكال بالحبر والنسكافيه ..

*ربما كان على حق وكنت فعلًا تافهة !!

*لماذا عليه معاملتي وكأنني طفلة صغيرة ! ليس بتدليله إياي ولكن بمعاقبتي على كل ما يصدر مني ولا يحوز إعجابه ! لست بالخامسة إن لم يكن قد لمح ذلك .. ههههه أتصوره الآن متزوج من طفلة بالخامسة ياه ستعاقبه شديد العقاب وستعلمه هي كيف تكون المعاملة ..
لماذا لا أستطيع فعل ذلك أنا الأخرى؟ لما لا أعاقبه عن فعل لا يعجبني منه ! لماذا يكبحني حُبي له عن ذلك بينما حُبه لي لا يفعل المثل، هل حُبي له أكبر؟

*كلما كتبت كلما أحسست بابتعادي عنه خطوة للوراء أتخذها مع كل سطر، أفكر عليَّ أن أبوح له بكل ذلك مرة واحدة ثم أتخيلني أجري نحو ذراعيه مندفعة لأغوص بداخل حضنه وهكذا تنتهي كل المشاكل، العالم أسهل داخل عقلي ..

*الوقوف بالمطبخ وجمع المكونات معًا حتى تصل لشيء شهي تأكله بالنهاية مع من تُحب وترى علامات اعجابه به على وجهه هو أمر يملئك بالفخر والرضا بالنسبة لي على الأقل ولكنه يُصر على أخذ تلك السعادة مني بتعيينه لخادمة !
كل يومين عليَّ افتعال مشكلة جديدة وايقاف مورد رزق لعائلة جديدة لأنه لا يفهم سعادتي بالوقوف بالمطبخ !
أظنه ملوث كباقي البشر !

*لا يهتم فلا أهتم، لم أعد أهتم بالأحرى .. تسرب منا الاهتمام في مرحلة ما من الابتعاد ولكن عليك الجزم بأن دوائر الحبر بالنسكافيه تلك سريالية كما الحياة، تحاول خلط شيئان لا يختلطان وعندما تعلم أنهما لن يختلطا فتبدأ في محاولة توفيقهما والرسم بهما فسيبدوان جميلان معًا وتبدأ بالمحاولة ثم عندما تلمح أنك بدأت في الوصول لخط جميل بينهما بالفعل يبدأن بالتجمد سويًا في تلك النقطة السابقة مباشرة للجمال .. سريالية غير مفهومة ..


ساره عاشور

الجمعة، 7 ديسمبر 2012

زيف (جزء ثان)


الجزء الأول 

لا يلومني أحد منهم على إفاقتهم من ذلك الوهم بالطبع هي خدمة العمر لهم، تردد على نفسها وهي تتجول بنظرها باحثة عن القطعة التي لا تتماشى مع كامل المشهد حتى وجدتها، يوم جديد .. ضحية جديدة، فلنبدأ ..

بدأت بالنظرات المتقطعة نحوه، تنظر له لثوان صغيرة كفيلة بجذب انتباه مثله وحين تبدأ عينه في التحول تجاهها تذهب بنظرها للاتجاه المعاكس هكذا مرة واثنان وثلاث حتى تضمن تعلق نظره بها وحين يفعل تبدأ في إطالة مدة نظرتها له وتقلل من تلفتها عكسه. يبتسم فتنظر على الفور للمائدة أمامها فيرتبك ويظن أنه اخطأ يُعلق نظره بها للحظات بحثًا عن تلك الاشارة أن استمر وعندما يبدأ الأمل في التسرب منه تشد على أخر طرفه لتُرجعه له فيبتسم ابتسامة أوسع معناها أنه وقع !
والباقي مجرد حكايات عابرة في قصص عديدة ربما مررت أنت بها في عدة روايات، تلك الجميلة التي يقع بغرامها الشخص الفقير ليظن أنه أخيرًا قد طرق الحظ بابه وأتى ليبقى ليصطبح على مُر حقيقته أن الحظ فقط أتى ليبيت بحضنه ليلة ينعم بدفئه ثم سيكمل طريقه بحثًا عن صاحبه. هكذا هي الروايات.
أما نًسختها هي، تدخل لحياتك هي بكامل بهائها واختلافها عنك لتقلبك رأسًا على عقب تبحث عن نشوة انتصار أنك ستتملكها لتصطبح على حقيقة رحيلها عنك بعد أن جردتك من شبكة أمانك المتمثلة في البحث عن الحب والنصف الأخر ستتركك فقط عندما تعلم أنك وصلت لتلك النقطة التي عندها عندما تُصبح بدونها ستكفر بالحب كله.

أنا لم أكفر بالحب بعد ولم أكفر بها، لا تدري بأني قد انتصرت عليها لا أضحك على نفسي ولكني بالفعل نجحت في أن أتلاعب بتلك المتلاعبة الماهرة جعلتها تظن أني قد وصلت لتلك النقطة حتى تتوقف تلك الأفعى العاصرة عن اعتصار أخر قطرات الحب بي فهكذا بقى معى بضع قطرات ولحظي السعيد قطرات تحمل اسمها لذا فأنا أتحاشاها ونعم مجددًا أنا لا أضحك عليا أنا بالفعل متيم بها ولكني أيضًا أجعلها تتلاشي فخطتي تنجح وخرائطي ذات مفعول سحري رائع إن لم يكن فقط في نقطة ضعفي تلك، الرسائل التي اعتدت ارسالها لها لأُشعرها أن هناك قطرات تحمل اسمها داخلي تأبى الرحيل لربما تملك هي مثلها يحمل اسمى فنجمعهما معًا ونُكمل حياتنا، مرت ساعة دون أن أتذكرها، ألم أقل لك لم أضحك على نفسي؟!

عندما بدأت في نصب الفخ الجديد وإيقاع الضحية الجديدة بها، الرسائل المتلهفة التي تقطر اهتمام والمحادثات التي تنتهي بتنهيدة حارة "أنني أرغب أن أقول أني أحبك رغم ذلك الوقت القصير الذي عرفتك به ولكني سأبقيها داخلي ريثما تعترف بها أنت" فيُصدقها المرة بعد المرة حتى يكون هو على شفا اعتراف وتكون هي قد بدأت في حزم حقائبها عنه.
أصعب ما تمر به هي هو تلك الفترة الأولى بعد الانتهاء، البدايات أحيانًا صعبة ولكن الانتهاء وتنظيف ممرات حياتك من أشياء تراكمت منهم وعادات كنت تصاحبها لأجلهم أمر صعب للغاية فهي تكاد تُجزم أن هناك عادة أو اثنتان متربصتان بها في مكان ما داخلها ستظهران لها فجأة لتهدم جدار أمنها الزائف ذلك.

ترتيب نفسها بعدهم تعتبره هي أمرٌ جلل يمنعها التفكير فيما خلفت خلفها لديهم، فلتنشغل بما لديها الآن تلك الأشياء التي وجب التخلص منها هنا وهناك وتلك التفاصيل التي يجب أن تهتم بها لتُصبح هي نفسها دون من يتشبث بها لتُريه العالم المُشبع بالألوان كيف يعمل؟
تُصاحب كتاب جديد أو تُعاود الاستماع للأغاني التي تضمن لها العودة لنفسها وتتلافى التعثر بأي شيء يخص أيًا منهم حولها وبالأخص الرسائل، تذهب للمرآة لتنظر لوجهها هل عاد رونقه أم لا؟
ثم تطرف عينها مرة أخرى تجاه الرسائل، هل تأتي الآن للمرآة فقط لتنظر لتلك الرسائل ثم كيف ستتخلص من وجودهم المزعج حولها إن لم تقترب منهم فكيف ستتصنع تجاهل شيء يصرخ بك معلنًا إقامته ولن تملك أنت أن تحذفه عنك !
عليها أن تتخلص منها ولكن لأُعيد وضع زينتي أولًا حتى لا أتعامل مع تمرد كذلك دون وجود دفاعاتي، أحمر الشفاه ذي اللون الدامي والخدود المتوردة وإن كانت مُزيفة، هل أنا حقًا مُزيفة؟ إن كنت فكيف لك هؤلاء أن يقعوا بهواي إذن !
ولكنهم لم يقعوا بهواي هم وقعوا بهوى تلك الصورة التي أرسمها لهم إذن هو زيف !

تضع الكحل غير المضاد للماء وتحاول طرد تلك الأفكار مجددًا يكفى التمرد ثم تغمض عينها تستجمع قواها وتزفر الأفكار الشريرة تلك وتنظر للرسائل في المرآة ثم تلتفت لتواجههم أخيرًا ستواجههم، تتردد في الذهاب تجاههم ولكن تُقرر أنها أقوى من ذلك الآن بها خلاصة تجارب أرواح عديدة مرت بها من المؤكد أنها ستمنحها قوة ما لمواجهتها.
خطوة خطوة باتت أمام الرسائل الآن وجهًا لوجه أو فلنقل وجهًا لورقة ..

لا أنتظر منها أي رد على تلك الرسائل لا أطلب منها ذلك ولا أدري ما يتملكني بالأساس ليجعلني أكتب لها مواجعي وأضع كل ما بي على ورقة ثم أرسلها لها .. غباء هو ممكن أو فلنقل جزء من حُبي لها أن أضعني بكل ما أمر به وكل ما يُمثلني بين يديها، من يُحب يفعل أكثر من ذلك أليس كذلك؟
لا أستطع أن أترك أي مصادفة صغيرة تجمع بيني وبينها في مكان ما ولكني أقدم لها كل ما هو أنا لتقذفه بسلة المهملات، هل تفعل ذلك يا تُرى أم تقرأني؟
هل بكت من أجلي ولكن إن فعلت لما لم ترد على أيًا منها ولما لم أصادفها وهي تعلم بخرائطي كما أعلم بخرائطها ولكن هل تتذكرني؟

أمسكت بها لقرأتها وهي تتظاهر بأنها فقط رغبة منها في الاطلاع على ما يكتبه ولماذا يستمر في الكتابة لها !
بدأت تقرأ ومع كل سطر تشعر بكل ذنوبها تطفو على السطح ثم بدأت عيونها في الامتلاء فتركت الورقة من يدها ووضعت يدها علي عينها لتُذكر نفسها أن الكحل غير مضاد للماء لا يمكنك أن تبكي الآن وعندما تتماسك قليلًا يدفعها فضولها مجددًا لتُمسك بالأوراق وهي تستغرب ما تلبسها في هذه اللحظات باتت ضعيفة مثلهن !
ثم تمسكت بالورقة وكأنها ستنقذها من الغرق داخلها وبدأت تقرأ وتقرأ ودموعها تنزل بحرارة صادقة على وجهها، وتُنهنه على فقدانه وتبكي ولا تتذكر كحل عينيها وتقرأ رسالة ثم أخرى حتى انتهت من الجميع وقد فقدت ذاكرت زفراتها وفقد ذاكرة التماسك وفقط تبعثرت. تبكيه وتنكسر.

وتتذكر باتت تتذكره ولا تتذكر الكحل الغير مضاد للماء وتتذكر ابتساماته ولا تنتبه أنها تبكي للمرة الأولي منذ من يدري كم من الوقت الآن وتتذكر كلماته الحانية ولا تستمع للدوى الهائل داخل قلبها الآن لانكسار غلافه الجليدي الذي احاطته به طوال أعوام. وتتذكره ولا تُنكره ولا تُنكر ضعف أنوثتها ولا تتظاهر بقوة الرجال ولا تحاول الخروج من القالب أو الوقوع في أخر ولا تتذكر سوى أنها جالسة الآن بأرض غرفتها وسط رسائله وكلماته ووسط نفسه التي تخرج تمردًا من الورق ولكنها لا تتذكر كيف تُحدثه وماذا ستقول وهل سيصدقها ويُصدق انكسارها ويسمع ذلك الدوى داخلها هل وهل وهل وما لبثت أن طفت أسئلتها لسطح وجهها مُعلنة ارتباكها الكامل أمام صدقه وخذلانها المفزع لنفسها حين بدأت في تصديق أنها مُضادة لتلك الأفكار الباحثة عن النصف الأخر أو ربما من كثرة ما تشبعت بها منهم باتت تُشبههم الآن وعليها أن تبحث عنه لتُعلن أنها المتلاعبة تذوقت احساس الفريسة وأصبحت أسيرة بشباك فخها وتُقدم نفسها له هو الأصدق والأطهر وهو قطعة البازل التي ستُكمل مشاهد حياتها الألف القادمة بألوان مُشبعة بِالقدم.


ساره عاشور