الأربعاء، 20 مارس 2013

دقيقة



لا يبقى معك بعد الخذلان سوى الوحدة وبضع قضمات من ذاكرة مهترئة، لم نفترق حقًا بالمعنى المتداول للكلمة أو ربما نحن افترقنا في تعريفه هو لما حدث ولكن في تعريفي أنا فهو قد سافر وتاه مني في زحام الغربة ولذلك أتمسك بأخر خيط قد يُعيده لي، اُسمعه يوميًا صوتي وحكايات يومي ربما يكون لصوتي عليه فعل النداهة فيجذبه لي وننتهي من التعريفات المختلطة تلك.


في البداية كنت أشعر أن الأمر قد أصبح شبه روتيني بيننا، معتاد بالنسبة إليَّ أن أتصل به لأفرغ كل ما في جُعبتي ويتحملني هو ويبتلع يومي داخله فأعود طبيعية ونبقى متحابين يداوي أحدنا الأخر حتى قرر أن يُسافر لا لسبب جديد غير المعتاد "المال" حاولت كثيرًا إثنائه خشيت فقده وافتقاده فلم نعتاد ألا يجد أحدنا الأخر أمامه في اللحظات المهمة من حياتنا ولكن بعد السفر سيبقى بيننا ذلك الحاجز الكبير الذي سيمنعني من احتضان صوته برحابة لأن المسافة قد اتسعت حجم الكرة الأرضية كلها فلا أتمكن من محادثته ليلًا لأطلب منه بجنوني المعتاد أن نتقابل الآن وننفذ بالفعل ولكن بعد السفر سيوضع حد لذلك فبيننا مسافات تمنعني من لمس يده وقت احتياجي للأمان. ثم كانت المشكلة الأولى التي تواجهني بعد سفره هو قصر المدة المتاحة لي لأقص عليه يومي فكيف سأنهي أحداث 24 ساعة في دقيقة !

سافر ولم أجد له سبيل فلا هو يتصل بي ولا هو يرد على مكالماتي فأصبحت في مواجهة شرسة مع البريد الصوتي الذي لا يمنحني سوى دقيقة لأوصل للبعيد رسالة تحمل كلمات قدر المسافة بيننا فارتبكت بين أهمية ما يُقال وما أبقيه داخلي ليوم أخر لا يوجد به ما يُقال.

"الأول ازيك؟

مش عارفة أنت مش بترد ليه ولا روحت فين أو إيه حصلك بس ..

-تتنهد-

عاوزة أتطمن عليك ومش عارفة ألاقي حد أحكيه له وأسمع منه مش عارفة أتكلم وكأنك سافرت وأخدت صوتي معاك وكأني مش أنا من غيرك مش عارفة خايفة عليك كتير وأكتر لأني مش عارفة أوصلك.

–تُغالب دموعها لتستطيع الاكمال-

النهاردة فيه حاجات كتير حصلت معايا وفيه ناس كتير قابلتهم كان فيه واحد حابب يتعرف عليا وشجعه أكتر إن مفيش دبلة في إيدي، أنا يمكن كسرني إن حد يتشجع إنه يفكر أصلًا يكلمني في حاجة كده بس واسيت نفسي بأنهم أوقات مش بيرجعهم وجود الدبلة أصلًا.
طب مش هتقولي أنت فين؟ أنا مش عارفة حاجات كتير من غيرك أنا تايهة وكنت عاوزاك ...."

قاطعتها الحرارة التي سكنت وصوت يُعلن لها أن وقتها المتاح قد انتهى، دقيقة هي كل ما تملك لتقول له كل ما تُريد وهي لا تُريد ازعاجه برسائل كثيرة لذا ستكتفي برسالة يومية وتُقنع نفسها أنها ستتدرب مع الوقت للتأقلم مع الدقيقة لتقول كل ما تُريد دون أن تُبتر كلماتها وأبقت أسئلتها الكثيرة عنه ولماذا لا يُحدثها هو أو لا يتلقى مكالماتها لذا تتأقلم ذاتيًا مع الدقيقة وتكتفي بها حتى تطمئن نفسيًا أن هناك ما يربطها به وهو البعيد بأميال والمُحتل روحها.

"أنت مش متخيل قد ايه صعب إني أحكي لك كل حاجة في دقيقة ! متخيل الدقيقة دي متكفيش إزاي !

طب متخيلني !

فاكرني؟!

النهاردة بقى ماما سألتني عليك وإنت ليه مش بتتكلم ولا تسأل هو احنا كده خلاص ولا ايه؟

أنا معرفتش أرد
–تئن وتكتمها بتنهيدة وكأنها تتمسك بأنفاسها كي لا تهرب-
بس عمومًا كان يومي كويس النهاردة ومحدش ضايقني ..

-بعد صمت لثوان-

غيرك ..

الدقيقة دي بقت أصعب حاجة بتمر عليا في يومي ومش عارفة إنت بتسمع كل ده ولا لا

طب بياخد منك دقيقة بردو؟ بتقدر تفك تفاصيل كلامي والدواير اللي بتكلم فيها في دقيقة زي مانا ملخومة في دقيقة !

مبقتش باخد من وقتك وأزحمك بأكتر من دقيقة وياريتني عارفة هي ..."


تُقاطعها الصفارة اللعينة مرة أخرى أو مرة عاشرة لا تتذكر ولكنها حتمًا باتت تكرهها حد أنها ترن بأذنها طوال دقائق اليوم الأخرى فباتت كل دقائقها تُرتب بصوت الصفارة وعليها أن تنظم حديثها مع الجميع ليُلائم حديث الدقيقة المعلب.

"فيه حتة في قلبي اتقطمت معاك !

عارف إنك غيرتني طبعًا وللأحسن وكنت دايمًا السبب إني أحاول أكون أفضل نسخة مني بالظبط زي تحديثات البرامج في الكمبيوتر بتاعك وفي كل تغيير كنت بحس إني بتبري زي القلم الرصاص بس دلوقت سني اتقطم !

-تصمت لثوان ثم تكمل-

مش هحكيلك يومي أو هقاوم إني محكيش لأني عاوزة أسمع .. مفتقدة صوتك وإنت عارف إني بحب صوتك وأول مرة أعرف إنك قاسي كده والأوحش إنه معايا أنا !

متوقعتش مش هكدب وأقول اللي بيتقال في المواقف دي وإنك تتوقع أي حاجة من أي حد ده بس كلام فيه ناس بتبقى عارفها زي كف إيدك لو تتوقع إنك تصحى تلاقيك ب 6 صوابع ممكن تتوقع منهم القسوة والهجر أو يمكن أنا كنت عبيطة إني متوقعتش، تفتكر؟ "

وللمرة الأولى أغلقت هي الهاتف دون الصفارة.

قررت بعد هذه الرسالة أن تمتلك زمام صبرها لأيام ولا تُحدّثه فباتت تُمسك بالهاتف لتضغط أزرار تجمع لها أرقام هاتفه ثم تبقى تنظر لها ولا تتصل لم تفقد الكلمات اللازمة لترك رسالة ولكنها فقدت الحماسة أو الدافع اللازم لذلك، زاد ارتباكها لعدم فهمها ما يجري معه وما كان يؤرقها هو نسيانها الابتسام ليس أنها لا تريد أن تبتسم ولكن نسيانها لكيفية مساعدة عضلات الوجه كي ترتفع قليلًا لتُشكل ذلك القوس.
والآن هل كان هو ما يُساعدها في ذلك أيضًا؟
وماذا فقدت غير ذلك معه؟

"مقدرتش مكلمكش أكتر من كده ومكنش عندي صبر إني أستنى إنك تكلمني، بداري على نفسي إنك مش هتتصل أصلًا فبلاحق أنا وأكلمك عشان ميبقاش فيه فرصة إنك تخذلني لما ماتتصلش هيبقى إني اتصلت بس المشكلة في إنك مش بتتصل ومش بسمع صوتك ومش عارفة إنت عرفت كل الكلام ده ولا لا أنا لسه مستنياك رغم إن صبري بدأ يهرب يمكن بيهرب لك هو كمان بس المهم إنه معادش معايا بردو زيك بالظبط.

اللي واجعني قوي دلوقت إني قربت ماشبّهش الحاجات بيك."

والآن قد اعتادت ألا تنتظر لنهاية الدقيقة اللعينة فما لديها لتقول بات أقل، ما لديها لتحكيه بات يندثر ويُزاحمه وجعٌ لا يُحكي عنه لأحد ولا حتى له أو بالأساس لا يجب أن يُحكي له هذا النوع من الوجع لأن درجة الضعف تلك إن بُحت بها لمن أضعفك هكذا ستنكسر سيصير كلامك هو الضغطة الأخيرة التي ستحيلك لأشلاء لن تستطيع جمعها سوى بعد فترة كبيرة من الترميم الداخلي قبل الخارجي كي يتلائمان ويرتفع القوس على فمك مرة أخرى دون مساعدة من أحد لتتحكم أنت به.

لكن في أوقات يكون الانكسار ذو فائدة أكبر مما نعي في حينها، فلكي تتم شفائك وتستعيد زمام أمورك بيدك عليك أن تنكسر لتستخلص أجزائهم بعيدًا عنك.

في مرحلة ما من البُعد وجدت قوتها دونه، وجدت أنها يمكنها أن تُطيب جراحها بنفسها وتحتفظ بيومها وذكرياتها في صندوقها الخاص دون اهدارها في حكي فارغ ويجب عليها أيضًا أن تختصره وتضغطه ليُعلب في دقيقة لا تعني أي شيء لأنها مُلئت بفواصل من حديث طويل لم يُحكى.


"النهاردة قربت كتير من إني أكون نفسي وقل الوقت اللي بسأل فيه عنك أو اللي حد بيسألني عنك فيه، أظن إنه بقى ظاهر عليا إن اشتياقي ليك بيروح مني وياريت يكون بيروح لك هو كمان عشان تقّدر وجع الدقيقة وزحمة الكلام فيها.

مش عاوزة صوتك تخيل؟

مش عاوزة أعرف أنت بتعمل ايه دلوقت وبتسمع ولا لا متصور ازاي لهفتي بتبهت مني؟

وجعك كان جامد على قماشة قلبي فبقت بتتنسل وتتقطع كل يوم كل ما تزيد قسوتك، قولتلك إن الحاجات اللي إنت مالكها فيا بتروح مني وإنت لو كنت بتسمع كنت هتصدق أنت عارف صوتي أكيد هتصدق.

مش سلام لأني مش هشوفك ولا هكلمك تاني .. موعدكش بس هحاول."


وانتظرت كي تأتيها الصفارة كي يكون أخر حديثها له صمتٌ مزدحم بما لا يجب أن يُقال بعد الآن.

 تخيل أن تمتلك زمام حياتك وتتراجع عن ضعفك بسبب دقيقة !


ساره عاشور

الأحد، 24 فبراير 2013

فراغ



استقبلت عيونها ضوء الصباح الآتي من النافذة بثقل فهذا هو يوم اجازتها وليس عليها الاستيقاظ مبكرًا ككل يوم فحاولت أن تتجاهله وتعود لنومها ولكن شيئًا فشيئًا تسلل الضوء لعقلها ليُعلن له أن عليه الاستيقاظ فاستسلمت للأمر بالنهاية وأفاقت، أول ما بحثت عنه بالغرفة حين فتحت عيناها كان زوجها لم تجده بجانبها فظنته يجلس ليدخن كعادته بجانب النافذة ولكنه لم يكن هناك وحين جالت عينياها بالغرفة لمحت حقيبة سفر سوداء تقبع بجانب الباب كالفأل السيئ معلنة أن هذا اليوم لن يمر على خير.
لملمت نفسها ونهضت ثم ذهبت تجاه المطبخ وفتحت الثلاجة ووقفت تحدق بها لأنها نست لما هي هنا؟
هل عليها تفقّد أن الاضاءة تعمل !
حركت الباب بيدها لينطفئ الضوء ثم يعود مرة أخرى مع فتح الباب فقررت أنها حتمًا أدّت مهمتها بنجاح وأغلقت الباب ويدها لا تزال معلقة بمقبضه وجبهتها محنية تستند للباب وكأنها تستجدي الحياة أن تبقى بها. وتمتمت بأشياء وعيناها مغمضة ثم تنهدّت وقررت أن تذهب للمواجهة المحتومة، وفكرت ما عليها أن تقول أو تفعل ولكن كل الأفكار التي كانت تُبقيها مستيقظة قد قررت أن تخذلها وتهرب الآن فهي ممن يهربون منك حين تحتاجهم ويبقون نصب عينيك حين لا تريدهم.

مشت بخطوات مُتثاقلة كمن يذهب لتنفيذ حكم الإعدام، أكتاف متساقطة ورأس لا يُرفع وأعين زائغة وأنفاس متلاحقة ثم تُصبح لحظة المواجهة مع حبل المشنقة أصعب من الموت القادم، تلك اللحظة الأولى التي تقع بها عينيك على ذاك الحبل الذي سينزع منك الروح بعد قليل قد تصبح أصعب كثيرًا من نزع الروح نفسه فقد تذهب الروح طواعية الآن مع تلك الدقيقة الأولى ويكسب الحبل المعركة دون أن يُقاتل ويقتل ويتحمل وزر عنق جديدة تدق وروح جديدة تزهق فيبقى بسجل نظيف لليوم على الأقل ويعتبره يوم الراحة.
ثم وقفت في مواجهته، ليس الحبل بل زوجها الذي يجلس على الكرسي الأقرب لباب الشقة وكأنه لص يستعد للفرار في أقرب فرصة بعد دراسة المكان جيدًا وترتيب خطة هروبه، وقفت فقط ولم تتقدم خطوة أخرى فلحظة المواجهة الأولى هي الأصعب ولذلك لا ترغب عيناها في مواجهته.

"ماذا سأفعل بكل تلك المساحة الفارغة بخزانة الملابس؟"
كانت الفكرة التي تُلّح برأسها وهي تحاول الآن رفع عينيها لتقابل عينيه، هي فقط الخطوة اللازمة الآن سيتلاقيان وينضم خيطاهما سويًا ولن تحتاج لمجهود لتُبقيهما معه.

وصلت عينياها لعيناه أخيرًا فزفرت وبقيت ساكنة لا تتحرك. سألها إن كانت رأت حقيبته، فردت بأنها ليست عمياء ولا غبية.
قال كلام كثير لم تتبين منه سوى الرحيل، لم تسمع غيرها. التقطتها أذناها وكأنها صفارة الانذار التي ما إن علت حتى طغت على كل ما سواها.
كان فمه يقذف بكلمات كثيرة ويرتجف أحيانًا ويزوم أحيانًا وأخرى بدت لها محاولات لإيصال صوته بعلو يناسب من يقف في الطبقة التي تعلوهم بالمنزل ولكنها لم تستمع كانت ترى محاولات عديدة وكلمات تمنت لو رأتها وهي تخرج من فمه لكان ذلك أسهل كثيرًا من محاولة الاستماع له الآن.
الرحيل ..
هذا هو ما عليه فعله من فترة لماذا قرر ذلك فجأة؟
ما الذي استجد ليستحثه على تنفيذها هكذا دون أي نقاش مسبق !
هل تخيل أنني سأحاول اثنائه عن ذلك !
أظنه يعلم أن ذلك لن يحدث، ومع ذلك أنه أمر جلل أن تستمع لهذه الكلمة حتى وإن كنت تتوقعها أو تنتظرها بالأحرى. هاهي المواجهة مع حبل المشنقة برغم علمك المسبق بأن ذلك أتيٍ لا محالة تبقى له رهبة عظيمة لم تُكسر.

"وبالطبع ترك الكثير من علّاقات الملابس الفارغة، ماذا سأفعل بها"!
كانت تفكر.

أصبحت مختلفة في الفترة الأخيرة لا قدرة لديها على مواجهة المشكلات تتعامل معها وكأنها ذلك الجينز الذي تشتريه بمقاس أصغر لتضع لنفسك هدفًا تصل إليه وكلما مر الوقت وأنت على حالك تدفعه بعيدًا قليلًا عن نظرك حتى يتوارى خلف أكوام من الملابس فتحجبه عن عينك ويرتاح ضميرك، هكذا تفعل تدفع المشكلات من أمام عينيها وتعيش بلا خيبة أمل نتيجة عدم تحقيقها لهدفها أو حلّها لمشكلاتها.

أطلق اسمها في الفراغ ليحاول استعادة بضع انتباه أو اهتمام منها.
فأحست بصوته وكأنه يقذف داخلها إلى تلك الهوة التي اتسعت داخلها حتى أصبحت بلا قعر، فلا نهاية لها.
صوته يهوى بداخلها ولا صوت ارتطام، فقط يستمر بداخلها بلا نهاية.
ولكنها انتبهت لوقع اسمها على أذنيها فعادت وكأنها لم تكن تراه من قبل وكأن عينياها قد انطفأتا للحظات ثم عادت للعمل الآن مع النداء. أعاد عليها كلمة الرحيل فاستندت للحائط لتمنع نفسها من الانهيار على أرض الغرفة الصلب أو ربما حتى لا تبتلعها تلك الهوة التي لا نهاية لها فلا يجدها أحد ولا تذهب لمكان أخر وتضيع بها دون أن تقرر ما عليها فعله بالعلّاقات الفارغة بالخزانة.
اقترب منها ليتأكد أنها بخير فأكدت له أنها ليس بها شيء فظن أنها تلعب دور المريضة لتبقيه معها فتركها وذهب ليأتي بحقيبته من الغرفة فلم تمنعه فتردد في استكمال طريقه للحظات وأعاد النظر إليها وكأنه كان ينتظر منها أن تمنعه فلم تعره أي اهتمام وجلست على الأرضية تحدق للحائط أمامها فأكمل طريقه للغرفة. سألته لماذا تركت الحقيبة هناك بالداخل؟ فلم يرد عليها أعادت السؤال ولم تتلق أي رد فشكت أن الهوة تبتلع صوتها هي الأخرى الآن فصرخت: لماذا لم تذهب قبل أن أستيقظ؟
خرج من الغرفة وسألها لماذا تصرخين؟
قالت: لا شيء كنت فقط أسألك لماذا تركت حقيبتك بالداخل؟
ولماذا لم تذهب مبكرًا وجلست تنتظرني؟
هل تعتقد أنه من المناسب أن أبدء يومي بشيء كهذا؟
أم ماذا بالضبط ! يحق لي أن أفهم ذلك على الأقل .

وقف يتأملها وسألها لماذا لم تمنعه فلم ترد عليه وقالت له أننا كبرنا على لعبة سؤال بسؤال .

تنهد وترك الحقيبة ثم جلس القرفصاء بجانبها ومد يده ليلمس وجهها فأبعدت رأسها عن مسار يده فاستعادها لنفسه ثم قال: انتظرتكِ حتى تمنعينني من القيام بذلك، انتظرتَ منكِ سببًا يبقينِ هنا بجانبك وأنتِ غارقة في هوة اكتئابكِ تلك وذلك العالم الذي رسمتِ برأسك ثم قررتِ البقاء فيه وطردِ خارجه وعليَّ الموافقة على ذلك واستكمال حياتي فقط مع جسدكِ بلا روحكِ وعقلكِ ولا جاذبيتكِ التي أحببتها. انتظرتَ منكِ ذرف دمعة واحدة لتبقينِ بجانبكِ لأواسيكِ أو حتى فقط أن تذكرين كم تحبين البقاء معي ولكن لا شيء وقفتِ كالتمثال أمامي وكأنني أتحدث مع الحائط 
.
كانت تنظر له بعيون تبدو زجاجية بلا حياة وتراقب فمه تارة وعيونه ووجهه ككل تارة وكأنها تحاول أن تستفهم ما يُقال أو ما يحدث ثم سألته عما كان يدور بعقلها: تركت الكثير من علّاقات الملابس الفارغة، أليس كذلك ماذا سأفعل بها الآن !
وكل تلك المساحة الفارغة بالخزانة ماذا سأضع بها؟
كيف تنتظر مني التعامل معها؟

نظر لها بكل ما يملك في جسده من دهشة وشفقة ثم وقف بأمل خائب أو فلنقل منكسر وعاد لحقيبته وحملها وقال لها بعدما مر من جانبها: ستكونين بخير أنا أعلم ولكن فلتهتمِ قليلًا بحالكِ وإن احتجتني بأي وقت فقد دونت لكِ كل أرقام هواتفي بأوراق ووضعت لكِ بكل مكان ورقة، اتصلِ بأي وقت لن أنقطع عنك ولكن الآن عليَّ الرحيل.
هاهي مجددًا الكلمة التي تسحقني وتُعيدني للمواجهة مع حبل المشنقة، مع النهاية.
أعلم أنه تحدّث عن أشياء عديدة، وذكر أوراق وغرف ولكنِ لم أنتبه أو ألتقط سوى كلمة الرحيل ثم تأتي تلك الهوة لتبتلع كل شيء بعدها.
ثم صوت الباب يغلق بعنف ثم خطوات تبتعد غاضبة ثم لا شيء لم يعد له وجود حولي لم يبقى سواي وحبل المشنقة والمواجهة معه التي يبدو أنها ستطول.
وتلك المساحة الفارغة والعلّاقات الفارغة والمنزل الفارغ منه ثم أنا أقع بالهوة.
وبقيت بمكانها كالجثة لا تفعل شيء سوى التحديق بالفراغ ..


ساره عاشور

السبت، 19 يناير 2013

مُفردات الوحدة


على أحد أرصفة محطات المترو كانت تقف وحيدة مستندة للحائط تعبث بالهاتف الموجود بيدها ويبدو أنها تستمع لأغاني أو من عبثها بالهاتف فهي تبحث عن ما تستمع له، تُقلب بعصبية واضحة وحزن بادي على وجهها، ما هي إلا دقائق و بدأت الصفارات المزعجة في الاعلان عن قدوم القطار نظرت للضوء الأحمر في غضب ثم رجعت لهاتفها ولم تقترب من حافة الرصيف لتركبه ولكنها انتبهت لكل ما كان يحدث حولها لحركة دخول وخروج الناس من العربة أمامها وسير وأحيانًا ركضهم بجانبها ثم وجدت كرسي فارغ على المحطة فجلست عليه وبقيت تُراقب القطار حتى اختفى بكل عرباته.
لم تكن الوحيدة الجالسة متجاهلة قدوم القطار ولكن الجميع حولها لم يكن وحيدًا، تركت هاتفها جانبًا مع بقاء السماعات بأذنها وأخرجت من حقيبتها كتاب وفتحته وقرأت قليلًا ثم انتبهت للضوء الأحمر على الرصيف المقابل ونظرت له بنفس مقدار الغضب الذي نظرت به لسابقه، أعتقد أنها تكرهه لسببٍ ما. جاء القطار بكل الضوضاء التي تُصاحبه ثم أتي أخر وأخر وهي تجلس بمكانها تُراقب القطارات أحيانًا والبشر في أحيان أخرى وتعود لكتابها أو تغير أغنية لم تعجبها.

بعد ما يقرب من ساعة وقفت لتركب القطار القادم بعد نظرة طويلة مليئة بخيبة الأمل تجاه مدخل المحطة ثم استسلمت أخيرًا وركبت، ذهبت لركن العربة بجانب الباب بعيدًا قليلًا عن زحام منتصف العربة والكتاب بيد والهاتف باليد الأخرى ووقفت تُراقب راكبات العربة وتصرفاتهم وتستمع لكلامهم وضحكاتهم وهي تفكر لماذا لا يتوقفون عن الحديث !
بعد تخطيها لمحطتين نزلت بالمحطة الثالثة ليست مكان نزولها المُعتاد ولكنها ملت من التواجد بهذا الزحام، ثم بعد نزولها بلحظات اتصل بها، نظرت لاسمه على الهاتف وترددت بين الأخضر والأحمر ثم قررت أن تجد مكان هادئ لترد عليه ثم أجابت.

حدثها متأسفًا كثيرًا عن تأخره عليها ثم سألها إن كانت عادت للمنزل أم مازالت بالخارج فهو يُريد رؤيتها.
فقالت أنها مازالت تنتظر المترو فسألها بأي محطة لأنه بالمحطة التي وعد أن يأتي لها بها.
فقالت أنها قد نزلت لأن العربة كانت مزدحمة وهي لا تحب الزحام.
فاعتذر لها مرة أخرى لأنه يعلم ذلك ولأنه عرضها لما تكره.
فقالت له إنه لا بأس ربما علينا أحيانًا أن نجرب ما نكره فنكتشف جوانب جديدة بشخصياتنا فأنا اكتشفت أنني يمكنني أن أتحمل الزحام في سبيل مراقبة الناس ولأجل لقائك أيضًا ..
فقال لها: لا تتحركين أنا سأركب الآن لآتي إليكِ.
فوافقت مازال الوقت مُبكرًا للعودة على أية حال.
طلب منها أن يبقى معها على الهاتف حتى لا يكون أيًا منهما وحيدًا حتى يلتقيان فقالت له هذا أفضل فالكل حولي ينظر لي بريبة وكأنني سأفجر المكان فضحك وقال لها أنها تملك الخيال الأغرب فابتسمت وقالت بضع خيال يلزم لحياة ذات متعة أكبر فوافقها على الفور.

يوافقها على كل ما تقول، تكره هي ذلك أحيانًا ولكنه أمر يُعزز غرورها.
كانت تُفكر لماذا طلبه المٌلح المفاجئ أن يتقابلا بل و إصراره أن تنتظره الآن !

سألها: أين شردتِ؟
فقالت: لا شيء أنا معك، فقط تذكرت شيئًا ما.
فقال: هل لي أن أعرف ما هو؟
فقالت: صداقتنا تعود لسنوات بعيدة، أليس كذلك؟
فقال: نعم صحيح. لماذا تذكرين ذلك؟
فقالت: أتذكر في أول شهور تعارفنا أنك قد طلبت مني الارتباط عاطفيًا وقلت لي أنك تحبني.
فقال: نعم صحيح أيضًا، أتذكر ذلك ولكن ذلك ليس سبب مقابلتي لكِ اليوم.
فضحكت وقالت له: لا يوجد على وجه الأرض من يفهمني مثلكَ.
قال لها أن المترو قادم لمحطتها الآن وسألها عن مكان تواجدها ثم عندما رآها أغلقا الهاتف. ذهب إليها وألقى السلام وقال لها مُغازلًا: في كل مرة أراكِ تبدين أجمل، فما سركِ؟
فابتسمت وقالت: ولا أحد يعرف كيف يُرضي غروري ويُضحكني بنفس الوقت مثلكَ.
فضحك بشدة واستغربت منه ذلك فطلب منها أن يذهبا للجلوس بمكان قريب فوافقت.

طوال الطريق وهي تنظر له لتتأكد أنه لا شيء متغير به ولا يوجد أي شيء يلمع بيده ولن يجرؤ أن يُقبل على خطوة كهذه دون تواجدها بجانبه ولكن هل أتى ليطلب مني أنا الزواج أم ليُعلن لي خبر زواجه !
أخشى أن أفقده في الحالتين ! لن أستطيع الزواج منه ولن أستطيع أن أفقده لأخرى !
كان محقًا عندما قال لي ذات يوم أني أعلّقه دائمًا بجانبي بمقدار يسمح له بحرية الارتباط بعلاقات سطحية بعيدًا عن التوغل بحب امرأة أخرى وبمقدار يجعله معلقًا دائمًا برغبته في الفوز بي كزوجة المستقبل. ألقي له بالوعود وأخطف منه فرص التنفيذ فيبقى بجانبي ولا يبقى بجانبي. علاقة معقدة كما قال ولكنها تُرضيه.

وقف أمام أحد المقاهي وقال لها: أعلم أنكِ تُحبين هذا النوع من الأماكن.
جلسا وطلبا شايًا وقهوة ثم شرد عنها فقالت له: هل أتينا إلى هنا لتذهب بعيدًا؟
فقال: ومنذ متى تتركيني أذهب بعيدًا عنكِ؟
قالت: أنت تملك كامل حريتك في ابتعادك عني ولكنها رغبتك أنت في البقاء.
ابتسم وهز رأسه بالموافقة ونظر ليده.
فسألته إن كان مقبلًا على الزواج.
ضحك بشدة وقال لها: أنتِ تعلمين أن هذا المكان بحياتي محجوزًا من قبل وينتظر فقط موافقة جلالتكم.
أخجلها.
فقال لها أن الأمر بعيدًا عن ذلك الموضوع تمامًا ولكنه بنفس الوقت مرتبط به.
فقالت له: لا أحب الحديث بالألغاز تعلم ذلك.
فاعتذر وقال: هل سمعتي من قبل عن مصطلح مفردات الوحدة؟
فردت بالإيجاب وقالت له: هل صرت تؤلف روايات الآن؟ إنه مصطلح أدبي للغاية.
فوافقها الرأي فقالت: لماذا دائمًا توافقني في الرأي؟
فقال: لأنك تمثلين العقل الذي أتمنى أن يُرافقني في رحلة الحياة وتعلمين ذلك ولكن هناك ما لا يعجبني أحيانًا بتفكيرك بالطبع ولكن إن خالفتك فيه قد أبدو لك كمن يُريد حبسك أو تغييرك وأنا لا أريد ذلك.
فقالت بغضب مصطنع: هل أصبحت تقرر بدلًا عني الآن؟ تحسبني لا أملك القدرة على تمييز رغبتك بتغييري أو فقط مجرد اختلافنا في الرأي !
فقال لها: لا ليس كذلك .. ليس موضوعنا هذا الآن على أية حال   .

جئت لأحكي لكِ عن مفردات الوحدة، فهي تُمثل أشياء قد تبدو بسيطة بالنسبة لكِ كقلة اهتمامك بما يجري بحياتي بعيدًا عنك أو عدم رغبتك في اظهار غيرتك وحبك أو مثلًا ابتعادك بالأيام وعدم السماح لي بنفس الفعل وأشياء كهذه تُعزّز شعوري بالوحدة مع علمي التام يوجودكِ بحياتي فتصير وحدتي مفككة لمفردات بسيطة عوضًا عن وحدة كاملة أي أنني لا أملك تمام وحدتي أو تمام وجودكِ يحاتي فأصبح بلا وحدة. تفهمين ما أقصد بالطبع ونظر لها فنظرت بالاتجاه الأخر مع نصف ابتسامة على وجهها.
وقالت: أنت تدري أني لا أملك القدرة على الالتزام ولم يفهم هذا الأمر طوال حياتي غيركَ فلم تريد تغيير ذلك الآن !
فنفى أن هذه هي رغبته وقال لها: أنا طلبت مقابلتك لأني أملك فرصة جيدة للسفر والعيش بالخارج، فرصة للهجرة ولا أريد لوحدتي أن تأتي معي بل أريدكِ أنتِ معي ولنحل معًا مشكلة عدم قدرتك على الالتزام فأفوز بكِ كاملة وأنهي وحدتي كاملة.
 
فاجئها طلبه ولمح هو ذلك عليها فقال: أنا أعلم أن ذلك أمر مفاجئ ولكني لا أملك الكثير من الوقت لترتيب كل أموري ولكن ما يهمني قبل أي شيء هو أن اطمئن أنكِ ستكونين معي ونمحو معًا كُل ما سبق وتكون سنوات صداقتنا هي القاعدة التي يبنى عليها زواجنا الناجح. أنا أحبكِ وأعلم أنكِ تُحبيني أو على الأقل تحبين التواجد معي وأخشى أن يمتد تعريفي لمفردات الوحدة إلى الغربة أيضًا والغربة تكسر البشر، الغربة تُضيّع كل جميل بك. وأنتِ أجمل ما بي وأكثر ما أخشاه من فقد وجودك جانبي هو افتقاد وجودك داخلي.
كانت تتابع كل ما يقول وتتابع حركات وجهه وإيماءات جسده الصادقة فقالت: أنا أحب التواجد معك بالفعل.
أحنى رأسه في انهزام. فابتسمت وقالت: هلا تدعني أكمل ثم تقرر.
فنظر لها بأمل، فأكملت: أحب التواجد معك وأحب أكثر أن أمحو مفرداتتك هذه لأكتب غيرها وأعتقد أنك محق بأن صداقتنا ستكون خير بداية لعلاقة ناجحة. ثم أنني قلت لك مسبقًا لا يوجد من يفهمني مثلك ولكني نسيت اخبارك أنه لا يوجد من يحبك مثلي.
ابتسم كالمنتصر وأمسك بيدها فاحمر وجهها.
فقال: أخيرًا وبعد سنوات أرى هذه الحُمرة على وجهك !
لا تعلمين كم تمنيتها.


ساره عاشور