الأحد، 1 يوليو، 2012

.. إجتياح ..


هو الذي تلقاه وأنت تتجول بالشارع للبحث عن أحدث الصيحات، يجري هنا وهناك ليوصل الطلبات لزبائن قهوته المتواضعة بوسط البلد. أكمل عامه الخامس والعشرون الشهر الماضي وكان يبحث عن من تُكمل نصف دينه، من تعتني به وبمنزله في غيابه. من تُمثل شرفه أمام الناس.
كان كلما تحرك نظر اتجاه الفتيات اللاتي يشترين ثياب من محل قريب منه. يلفتن نظره الفراشات المتحركات، الفراشات الذي لا يملك سوى النظر إليهم وتخيل كيف ستكون حياته لو يتزوج فراشة منهن، سيطير حتماً.

طار بإتجاه زبائنه، يوصل طلب شاي هنا وقهوة هناك ويحاسب هذا ويعلو صوت صاحب القهوة عليه عندما يلمحه يتباطيء في عمله كي يحاول التحدث مع فتاة.
كانت الفكرة تؤرقه خصوصاً بعد وفاة والدته وبقائه الآن كما يُقال "كمن قُطع من شجرة" فرع بلا جذور هو.

تحرك هنا ونظرة هناك وغمزة وكلمة وصافرة تجاه الفراشات الجميلة. ثم جاءت من إجتاحته كإعصار وقف مذهولاً أمام جمالها ورقتها وجرأتها بأن تأتي لتجلس على هذه القهوة المتواضعة. وقف ينظر لها ويحاول أن يتذكر "ما هي مفردات الحديث كنت منذ قليل أعرف بضع كلمات أين ذهبت؟" لوحت له بيدها فهي كانت تتحدث وهو كمن ذهب لكوكب أخر وترك جسده واقفاً هنا.
حاول أن يبتسم .. تلعثم.
حاول أن ينطق فلم يخرج منه سوى أصوات.
ابتسمت هي .. أرضا غرورها تلعثُمه أمامها.

أخيراً تذكر أنه من المفترض أن يسألها "ماذا تريدين أن تشربي" أه هاهي الجملة .. بسيطة هي، بضع كلمات أين كانت؟
قالت له وهي مبتسمة "قهوة .. سكر زيادة"
ابتسم .. طبيعي أن السكر يُحب السكر.
ذهب بخطوات بطيئة يحاول أن يحفظ منها في ذاكرته على قدر ما يستطيع.
رائحة الياسمين، بياض جسدها، ملابسها .. "لماذا لا يوجد لدينا مثلها في الحي الشعبي" ثم ضحك "بلى يوجد نسخ مُقلدة رخيصة .. لكن ما يَقرُبن للأصل بشيء"
 دخل ليطلب لها القهوة لكنه قال لهم أن يُمهلوا في تحضيره قليلاً .. ففي حُضرتنا ملكة.

وقف على مقربة من مكان جلوسها يحاول أن ينظر بعيداً كلما أحس أنها ستكتشف سبب وقوفه هنا. ستكشفه وهو يختلس النظر لها، لعيناها، لشفتاها، لإبتسامتها .. لأصابعها وهي تُمسك بهاتفها .. شكل وجهها عندما يكسوه الجدية.
حاول الإمتلاء بكل ما يصدُر منها. كان ما يشعر به جديداً .. جديداً على عينه وقلبه وحواسه كلها.
نسي أو تناسي ما كان يُفكر به عن زواجه ووحدته، كيف أن يُفكر في هذا الآن.

أحضر لها القهوة، حاول التماسك وهو يضع الفنجان أمامها، أن يُخفي رعشة يده. ألا ينظر لها في عينيها مباشرة، فكر أنها يمكن أن تحرقه.
ذهب ليقف في نفس المكان، يُراقبها وهي تُمسك الفنجان بكل رقة وترفعه حتى وصل لشفتيها، ما إن لامست شفتاها الفنجان حتى كان هو كمن طار ووقع ..
دقائق وأتى شاب وسيم كانت تنتظره. راقبهما وهما يمضيان والحسرة على وجهه.

هو الذي تلقاه وأنت تتجول بالشارع للبحث عن أحدث الصيحات، يجري هنا وهناك ليوصل الطلبات لزبائن قهوته المتواضعة بوسط البلد. تَمُر أمامه ولا تراه وكأنه "سوليفان" ..
هو .. إذا التقت عيناك بعيناه نظرت بعيداً بسرعة خشية أن تلقط منه عدوى الفقر.

هو .. ممن يعملون كالنحل في عالمنا فيما يتطلعون بحسرة نحو "الفراشات" ..


ساره عاشور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق