السبت، 1 سبتمبر، 2012

وجهان


وجهان يشتركان في درجة اللون الخمري، يشتركان في الابتسامة التي تحمل من الحزن أكثر مما تحمل من السعادة وتشتركان في عينين تصرخان من الوحدة .. ويشتركان في تحملهما للحزن والوحدة بقوة تبدو كثيرًا في ملامحهما.

ولكن يختلفان في سن كلٍ منهما. إحداهما مُقبلة على الخمسين والأخرى في الخامسة والثلاثين.


يشتركان في أنهما يملأن منزليهما بأصوات الموسيقى والأغاني لتعطيهما الاحساس بالونس بأن هناك من يتحدث في أرجاء المنزل غيرهما. احساس مؤقت بالرفقة وشعور عابر بالامتلاء.

35:
تقضي لياليها دائمًا بجانب جهاز الراديو تستمع لبرنامجها الليلي الذي يُناقش المشاكل العاطفية، هو الآن المُفضل لديها ولكنها سابقًا كانت تسخر من مُقدمه وطريقته في التحدث ومن المتصلات ومن الفكرة كلها، لم تكن تؤمن بأنه حقيقي لا يوجد من هو على هذا القدر من الوحدة ليتصل ببرنامج اذاعي ويشكو وحدته أمام -من يعلم كم عددهم- المستمعين ويطلب الاستماع لأغنية محددة لتعطيه الاحساس بأن هناك من يهتم لأن يُعطيه ما يطلب كما يطلب ويُسمعه ما يُريد أن يسمع .. الآن عرفت كم وحدة هؤلاء للجوء لهذه البرامج فقررت أن تهاتف البرنامج لتعتذر لهم جميعًا.
- هي: ألو .. ممكن أتكلم على الهواء؟
- المُعد: طبعًا حضرتك ممكن بس ياريت اسمك وبياناتك.
-هي: اسمي .... ، رقمي ......، أي حاجة تانية؟
- المُعد: لا كده تمام، حضرتك هتستني معانا شوية وبعدين تبقي ع الهوا المكالمة هتكون مش أزيد من دقيقتين وأي كلام خارج من أي نوع هيتقطع عليكي الخط فورًا.
- هي: أكيد طبعًا، متخافش .. مستنية.
بعد دقائق ...
- المذيع: معانا اتصال هاتفي، نقول ألو
- هي: ألو .. ممكن أشارك مع حضرتك؟
- المذيع: طبعًا حضرتك مشتركة معانا يااستاذة ....... اتفضلي
- هي: (تبتسم) شكرًا .. أنا مش هاخد من وقتك كتير، كنت بس حابة أعتذر لحضرتك وكل مستمعينك لأني من سنة تقريبًا كنت ببص للبرنامج واللي بيشتركوا فيه بسخرية واستهزاء وكنت فاكرة إن الموضوع كله حاجة مُدبرة عشان تملوا وقت الهوا لكن أنا دلوقت عرفت إن فعلًا فيه ناس وحيدة في العالم برة .. غيري .. وإننا كلنا محتاجين لونيس زي برنامج حضرتك. أنا أسفة (بصوت مجروح يكاد يبكي) أنا فعلًا أسفة ..
- المذيع: (على درجة من الاستغراب من الموقف كله فيضحك للتخفيف عنها) حضرتك شكرًا طبعًا لتصرفك الراقي ومفيش داعي للأسف فيه ناس مش بتعرف ايه موجود في العالم غير لما تجربه. تحبي تسمعي ايه معانا؟
- هي: (تحاول أن يبدو صوتها رائقًا) اممممم .. ممكن أغنية صباح ومسا لفيروز؟
- المذيع: ممكن طبعًا وأحب أشكرك مرة تانية على مشاركتك معانا وتقدري تتصلي بينا في أي وقت .. و دلوقت هنسمع صباح ومسا لفيروز ونقول لصديقة البرنامج الجديدة ...... : كلنا سوا .. مفيش حد لوحده.

أغلقت الهاتف واحتضنت المخدة وابتسمت وهي تستمع لفيروز ومنتشية باحساسها أنها وجدت من يُلبي لها طلبها.


الأغنية موجودة بالفعل في قائمة أغانيها المفضلة التي تستمع لها يوميًا، لا يوجد أي احساس بالانتصار لأنها أخذت شيء جديد ولكنه ذلك الاحساس أنك طلبت شيء محدد وبسيط وتم الاستجابة لطلبك هكذا بكل بساطة دون أي نقاشات مطولة عن جدوى طلبها لشيء موجود عندها بالفعل أو السؤال عن ماذا ستكسب من وراء ذلك !
احساس كانت تفتقده في زواجها الفاشل فكل حركة وطلب يجب أن يمر أولًا بنقاشات وجلسات ويمكن بعد استنزاف أعصابها في هذا كله أن يُصدر زوجها قراره بأن هذا مجرد مضيعة للوقت و"أنها تافهة وطفولية !"

"صباح ومسا .. شي ما بينتسى
تركت الحب وأخدت الأسى
لعل وعسى، اترك هالأسى
ويرجع لي حبي .. صباح ومسا"

ما إن انتهت الأغنية حتى كانت استسلمت للنوم واحساس الانتشاء هذا يغمرها .. راحة مؤقتة كانت تفتقدها ..

50:
تقضي الليالي ساهرة وظهرها محني فوق ماكينة الخياطة الخاصة بها، شهور طويلة وهي تقصقص أقمشة وترسم "باترونات" وتختار موديلات للفستان المثالي لابنتها. كل ليلة تقيس محيط الصدر وتُعيد قياس محيط الوسط وتُعلم هنا للقص وتضع دبوس هناك كعلامة للزينة وهنا بالظهر سيكون الشريط الأبيض الذي يشد "الكورسيه" ليكون الفستان المثالي بحق.

كل ليلة تتبع تقريبًا نفس الخطوات، ترفع رأسها للحظات لتغمض عينها عند مقطعها المفضل من أغنية "أم كلثوم" وتسأل نفس السؤال: "ومين بيحس يا ست؟!" وتبتسم نفس الابتسامة عند نفس الاجابة ثم تتنهد وتنحني مجددًا لتنتهي من عملها المثالي المنظم ..

كل ليلة تجمع ما تنتهي من عمله لتضعه بخزانة الملابس، تضعه بحرص واهتمام فوق ما يسبقه من أعمالها المثالية المتقنة وتبقى لدقائق تتأملها والدموع بعينها. وتمسح فوق الفستان بيدها ليضيع أي أثر لأي انكماش بالأقمشة فكل شيء يجب أن يكون مثالي لابنتها. ثم تنادي عليها، تنادي باسمها وترفع رأسها وتغمض عينها وتجهش بالبكاء لما تكتشف أنها وحدها وأن تعبها كان بلا طائل وأن ابنتها ليست هنا ولن تقيس فستانها المثالي.

تبكي نفسها حتى النوم .. كل ليلة ..

لتصحو بالنهار على صوت الهاتف من ابنها الذي يتصل بها يوميًا بنفس الموعد ليطمئن عليها وأنها تأخذ كل أدويتها في مواعيدها فهو لا يُريد أن يذهب للبحث عنها مجددًا فيخسر مجددًا في عمله.
فتطمئنه أنها بخير وأن أدويتها في مواعيدها اليومية كما يؤكد عليها كل يوم، ثم تبتسم وتقول: أو ممكن تيجي تتأكد بنفسك !
يتنهد بعصبية مكبوتة: ماما مش هقدر أجيلك، كل يوم هقولك نفس الكلام؟ وبعدين كفاية خياطة، نظرك هيروح !
فتحبس دموعها وأهاتها التي أحست بها تحرق صدرها: حاضر ياحبيبي. سلام دلوقت.
وتغلق معه الهاتف لتذهب للتأكد أن كل الفساتين موجودة بمكانها ولم تأتي ابنتها لتأخذها وهي نائمة ولم تشعر بها.
تفتح لحارس العقار الذي يأتي لها بالغداء يوميًا بعد مكالمة ابنها.
تجلس .. تأكل .. ترمي الأدوية ثم تذهب لتأتي بالأقمشة التي تحتفظ بكمية كبيرة منها بعد أخر مرة هربت بها من حصار ابنها عليها.

وتنصت باهتمام عند مقطعها المفضل من أغنية أم كلثوم ..

"أنساك، ده كلام
أنساك، ياسلام
أهو ده اللي مش ممكن أبدًا ولا أفكر فيه .. أبدًا"

وتضحك عندما تسمع من ابنتها اجابتها المفضلة: حلو الفستان قوي يا أحلى أم في الدنيا ..
لتتنهد وتحني رأسها مجددًا لإستكمال الفستان ..


ساره عاشور

هناك تعليق واحد: