الاثنين، 9 يوليو 2012

أمم أمثالكم



من كام شهر عملت بنصيحة الكاتب محمد الرطيان وحطيت علبة بلاستيك صغيرة كده على سور البلكونة عشان العصافير تشرب منها عشان الحر.
حطيتها ووقفت أراقب من بعيد وبفكر"هما هاييجوا إزاي؟ هايعرفوا إزاي هنا في ماية وكده؟" وبعدين خوفت مايجوش ووقفت أتخيل بقى الحر هايعمل فيهم إيه وعصفورة تبقى طايرة كده وتقع عشان كانت عطشانة وملقتش ماية تشرب ومعرفتش إني حاطة ماية وأنا معملتش حاجة عشان أعرفها إني حاطة ماية فأنا هاشيل ذنبها "في دماغي بشيل ذنب كل الحيوانات اللي مش بساعدها"
وفجأة لقيت عصفورة جت على الماية على طول علشان تشرب، سبحان الله كأنهم عندهم بوصلة بتحددلهم.
وبعدها بقى زادوا .. بيقولوا لبعض :)

بقيت بقف أتفرج عليهم وهما واقفين في نظام، واحدة تقف على حرف العلبة تشرب والباقي واقف وراها في طابور. اللي تخلص تطير وتيجي مكانها واحدة تانية. معجبة جداً بنظامهم.

وبعدين بقيت أحب صوت الزقزقة اللي بسمعه كتير جنب البلكونة، وبقوا يجيوا كتير.

ماما شوية تعترض انتي هاتعمليلنا جنينة حيوانات هنا، قطط وعصافير وياسلام بقى لما أقول اني عايزة أحط ماية للكلاب اللي في  الشارع ولا عايزة أحطلهم أكل.
وشوية تقولي انتي حنينة ع الحيوانات أكتر من البني أدمين (بالنسبة لها يعني) وتقولي على حديث للرسول (صلى الله عليه وسلم) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة  الطير" أخرجه مسلم .. وإني من الناس دي. أقولها الله أعلم بس أتمنى طبعاً.

نفسي الكل يبقى عارف إنهم روح زيهم زينا وهنتحاسب عنهم بردو، ومش معنى إنك هاترحم حيوان يبقى دي رفاهية لا دي إسمها رحمة. ويمكن لما تتعلم ترحم الحيوانات الصغيرة دي تتعلم بعد كده ترحم البني أدمين. الحيوانات بتحس زيك بالحزن والفرح والتعب. بس مابتقساش زيك.
نفسي نربي أولادنا على احترام الأرواح دي، بتضايق جداً لما أشوف أب ولا أم بيخلوا ابنهم يضرب كلب ولا قطة في الشارع وبدل ما يزعقوله يحيوه وبدل ما يقوله إن كده حرام عليك لا ممكن يساعده في الضرب كمان. ويرجع يقولك إحنا شعب متدين، فين التدين في الحاجات البسيطة دي !
...
بسم الله الرحمن الرحيم: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ"
صدق الله العظيم - سورة الأنعام 

الراحمون يرحمهم الله.


أمم أمثالكم - صور


ساره عاشور

الأحد، 8 يوليو 2012

واقع غير


"يانحنا المنسيين"*
شدت بها فيروز فجعلتها تترك كل ما بيدها وتنتبه جيداً "المنسيين" أنا من هؤلاء المنسيين. وحيدة ومنسّية.

كان لديها عائلة وحبيب، كان لديها حياة وأشياء تملكها وأخرى تشغلها، كان لديها أصدقاء وأوقات فراغ .. الآن لا يوجد سوى هذا الفراغ.
كان لديها أكثر من هوة النسيان هذه.

تأملت المشهد خارج زجاج النافذة التي تجلس أمامها، أشجار رائقة الخَضَار، ترى عصفور أو اثنين يطيران هنا وهناك وتتبين نسمة هواء تحرك أغصان الشجر.

"يانحنا المنسيين، ياالله يافيروز لما فعلتِ هذا !"

من نسيانها تتذكر عائلتها التي هاجرت، وحبيبها الذي تركها وفراغها .. يدخل عليها طبيب وممرضة ليطمئنا على أحوالها.
تتعجب منهم وماذا يفعلون في حجرتها ! في منزلها !
ابتسموا ابتسامة حانية، قال لها الطبيب "أنتِ تعرفين أين أنتِ؟ أليس كذلك؟"
ارتبكت لحظة ثم قالت له "في منزلي !"
ابتسم مرة أخرى وقال لها "أنتِ في مستشفى نفسي."
صُعقت من الكلام، ونظرت حولها في المكان بريبة وانتبهت أن معظم هذه الأشياء لا تنتمي لها.
حاول الطبيب والممرضة تهدأتها وتذكيرها بكل ما حدث، "توفيت عائلتك بحادث سيارة، ومنذ سنتين وأنتِ هنا."
فقالت له بحدة "بل هم تركوني وذهبوا."
قال لها "هو الواقع الذي نسجه خيالكِ أنتِ بعيداً عن الحقيقة."
أمر الممرضة أن تعطيها حقنة مهدئة وقال لها "فلترتاحي قليلاً."
"وحبيبي ؟!" فقال لها الطبيب "خشى على حياتك، فأدخلك المستشفى ولم ينقطع عن زيارتكِ، ولكنكِ منفصلة تماماً عن الواقع."
امتلئت عيناها بالدموع وأخفت عيناها عنهم.

ثم بدأت تصرخ:
"أنا أدخلت نفسي في هذا الفراغ ! أنا انزلقت في هذه الهوة !"
"بل هم تركوني، وأنتَ فقط تحاول الدفاع عنهم. هم من خانونني وتركوني وحيدة."
أشار الطبيب للممرضة بأن تعطيها الحقنة الآن وليكملوا حديثهم في وقت أخر ..

عادت تنظر من الشباك للأشجار واللون الرائق ونسمة الهواء .. و "نحنا المنسيين".

* من أغنية ياقلبي لا تتعب قلبك

ساره عاشور

السبت، 7 يوليو 2012

رسالتها



أمسك بهاتفه وأعاد قراءة الرسالة مرة واثنين وثلاثة محاولاً إستيعاب كل حرف على حدا ولكن دون جدوى.



" كنت أحبكَ أكثر من قدرتي على الحب ..
فانهارت قدرتي على تحمله وتحملك. أنت كل ما تحلُم به أي فتاة ولكن كل هذا فوق قدرتي على الإحتمال.
إنه الملل بعينه عندما أجدني قادرة بكل دقة على توقع كل تصرف وكلمة منك.
أتمنى لك حياة أفضل مع أخرى تتمناك شريك حياتها."

لم يُصدق ما يقرأ. "ماذا كانت تُريد مني بالضبط، أخونها كي أكون خارج توقعاتها !
أضربها مثلاً كي تشعر بأني مختلف عني أو أني ككل الرجال !"

أول مرة وقعت عينها عليه تملكها شعور غريب، هو بمظهره كمن خرج تواً من تصوير فيلم أمام فاتن حمامة. مهندم وجذاب وحضوره أخاذ. فعلت كل ما تعلمه من طرق للفت انتباهه ولكن دون جدوى. فما كان منها إلا أن قامت واتجهت ناحيته وطلبت التحدث معه على إنفراد وأخذت تعرفه على نفسها وهو مأخوذ بجرأتها. تبادل معها أرقام الهاتف كما طلبت منه كان يبدو وكأنها تُملي عليه ماذا يجب أن يفعل .. ما يجب أن يقوله .. وهو مستسلم لها تماماً.

"أنا ممل !"

لم يستطع أن يرد على رسالتها ثم فكر يمكن أن يكون هذا ما تتوقعه هي .. "سأريها كم يمكنها توقع هذا"

وأخذ هاتفه وجلس يكتب لها رسالة بكل عصبية:

"كنت أحبكِ أكثر مما تتحملي أنتِ ..
كنتُ لكِ فوق توقعك، هذا هو ما لم تستطيعي توقعه ولا احتماله.
كنت أعاملك بكل رُقي ولكن هذا ليس سمة هذا العصر. أردتُ أن أعبر بكِ من هذا العصر الباهت في كل مشاعره إلى عوالم ذات أحاسيس أعلى وأرقى ولكن كان هذا فوق قدرتك على الاحتمال كما قلتِ ..
لا تشغلي نفسك بمن يتمناني. وكوني أجمل."

ثم ابتسم ابتسامة انتصار ..

دائماً ما كان يُنهي رسائله لها بمثل هذه العبارات
"كوني أجمل"
"كوني أفضل"
"كوني أصدق"
ما إن رأت جملته الأخيرة في الرسالة حتى بدأت تبكيه.

علم هو أنها حتماً ستندم عليه ويعلم جيداً أنه سيندم عليها .. حتماً سيندم على فقدانها وأكثر بهذه الطريقة التي رأها طفولية ولكن هكذا هي في عصبيتها "طفلة هي" وابتسم.

"ستحاول إصلاح ما فعلته غداً .. ستحاول أن تقنعني أنها كانت نوبة من نوبات عصبيتها التي لا تستطيع أن تتحكم فيها مؤخراً، سأحاول أن أبدو كمن يرفض هذه الحُجج ولكن سيكون قلبي مُشتاقاً لدفئها .. ستحاول أكيد ستحاول." وذهب لينام.

ما إن استيقظ على صوت المنبه حتى أمسك بهاتفه يبحث عن رسالتها أو مكالمتها التي فاتته ولكن لم يجد شيء تثاءب وقال "هو أول اليوم .. حتماً ستحاول"

ذهب لعمله وهاتفه كمن لصقه بيده .. كل 5 دقائق يتفقد رسائله .. كل ثانتين ينظر له علّه يُنمي قدرة خارقة تجعلها تتصل به الآن وصرخ بهاتفه "الآن" ثم تلفت حوله وتنهد بارتياح عندما وجد نفسه وحيداً .. لم يهتم بما فعله طوال اليوم بالعمل لا يتذكر من قابل وبماذا تحدث. كان فقط يحاول أن يجعل اليوم يمُر.

عندما ذهب للمنزل تفقد ألة تسجيل الرسائل ولكنها كانت خالية هي الأخرى.

"هي توقعتني فعلاً !
وأنا لم أتوقع قسوتها"


ساره عاشور

الجمعة، 6 يوليو 2012

دخان .. نار


نظرت في المرآة وجدت خطوط سوداء تنزل من عينها مع دموعها فتذكرت أنها كانت لاتزال تضع الماسكارا "ياالله أبدو كالساحرات الشريرات في أفلام هوليوود" وحاولت أن تبتسم وسط دموعها. التقطت المنديل وبدأت في إزالة أثار الإعصار النفسي الذي عصف بها.

كانت تجلس في بلكونتها مع كوب شاي وعلبة سجائر. تُدخن بشراهة حين تسحبها دوامة الأفكار. حتى أوقفتها فكرة "سأموت وحيدة"

وانهارت في البكاء.

بعد أن قامت بتنظيف وجهها جيداً نظرت لنفسها مرة أخرى. "ماذا ينقصني؟ أنا امرأة ناجحة في كل شيء أفعله ! لي منصب جيد في البنك وعندي شقة في مكان مميز و .. و .." ثم توقفت "لماذا لا أتحدث سوى عن المال !"
سنين طويلة وهي تبحث عن شريك الحياة المناسب لها ولكن لا أحد يعجبها، إن كان مناسب مادياً لم يكن مناسب إجتماعياً وإن كان مناسب إجتماعياً كان ذو ثقافة ضحلة وإن كان مثقف فهو يفتقد للمال.
دائرة مفرغة وضعت نفسها بها طوال سنوات وهي تعمل على تنفيذ نصائح والدتها .. سنوات تحاول إرضاء والدتها والمجتمع من حولها بأن تسير على كل نصائحهم .. سنوات ونسيت كيف تبحث عن الشخص المناسب دون هذي النصائح التي أصبحت قوانين بالنسبة لها لا يجب خرقها.

سنوات تعيش من أجل إرضاءهم ونسيت إرضاء نفسها.

ضحكت عندما تذكرت قصة جحا وحماره "لماذا يقصون علينا هذه الحكايات إن لم يريدون أن نتعلم منها ونعمل بها !"

رجعت لبلكونتها لسجائرها، تُحب التدخين في الظلام تضع السيجارة في فمها وتنظر لنارها وهي تشتعل "أهي نار السيجارة أم هي ناري؟" وتنفث الدخان في الهواء بعصبية.

"سأموت وحيدة"

الجملة الوحيدة التي تُنير في رأسها كلما أنارت سيجارتها. وتنفث الدخان في محاولة لإخراج هذه الجملة معها ولكنها تعود مع إتقاد النار.

"سأموت وحيدة"

"علّمتني والدتي أن أتفوق في كل شيء إلا التصرف كأنثى .. هاأنا ذا أُدخن كالرجال."

"سأموت وحيدة"

"هذي السيجارة بنارها تُحرق أكثر مما تُطفأ بداخلي."

"سأموت وحيدة"

قال لي والدي يوماً "أمك لا تعرف نتيجة نصائحها لا تستمعي لها، هي فقط تحفظها لم تعمل بها يوماً .. لم نتزوج كما قالت لك عندما رأت إننا متناسبين مادياً وإجتماعياً وثقافياً. كانت قصة حب ولكن لا أدري لماذا لا تُريد أن تعترف لكِ بذلك !"

"سأموت وحيدة"

"لم تدافع عني يا أبي !"

نفثت أخر دخان بسيجارتها وهي تُراقب النار التي تنطفأ ولكن نارها لا تنطفأ معها. مدت يدها لتُشعل أخرى ثم توقفت ..

"سأُقلع عن التدخين"

"سامحيني ياأمي .. سأصير كالإناث بضعفهن، سأقع في حُب أحدهم ولن أموت وحيدة."

واطفأت أخر سيجارة لها.


ساره عاشور

الأربعاء، 4 يوليو 2012

خان .. يخون .. خيانة



لم تتوقع أبداً خيانته لها بعد كل هذا العمر وكل هذه العشرة وكل ما مروا به. هي "أم أولاده" يجرحها مثل هذا الجرح ويُهين كرامتها وهي التي حافظت عليه وعلى كرامته 20 عاماً.

لم ترى أي مقدمات لهذه الصدمة، يقولون "النساء دائماً ما يعرفن بخيانة أزوجهن، دائماً ما تجدن إحساسٍ ما يراودهن وغالباً ما يكون صحيحاً" إذن لماذا لم أشعر بذلك !
ألستُ بامرأةٍ كفايةٍ !
لكني لم أبحث وراءه، لم أبحث عن الشعرة الغريبة على جاكت بدلته أو الرائحة النسائية على ملابسه .. لم أتدخل في مكالماته ولا مقابلاته. لم أشغل نفسي بكل هذا، كنت أثق به !

أبنائها ماذا ستقول لهم، أباكم فضّل أخرى عليَّ !
لم ينظر أبداً لتأثير ما فعله عليَّ أو عليكم !

نهاراً كانت تقوم بواجباتها المنزلية ثم أتاها هاتف من صديقة لها تؤكد أنها رأت زوجها مع أخرى في محل للذهب. "صغيرة وجميلة" قالت صديقتها. "دائماً يستبدلوننا بالنُسخ الأصغر هكذا هم الرجال يبحثون عن الأحدث". ثم انتبهت لصوت صديقتها يسألها ماذا ستفعل؟ فقالت لها "لا شيء". تعجبت منها. "كيف لا تفعلي أي شيء؟!! إتركيه، هدديه بأولادكِ" قطعت عليها الكلام "هم أولادنا" فضحكت صديقتها بسخرية "أنتِ تعرفين ذلك طبعاً لكن، هل تذّكر هو !!"
بلعت ريقها ومعه إهانة صديقتها واعتذرت لها "لابد أن أغلق الهاتف الآن لم أنتهي من أعمال المنزل". جلست في مكانها لم تتحرك، كيف تتحرك بعد الجبل الذي همدّها الآن !
فكرت تتصل به الآن وسوف تعرف من صوته حتماً ستعرف أن هناك شيء جديد عليه أو شيء مريب أو أي شيء .. ولكن متى عرفت قبلاً حتى تعرف الآن !!
نظرت حولها في المنزل الذي يعبأ بذكرياتهم معاً في كل رُكن فيه .. صورهم معاً، صور أطفالهم، صورة زفافهم نظرت لها مطولاً وللإبتسامة المزيفة التي يحملها كلٍ منهما، هي أرادت أن تتزوج من ابن عمها وهو صارحها بعد زواجهما بفترة بأنه كان يُحب زميلته في الجامعة ولكن العائلة.
زفرت كأنها تحاول إخراج كل الأسى منها ولكن بلا فائدة. لفت أركان الشقة كأنها تجمع كل ذكرياتهم لتأخذها معها حين ترحل. ثم وقفت في منتصف غرفتهم "أترحل؟!" تتركه لها هكذا بكل سهولة أم تتركه لها لأنه الخائن .." ثم ضحكت وقالت "فلينعموا معاً بخيانتهم، من خان مرة فسيخون أخرى وأخرى وأخرى وهي سيأتي يوم وتكون القديمة."
وضحكت بصوت عالٍ ثم صمتت ونزلت دموعها "أبقى معه فهي العِشرة وسنون طويلة ومواقف كثيرة وأطفال ! ماذا عن أطفالنا !"
نظرت لصورهم ..

وقررت أن تتركه لها بخيانته .. وألا تطئ قدمه منزلها مرة أخرى.

ولكن ،،

كيف لم تعرف؟!
"النساء دائماً ما يعرفن بخيانة أزوجهن، دائماً ما تجدن إحساسٍ ما يراودهن وغالباً ما يكون صحيحاً"



ساره عاشور

الثلاثاء، 3 يوليو 2012

30



30

وقفت تحت الدش تراقب قطرات الماء وهي تنحدر على جسدها، أغمضت عينها وراحت في دوامة من الأفكار. أحبّ مكان لها لتفكر فيه هو هنا تحت الماء، حيث لا تسمع صوت سوى الماء ينهمر وصوت أفكارها وفقط.

فرغت من استحمامها ووقفت أمام المرآة، رفعت شعرها بيدها لأعلى ووقفت تتأمل وجهها ثم لمحت شعرة بيضاء بارزة في مقدمة رأسها تركت شعرها ينسدل على كتفها مرة أخرى وأمسكت بهذه الشعرة وحيدة لأعلى ونظرت لها بذهول "أكبرت لهذه الدرجة؟ شعر أبيض !" ثم عندما تذكرت أنها ستتم الـ 30 في خلال أيام تركت الشعرة مرة أخرى وراحت تبحث عن أي إخوة لها. فعثرت على اثنتين أخرتين كانا يتحينان الوقت المناسب لمفاجأتها. حاولت تذكر أعليها قصهم أم تركهم. "ماذا كانت والدتي تقول؟" لم تتذكر ولم تُرد أن تُعلن هذا النبأ المفزع بالنسبة لها لغيرها. لا تُريد لأحد أن ينظر لها على أنها كبرت أو "عَجِّزِتْ" فالثلاثين سن مرعب لأغلب الفتيات ..

تركت شعرها كله بحاله وأبيضه. وراحت تبحث عن أي تجاعيد بوجهها ثم تنهدت بإرتياح عندما لم تجد شيء يقلق هنا.
أغمضت عينها وأغلقت بكتفها على يدها وهي على وجهها .. كانت تُحب كثيرًا يده وهي تتحس وجهها ثم تغلق عليها بكتفها هكذا ثم تزيح شعرها ليُقبلها على رقبتها ثم عندما عبثت نسمة هواء بها بدلًا من أنفاسه أفاقت على وحدتها. نظرت في المرآة بحزن ثم راحت لتلبس وتنزل لموعدها.

كان ينتظرها مشتاقًا لها، "كم مر من الوقت دون أن نلتقي، لعلها تغيرت ! لعلها نست !" كان يفكر.
عندما لمح خيالها يقترب، تلعثم قلبه .. مازالت بجمالها ذاته، مازالت بجيبتها القصيرة والبلوزة التي يحسدها على قربها من جسدها. وشعرها القصير "قصير ! قصت شعرها المجنونة !".
وقف ليُسلّم عليها، ابتسم .. ابتسمت .. مد يده وأمسك بيدها ولم يتحرك ولم يتحدث .. فقط نظر بعينها وجعل كل الشوق يخرج من عينه. طبع قبلة حنونة على يدها أخجلتها ثم تركها لتجلس.

سألها عن أحوالها وهو يُراقب وجهها، "مازالت عيناها كما هي ساحرة وجذابة وتأخذني بدوامة لا أستطيع الخروج منها" "لاتزال تملك الإبتسامة النصف ماكرة التي تدل على فهمها لكل ما يشي به وجهي. ولازال صوتها يأسرني".
استمع منها لكل ما حدث خلال فترة إبتعادهم عن بعضهما وفرح كثيرًا عندما علم بفشل خطبتها. كان يجب أن يحزن أو يواسيها ولكنه لم يستطع كبت إحساسه وعلمت هي بفرحه ..
سألته عن سبب المكالمة وسبب المقابلة وسبب فرحه لخبرها الحزين .. ارتبك ثم سألها "أهو حزين فعلًا، أم لأنه يجب أن يكون هكذا؟" ابتسمت ولم تُجبه .. فقال لها "لم أحزن لهذا إلا لأنه يصّب تمامًا في سبب مقابلتي لك."
ثم تحرك للكرسي الملاصق لها وأخذ بيدها ووضعها على قلبه ونظر لها في عينيها وقال "أتتزوجيني؟"
فابتسمت ..


ساره عاشور

مكان



تحتمي بغرفتها من أخطار العالم خارجها. أوصتها والدتها ألا تدع أحداً لا يليق بقلبها يسكن به ولكنها صدقته عندما أخبرها بأنه لن يؤذيها فلا يمكنه أبداً أن يؤذي من تسكُن بروحه.

أخلت بالوعد الذي وعدته لوالدتها وأخلت بالوعد الذي وعدته إياه ألا تتركه فكيف لها أن تبقى مع من يؤذيها لهذا الحد. غرفتها أأمن فهنا كانت والدتها تحكي لها القصص التي تمتليء بالعظات ولكنها كانت تفرح بالنهاية السعيدة ويفوتها معرفة العظة القيمة. حتى علمها هو كل العظات التي فاتتها.


هنا كانت والدتها تطمئن عليها وهي تذاكر دروسها، تأتي لها بكوب الشاي.

هنا تُغلق على نفسها جيداً وتعتزل العالم بعدم إنسانيته، بشروره، وببشره. هنا تعلم أنها تتوسط أرواح أهلها فسيحمونها حتماً من أي سوء.

هنا طُهر والدتها وأمان والدها وحنانهم .. هنا تحيا هي بعيداً عن اللص الذي ظنته يوماً أنه فارس.


هنا تختفي بين وسائدها وتنام، ستنام حتى تلقى والدتها لتلقي بنفسها في حضنها الدافيء للأبد.



ساره عاشور

الاثنين، 2 يوليو 2012

كارما ..



الكل يرى فيها نصفه الذي يُكمله، هي من تحمل كل الصفات التي يُريدونها في شريكة حياتهم ..
أو هكذا يتصورون.

كلما تحدثت مع أحدهم تتعجب من إنجذابه إليها وإحساسها بأنه يظن فيها نصفه الآخر "كم أحتاج لأكتمل أنا إن كنت النصف الأخر لكل هؤلاء !" كانت تفكر .. تمتلك رؤية واضحة لمن تريد أن تكمل حياتها معه ولعلها الرؤية الواضحة الوحيدة في حياتها فهي ليست متأكدة من أي شيء أخر سوى ذلك. ولن تتنازل عنها.

هي فتاة عادية أو هكذا ترى نفسها، هناك من هن أفضل منها في كل شيء. تعتبر أن كل ما يميزها هو حُبها لـ اللون الأحمر.
"يمكن ألا تكونين صاحبة جمال خارق كما تقولين ولكنكِ حتمًا مُلفتة للنظر بشكلٍ ما." جملة قالها لها أحدهم مرة عندما إعترضت لما وصفها بأنها "جميلة جدًا" ..
لا تقتنع أبدًا بهذه المجاملات ..

كانت رغم كل الوجوه حولها وحيدة. الجميلات دومًا وحيدات.
"سوف يأتي، هو حتمًا سوف يأتي" دائماً ما كانت تعتقد هذا .. نصفها سيأتي حتمًا إليها.

قضت سنوات طويلة تتنقل في علاقاتها كفراشة تبحث عن الضوء الذي لن يُهلكها فكلهم بالنسبة لها كانوا كالنار. كل علاقة تبدأها تتعرف على شخصية من أمامها تبحث عن نقاط مشتركة بينهما ثم تبحث عن نقاط الضعف، تحيطه بالإهتمام، تحاول أن تُعلمه أشياء جديدة، تُغيره للأفضل لكن ما إن يُصرح لها بحبه حتى تُنهى كل شيء من طرف واحد. وتختفي من حياته فلا تترك سوى تأثيرها عليه ولا أثر أخر.
ندمت كثيرًا على مغادرتهم هكذا فربما تسببت لهم بجراح لن تُشفي ثم تُفكر ولكن العاديين مثلي لا يُسببون أشياء كهذه !
ثم إنني حاولت إصلاح أشياء خاطئة بهم. ولكن ما إن تُفكر بـ"الكارما" المصطلح المستخدم في الغرب للتعبير عن أن كل شيء تفعله له عاقبة في حياتك. كل فعل حتمًا سيُرد إليك.
فتدخل في دوامة من الأفكار ماذا ستجلبه الكارما عليَّ ؟

ثم حدث ما كانت تتوقعه وإنقلبت القصة، من تُحس هي نحوه بالحب يتركها. فصممت ألا تبتعد "يجب أن أأخذ العقاب كامل، لن أهرب منه، لن أتحمل أن أُعاقب في غيره."
بعد أن تخلصت من كل "الكارما السيئة" أحست وكأن جبل أزيح عن كاهلها. شعرت بنقاءٍ ما وقررت ألا تدخل في أي علاقة حتى يأتي هو. وقضت أوقاتها بين أشياء تُهمها وأصدقاء ولكن كل صداقة تشعر أنها ستتحول لحب، تنهيها.

ثم ..

رأت فيه نصفها الذي يُكملها، هو من يحمل كل الصفات التي تريدها في شريك حياتها ولكنها لم تكن مثلهم مخطئة فهي تملك رؤية واضحة عن من يجب أن تُكمل حياتها معه.


ساره عاشور

تمرُد


لم يوافق والديه أبداً على عمله بالمسرح، بعد كل هذه الأعوام في دراسة الهندسة تترك كل هذا من أجل ان تكون "مشخصاتي" ضحك من التعبير وقال لهم لا يوجد أي مسمى وظيفي كهذا الآن، انزعجوا من استهتاره بهم. قال له والده أن هناك وظيفة مرموقة تنتظرك ان تعلم ذلك. فرد بأنه يعلم ويعلم رغبتهم في أن يفخروا به على طريقتهم ولكن لما لا يفخرون به عندما يتألق في المجال الذي يحبه؟
صمتوا ..
ذهب لغرفته وأغلق بابه وجلس يستمع للأغاني بصوت عالي كأنه يريد أن تغطي على صوت أفكاره أو أفكارهم التي تطارده. حاول أن ينام ولكن بلا فائدة، كان يتوقع منهم أن يفهموا أنه كان لابد أن يأتي وقت ويُطالب بأن يحيا حياته لكنه كان فقط مبكراً ليس أكثر. توصل إلى حل اعتبره وسطي سيُكمل دراسته بالهندسة وسيلتحق بأحد فرق المسرح "نعم هذا هو أفضل الحلول الآن، سأحاول أن أرضي والديي".
استسلم للنوم أخيراً بعد أن توصل لحل.
في الصباح، أخبرهم بحله فلم يعجبهم، لا يرضون بأن يُملي هو كيف يعيش حياته كيف يكون هذا؟ ما موقعهم هم في الحياة إن بدأ بفعل هذا من الآن؟
ولكن أمام إصراره وافقوا .. فقط الآن ولنرى ..

تذكر كل هذا وهو يصعد على المسرح للمرة الأخيرة، نظر في المرآة وابتسم وهو يتحسس التجاعيد التي ملأت وجهه.
أغمض عينيه ليذهب لأول مرة اعتلى فيها المسرح، ربكته أمام كثرة الجمهور والعيون المحدقة به وهو يتصبب عرقاً يحاول تذكر جملته. السعادة التي سرت بجسده عند تصفيق الجمهور في نهاية المسرحية لم يكن دوره كبيراً أو مؤثراً لكنه شارك في هذا العمل إذاً جزء من هذا التصفيق له. وانتشى ..
أخرجه من ذكرياته صوت يناديه بأن حان وقت إعتلاء المسرح، تحامل على جسده وذهب، كل خطوة يشعر أنها تذهب به إلى المجهول فهو لا يعلم حياة غير هذا المسرح. ماذا سيفعل بساعات يومه !

كلما إقترب وسمع صوت الجمهور أحس بالضيق، تعجب أنه يشعر عكس شعوره أول مرة. إنها الحياة فلن تشعر في بداية شيء كشعورك في نهايته وإلا لما سُميَّ "إنتهاء".

صعد على خشبة المسرح ولكنه لم يرى أي جمهور، يسمعهم ولكنه لا يراهم. حاول التدقيق بنظره ولكن لا فائدة. تنهد واستسلم للأمر وبدأ في عرضه. راح وجاء وتحدث وتعصب وهدأ وسَعَد وحَزن ثم إنتهى ..
وقف في وسط خشبة المسرح كمن نفذت منه مشاعره .. طوال سنوات عمله استُنزِفت منه.
وضع يديه خلف ظهره ليُحيي جمهوره الذي لم يراه .. انحني إنحناءة متثاقلة ووقف وابتسم وبعث بتحية في الهواء للكراسي الفارغة أمامه ثم عاد لغرفته ومازال صوت التصفيق يملأ أذنه ولكن بلا صورة.

عاد لمرآته يتأمل ملامحه .. كَبِرت وهدأ تمردك.


ساره عاشور

الأحد، 1 يوليو 2012

.. إجتياح ..


هو الذي تلقاه وأنت تتجول بالشارع للبحث عن أحدث الصيحات، يجري هنا وهناك ليوصل الطلبات لزبائن قهوته المتواضعة بوسط البلد. أكمل عامه الخامس والعشرون الشهر الماضي وكان يبحث عن من تُكمل نصف دينه، من تعتني به وبمنزله في غيابه. من تُمثل شرفه أمام الناس.
كان كلما تحرك نظر اتجاه الفتيات اللاتي يشترين ثياب من محل قريب منه. يلفتن نظره الفراشات المتحركات، الفراشات الذي لا يملك سوى النظر إليهم وتخيل كيف ستكون حياته لو يتزوج فراشة منهن، سيطير حتماً.

طار بإتجاه زبائنه، يوصل طلب شاي هنا وقهوة هناك ويحاسب هذا ويعلو صوت صاحب القهوة عليه عندما يلمحه يتباطيء في عمله كي يحاول التحدث مع فتاة.
كانت الفكرة تؤرقه خصوصاً بعد وفاة والدته وبقائه الآن كما يُقال "كمن قُطع من شجرة" فرع بلا جذور هو.

تحرك هنا ونظرة هناك وغمزة وكلمة وصافرة تجاه الفراشات الجميلة. ثم جاءت من إجتاحته كإعصار وقف مذهولاً أمام جمالها ورقتها وجرأتها بأن تأتي لتجلس على هذه القهوة المتواضعة. وقف ينظر لها ويحاول أن يتذكر "ما هي مفردات الحديث كنت منذ قليل أعرف بضع كلمات أين ذهبت؟" لوحت له بيدها فهي كانت تتحدث وهو كمن ذهب لكوكب أخر وترك جسده واقفاً هنا.
حاول أن يبتسم .. تلعثم.
حاول أن ينطق فلم يخرج منه سوى أصوات.
ابتسمت هي .. أرضا غرورها تلعثُمه أمامها.

أخيراً تذكر أنه من المفترض أن يسألها "ماذا تريدين أن تشربي" أه هاهي الجملة .. بسيطة هي، بضع كلمات أين كانت؟
قالت له وهي مبتسمة "قهوة .. سكر زيادة"
ابتسم .. طبيعي أن السكر يُحب السكر.
ذهب بخطوات بطيئة يحاول أن يحفظ منها في ذاكرته على قدر ما يستطيع.
رائحة الياسمين، بياض جسدها، ملابسها .. "لماذا لا يوجد لدينا مثلها في الحي الشعبي" ثم ضحك "بلى يوجد نسخ مُقلدة رخيصة .. لكن ما يَقرُبن للأصل بشيء"
 دخل ليطلب لها القهوة لكنه قال لهم أن يُمهلوا في تحضيره قليلاً .. ففي حُضرتنا ملكة.

وقف على مقربة من مكان جلوسها يحاول أن ينظر بعيداً كلما أحس أنها ستكتشف سبب وقوفه هنا. ستكشفه وهو يختلس النظر لها، لعيناها، لشفتاها، لإبتسامتها .. لأصابعها وهي تُمسك بهاتفها .. شكل وجهها عندما يكسوه الجدية.
حاول الإمتلاء بكل ما يصدُر منها. كان ما يشعر به جديداً .. جديداً على عينه وقلبه وحواسه كلها.
نسي أو تناسي ما كان يُفكر به عن زواجه ووحدته، كيف أن يُفكر في هذا الآن.

أحضر لها القهوة، حاول التماسك وهو يضع الفنجان أمامها، أن يُخفي رعشة يده. ألا ينظر لها في عينيها مباشرة، فكر أنها يمكن أن تحرقه.
ذهب ليقف في نفس المكان، يُراقبها وهي تُمسك الفنجان بكل رقة وترفعه حتى وصل لشفتيها، ما إن لامست شفتاها الفنجان حتى كان هو كمن طار ووقع ..
دقائق وأتى شاب وسيم كانت تنتظره. راقبهما وهما يمضيان والحسرة على وجهه.

هو الذي تلقاه وأنت تتجول بالشارع للبحث عن أحدث الصيحات، يجري هنا وهناك ليوصل الطلبات لزبائن قهوته المتواضعة بوسط البلد. تَمُر أمامه ولا تراه وكأنه "سوليفان" ..
هو .. إذا التقت عيناك بعيناه نظرت بعيداً بسرعة خشية أن تلقط منه عدوى الفقر.

هو .. ممن يعملون كالنحل في عالمنا فيما يتطلعون بحسرة نحو "الفراشات" ..


ساره عاشور