الخميس، 4 أكتوبر 2012

أرق



حتماً حدّثوك كثيراً عن فنجان القهوة الرفيق المثالي في حالات الأرق، وصفوا لك تفصيلياً كل شيء به لونه وطعمه حتى عدد حبات السكر الذائبة به والتي يُمكن تذوقها في كل رشفة.
حكوا لك عن من يؤرقهم، قصص الغرام التي غالباً ما تكون من طرف واحد يسهر ليله بصحبة قهوته والطرف الأخر يصاحب الأرز مع الملائكة.

لكن ..


هل حدّثك أحد عن قضائه يومه بعقل شبه متوقف ثم ما يلبث أن تعمل ماكيناته بكامل طاقتها ما أن يحل التعب على جسده؟
قال لك أي شخص عن الأسباب الحقيقية وراء أرقه دون أن يترك كل ذلك جانباً ليصف لك فنجانه؟

باصبع واحد فقط كنت ألملم حبات السكر الساقطة بجانب كوب النسكافيه، ملمسها الخشن على الجلد يولّد احساس غريب يؤدي لمزيد من الأفكار في عقلي.
لن أحكي لك عن قهوتي فأنا لا أشربها من الأساس ولن أتحدث عن أحوال قلبي.
بل سأقول لك أن بهذه اللحظة الآن لا يمر بعقلي فكرة واحدة ثابتة عن شيء واحد بل مجرد أفكار ناقصة عن أشياء عديدة، كلمة واحدة بفكرة كفيلة بأن تبدأ فكرة جديدة وهكذا تستمر سلسلة الأرق في العمل.

عدد النجوم بالسماء غير كامل في المشهد، لا أعدّ النجوم فلم نعد نراها لنعدّها. يشغلني اختفاؤها عن السماء فأتذكر أخر مرة كنت أرى أعداد غير قليلة منها تتلألأ في السماء ولكن هذا مرتبط في عقلي بالبحر، لا يوجد نجوم سوى بجانب البحر فهي تؤنس من يسافر فيه.
ثم لا راحة سوى على شاطيء البحر إذن لا نجوم إلا على شاطيء البحر.
لا راحة إلا على شاطيء البحر، ولما يتميز هو عندي عن أي مكان أخر بذلك؟
فأتذكر أول مرة سمعت صوت الموج الذي حسبته غاضبٌ عليَّ فجعلني أدمع وألجأ للأوراق، أحاول أن أتذكر ما كتبت ولكني أفشل دائماً في تذكر ما أريد.
لماذا أفشل في تذكر ما أريد؟ أبدو أحياناً كمن أصيب بحالة مبكرة من الزهايمر، الموضوع ضخم بالنسبة لي ولكنه طبيعي بالنسبة للأخرين ولكني لا أحيا في جلد الأخرين إذن هو موضوع ضخم بالفعل.

لماذا أكتب في الأساس ما يدور بعقلي؟ ولكن لأعترف هذا ليس كل ما يدور بعقلي هي فقط لمحات، أعتبره كخزانة مغلقة وليس لها سوى مفتاحان فقط كقلبي تماماً ولكن أكبر وأهم.

ماذا تريد أن تعرف عني؟
أنا أعشق اللون الأحمر.

تعلم أن حبات السكر الشاردة عن مسارها الطبيعي إلى الكوب هذه أحياناً أرى فيها التمرد، أعلم أنها لا تملك عقل بالطبع ولكن ماذا لو كانت لا تحب النسكافيه !

هل جربت أن تشغل نفسك بأشياء قد تعدّها في الأيام العادية تافهة ولكن فقط كي تريح رأسك قليلاً من التفكير في أشياء إن حدثت بها أحد قد يتهمك ببساطة وتأكد أنك فعلاً مجنون !
مثلاً إلى ماذا تغير أغنية هاتفك النقال، في بعض الأيام يكون هذا الموضوع هو الأهم، يُصبح مشكلة جادة ومصيرية كمجاعة الصومال !
هل تشغل بالك بالصوماليين؟ ماذا يفعل أياً منهم في هذه اللحظة بالظبط الآن وأنت تهدر حبات سكر في اللعب بها أو يمكن كما أفعل أحياناً بتقديمها للنمل حتى لا يموت جوعاً في الشتاء.

أنا سأحاسب عن كل روح تزهق في الكون وأنا أجلس هنا أفكر لماذا لا أستطيع أن أكتب !
اممم .. ربما لأني أحمل الكون على كتفي فأصبحت المهمة أصعب على أصابعي، ضغط أعصاب أو عضلات.
هل رأيت ماذا فعلت هنا؟ أحلت المشكلة النفسية إلي عضلية وأنهيت الموضوع.

هل قلت لك أن النسكافيه هو الرفيق الأمثل للأرق وأن حبات السكر هذه لا تُحب النسكافيه بالفعل وأن النجوم لا تذوب وأن البحر بالفعل غاضب عليَّ دون سبب واضح -بالنسبة لي على الأقل- وأن النمل بدا لي أنه قد أصابه الملل من أكل السُكر ولكني أخشى عليه إدمان النسكافيه ثم يجلس للأرق وهو يفكر لماذا لم نعد نتركه بحاله وهل فعلاً نضغط على البشر ليموتون بسهولة كما نضغط عليه !


ساره عاشور

الأحد، 23 سبتمبر 2012

وداع


جلس على الكرسي أمام المصور وهو يستمع لتعليماته
"اجعل ظهرك مستقياً أكثر ..
ابتسم .. هيا إنها صورة مهمة."
شد عضلات وجهه بصعوبة ليجعل ابتسامته أعرض، من يحمل هموم كهمومه تجعل عملية الابتسام شبه مستحيلة. استقام ظهره واعتدل بجلسته وأعاد أكتافه للوراء. اقترب منه المصور ليحرك ذقنه قليلاً ليبرز الجانب الجيد من وجهه ثم رجع لمكانه خلف الكاميرا ونظر من خلال عدستها ثم نظر له مرة أخرى وسأله: أين ذهبت الابتسامة الآن .. هيا.
فشد وجهه مرة أخرى وابتسم :)

ما كان يدور برأسه هو أهمية تلك الصورة له، صورة لجواز سفره حتى يتمكن أخيراً من الهجرة.
لم يلمح المصور الصبغة الحديثة بشعره لصغر سنه النسبي فلا يتوقع أحد أن شعره الأسود هذا ليس طبيعياً، ولم يلاحظ علامات الارهاق على وجهه نتيجة السهر المطول بصحبة السجائر والقهوة، لا يلحظ المصورون غالباً أشياء كهذه يُهمه أكثر الابتسامة حتى تكون صورة مناسبة لأهميتها عند العميل الجالس أمامه.

عندما علمت والدته بوصول التأشيرة لم توافق على ذلك، لا تريده أن يغادر وطنه .. يغادرها هي ..
تلاعبت بأعصابه بكل ما تملك من أسلحة، هددته أنها ستغضب عليه، ثم أعلمته بمرضها وأنها تملك أيام معدودة عليه أن يقضيها معها. ثم بكت .. دموعها كانت أخر ما تملك، الماء المالح من عينيها والتوسل.

أعاده صوت فلاش الكاميرا ثم تنهيدة المصور لأن عليه إعادة التقاط الصورة ..

"اجلس باستقامة ..
ابتسم ..
أعد أكتافك للوراء قليلاً ..
ثم أشار له بيده ليعيد ذقنه كما عدّلها له هو."

يشد عضلات وجهه فيبستم .. يذهب عقله مع السفر فتذهب الابتسامة عن وجهه.

انزعج المصور وهو يضغط بيده على وجهه: سيكون يومٌ طويل. ثم يتذكر أن عميله مازال في الغرفة فيستدير ليبتسم له ببعض الحرج.
قال له: سأتيك بكوب ماء ولنأخذ راحة 5 دقائق ثم نعيد المحاولة. وتركه وخرج من الغرفة دون أن يشعر فهو كان قد ذهب بالفعل مع تخيله أصوات الطائرة.

أحتاج للمال بشدة وأحتاج أن أبتعد عن هنا أشدّ .. كل ما هو هنا يُذّكرني بها. قال لوادته وهو يسألها رضاها عنه.
طأطأت رأسها وأغمضت عينها لتداري الدموع، ثم رفعت رأسها فيدها واحتضنته وهي تُربت على ظهره بحنان جعله يسقط عميقاً في بحر من البكاء والحنين والغربة.
قالت له: ياولدي أعلم أن ذكراها صعبة ولكنه ليس معقولاً أن تهرب منها، هل تعتقد أنك ستترك ذكرياتك معنا هنا .. هل تظن بأننا جميعاً لن نبقى بعقلك وبقلبك !
ووضعت يدها على صدره وهي تقول الكلمة الأخيرة ثم استكملت: لن نُفارقك، لذلك لا أجد جدوى من هروبك أو سفرك هذا. ستبقى هي معك ولن ترحل لمساتها عنك.
استمر في البكاء في حضن والدته ويعلو بكائه كلما رأى وجهها وتذّكر عينيها التي كان يعشقهما ويتذكر صوتها وكلمة أحبكَ الحانية منها، كانت قادرة أن تُذيب كل همومه عنه بمجرد أحبك وهي مبتسمة له بشقاوة الأطفال.
حاول طردها من رأسه فاعتدل في جلسته ومسح وجهه بيديه ثم التفت لوالدته ووجهه تملئه الجدّية وقال: لا أهرب ولكني فقط أريد بداية جديدة في مكان جديد لا يوجد به ما يُشبهها، هل تعلمين أني أراها في كل شارع مشيت معها به؟
هل تعلمين أني لا أزال أشعر بلمسة يدها على وجهي وأصابعها وهي تملئ الفراغ بين أصابعي؟
ومكان الحادث ياوالدتي والمكالمة المشئومة أني أصبحت روح وحيدة بالعالم !
لن أستطيع أن أحيا هنا وكل الأماكن تعبق بها. مسحت والدته على رأسه وهي تقرأ له القرآن وعندما انتهت ببث قليل من الراحة في روحه كان قد استقر بأمره على السفر وفهمت هي ذلك من نظرة عينه.

فتح عينه ليجد المصور ينظر له وهو يقول: لم أشأ ازعاجك فجعلت الخمس دقائق ربع ساعة كاملة، مستعد الآن؟
ابتسم له واعتدل في جلسته بظهر مستقيم وأكتاف معتدلة وذقن في اتجاه صحيح
وابتسامة غير مشدودة ..

ثم صوت فلاش ..

وداع بمطار وأزيز طائرة ..
ثم أرضٍ جديدة استقبله فيها وجهها الحاني فلم يقدر سوى على أن يبتسم لقدره ..


ساره عاشور

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

كاد يكون ..


مرت بيدها على الفستان الأبيض أمامها، أعجبها العمل المُتقن به والرقة والبساطة التي يُوحي بها. لمعة بعينيها أوحت للبائعة أنها حتمًا ستشتريه فاقتربت منها لتسألها إن كانت تبحث عن شيء معين ثم أمسكت بالفستان الذي أعجبها وأثنت على ذوقها العالي وبدأت في حديث الباعة الذي يبدو دائمًا وكأنه لن ينتهي عن نوع الأقمشة المستخدم ومميزاتها عن غيرها ثم نوع الزينة المستخدمة وأنها مُحكمة الصنع لن تنفرط بسهولة من الفستان كحال البعض الأخر وبقيت تتحدث وتتحدث وهي تقف أمامها تنظر لفمها الذي يتحرك ولا تسمع غير كلمة أو كلمتين من الجُمل وتنقل عينها بين البائعة والفستان الذي بيدها ثم خرجت مُسرعة من المحل وتركت البائعة في حالة ذهول لم تَطول لاقتراب شارية محتملة أخرى ..
أطلقت ساقيها للريح، لا تتذكر ماذا ركبت ولا بمن اصطدمت وليست متأكدة كيف وصلت للمنزل وهي بهذه الحالة التي ظنت معها أنها ستتوه حتمًا وسط الزحام وأمواج البشر حولها.
وصلت لمكتبها وفتحت جهاز الكمبيوتر وانتظرت اكتمال الاتصال بالانترنت ثم فتحت الايميل واختارت اسمه، بعد رؤيتها لما كان يمكن أن يكون فستان زفافها .. جلست تكتب لمن كاد أن يكون زوجها:

"اليوم تأكدت أن الأمل قد ضاع بالفعل ..
لا أدري لماذا أكتب لك الآن وأنا التي أصبحت غريبة عنك .. أنا من كادت أن تكون شريكتك في رحلة الحياة.
فقط مررت بما كان يمكن أن يكون فستان زفافي .. زفافي إليك !
كان وكأنه طُرّز من أجلي فقط ولكن لا يوجد بدلة ستقف بجانبه الآن ..

فقررت أن أكتب لك كل ما كان يجول بخاطري طوال الفترة الماضية. بالطبع لا أعلم أي شيء عن حالك ولا إن كان يُهمك كل ما سأعترف لك به .. نعم هو أقرب للاعتراف من مجرد الحديث أو البوح، أنا سأعترف لك لأغتسل من ذنبي أمامك فأمضي دونه لأكمل حياتي.
أن استطعت اكمالها ..

إخبار كذبة منمقة أفضل كثيرًا من قول الحقيقة مجردة، هذا ما كنت تريد مني فعله وما كنت تريد سماعه وهذا ما نصحني به جميع من حولي. أن أكبت داخلي كُل ما كان ينمو تجاهك لأبتسم بوجهك كاذبة وأخبرك أني بخير كاذبة ويُمكن أن أزيدها بـ أحبك وأيضًا كانت ستكون كاذبة .. كان يمكنني بالفعل أن أقوم بهذه المسرحية ببراعة، بعض النساء تملك قدرات تمثيلية بارعة لن تستطع معها أن تفرق بين الصدق والكذب.
لدي هذه المقدرة على ما أعتقد ولكن ليس لدي قدرة تحمل الاستمرار بها لوقت طويل .. كعمري كله مثلًا.

منذ لحظة دخولك لمنزل عائلتي واعلان خطبتنا ثم دبلتك التي خنقت اصبعي، هل قلت لك من قبل أنها كانت بالفعل تخنق اصبعي؟
هل رأيت آثار الازرقاق عليه؟
بالطبع لا .. كذبة تمت بإتقان.
بعدها ومحاولاتك وعائلتي لدفعي في طريق لا يستهويني، محاولة جعلي زوجة مستقبلية والنصائح التي ملئت رأسي والأشياء التي مُنعت عني أو التي أصبح عليَّ فعلها وفوق هذا كان عليَّ أن أقول لك أنت الغريب عني بكل خلية فيك أنني أحبك !

هكذا بكل بساطة لمجرد أن دبلتك تخنق اصبعي أصبح علي أن أخنق قلبي معه. ولكني حاولت بالفعل حاولت إرضاءً لوالدتي وأحيانًا لك أنت لمحاولاتك المستميتة لإرضائي، كنت أحاول خنق قلبي بدبلتك.
حاولت التعايش في لحظات الفتيات تلك أنني الآن مخطوبة فعليَّ إتقان هذا الدور بكل جوانبه، أغير ملابسي لتتماشى وذوقك أو لوضعي الاجتماعي الجديد وكأني كنت ألبس فقط لجذبك والآن انتهت المهمة ثم أغير ما أفكر به ليصبح المنزل والأطفال ولون غرفتهم وحتى علي أن أغير طريقة مشيتي.

ثم بدلًا عن استكمال ذلك الدور الذي يعيشه الجميع بأن أقف بجانبك بفستان أبيض مبتسمة قررت أن أعيش دور أخر، إرجاع الهدايا لعائلتك والمرور بعاصفة من الرفض من عائلتي وعليّ ألا أنهار.

حاولت بالفعل التماشي مع جانبي الأنثوي الذي كان كالجميع يطمح لكل ذلك ولكن بجانب شخص ينظر له بإنبهار ولا يجعله يتلبس دور لا يليق به. لا يتعايش بحياة لا يطيقها. يكون فقط نفسه.

خلعت دبلتك عن اصبعي ليعود الدم له فيحيا .. ويعود الدم لقلبي فينبض.

أنا قررت أن أكون شجاعة بالنيابة عن كلانا فأنهي هذه المسرحية الطويلة قبل أن تبدأ وأضع نهاية لتعاسة قبل أن تبدأ.
لن أطيل عليك حتى لا أفتح جراح يجب أن تُضمد الآن ..

أقول لك الآن ورغم شبه الانهيار الذي حل بي أنني لم أحبك ومن اعترافي هذا تنتج القوة التي تجعله يقف عند كونه فقط شبه انهيار.
أقول لك الحقيقة مجردة لأن هذا حقك عليَّ ..
أقول لك أنني اكتشفت عدم قدرتي الكاملة على تمثيل الأدوار بإتقان ..
فسامحني .. "

ثم ضغطت إرسال وأغلقت جهاز وذهبت لتنام لأول مرة منذ فترة طويلة نوم عميق.


ساره عاشور

الأربعاء، 5 سبتمبر 2012

كابوس


اه ما هذا الجو البارد؟ وهذا الظلام !
أين أنا؟!

يحاول التعرف على المكان حوله، حاول الاعتدال ولكنه لم يستطع أن يُحرك سوى عينيه فأصابه الذُعر. حاول الصراخ كي ينجده أحد ولكن لا صوت يخرج منه. تجول بعينيه حوله في فزع، بدأ يتأكد أن ما يوجد حوله هنا هو ثلاجة للموتي يظهر ذلك من أبوابها المرصوصة في صفوف فوق بعضها، ثم تلك الأدوات هناك حتماً للتشريح وهذا المكتب هو للطبيب والبرودة التي أشعر بها إما من التكييف الموجود بالغرفة أو المنضدة الملقى عليها جسدي .. ماذا أتى بي إلى المشرحة !!
أغمض عينيه مسترجعاً أخر خطواته ثم فتحهم فجأة وسؤال يُلح على عقله، هل أنا ميتٌ إذاً ؟!
أغلق عينه وأحس بدمعة منحدرة على وجهه ففكر: لا يوجد جثة تبكي !
تلفت حوله بعينه يبحث عن الطبيب، هل هو هنا؟ هل رأي تلك الدمعة؟! أنا لست ميتاً !
لو فقط أستطيع التحدث لقلت ذلك لهم فيتركوني دون عذاب.

أغمض عينيه مرة أخرى ..

فتحهما ليجد نفسه على سرير بمستشفى وأجهزة عديدة متصلة بجسده وقناع الأكسجين فوق وجهه لذا مجدداً لن يستطيع التحدث، تنفس عميقاً بارتياح فحتماً وجوده بالمشرحة هذا كان حلم لا أكثر ولكن ماذا أتى به إلى هنا الآن !
لا يشعر بأي وجع وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يُحرك أياً من ذراعيه أو أقدامه فلا يُمكنه نزع هذا القناع ولا يُمكنه سؤال أحد عن سبب وجوده هنا ولا ماذا به ومرة أخرى هو بحالة غريبة لا يدري لها سبباً لا يستطيع التحرك ولا يوجد أي أحد حوله !

أغمض عينيه لتأخذه من هذا المكان ..

فتحهما ..

وجد نفسه في مكان ضيق وسواد حالك يُحيط به يجلس في وضع جنيني لضيق المكان ركبتاه ملتصقتان في صدره، أمامه باب صغير مد يده إليه ودفعه ولكنه لا يتحرك .. ضم يده لتُشكل قبضة وراح يضرب بها على الباب ولكن لا مُجيب ..
أصابه الرعب من المكان الذي يوجد به عندما تذكر أنه قبل ذهابه في نوبات السُبات تلك، فتح عينه ليجد نفسه في مقبرة !

شخص حي محبوس بمقبرة مخيفة حيث لا صوت سوى السكون الذي يطبق على العظام ولا يوجد سوى هواء خانق تملئه رائحة الموت ودقات قلبه الذي يكاد ينخلع من صدره يظن أنها ستصم أذنيه ..

ظل يضرب بيده على الباب وينادي بعلو صوته: أنا حي !! هنا شخص حي .. أغيثوني .. ولا مجيب.
مئات بل ألوف من الأفكار والذكريات تتدفق على مخه وكل خلية عصبية تعمل بما يفوق طاقته فشعر وكأن مخه سينفجر، يحاول أن يعرف ماذا كان يفعل قبل أن يصحو في هذا الكابوس ثم سأل نفسه في حيرة هل يصحو أحد في كابوس أم هو من الأشياء التي تجعلنا نهرب من النوم، منها ؟!
فحاول أن يُغمض عينه مرة أخرى لعله تُفتح فيكون بسريره وكل هذا ما هو إلا كابوس مرير ولكن حتى النوم هرب منه على عكس ما أراد هو .. هرب النوم من هذا الكابوس ولم يستطع هو الهروب ..

تمكن منه الاعياء أخيراً وراح في غيبوبة عميقة بلا أحلام ولا كوابيس ..

لا يعلم كم مر به من وقت حتى فتح حانوتي هذه المقبرة ليجده مكوماً بجانب الباب في حالة شديدة من الجفاف، فزع الرجل من الخطأ الذي حدث وعندما تخيل كم الرعب الذي حتماً مر به هذا البائس حتى ملأت القشعريرة أنحاء جسده وخرج مُسرعاً يطلب من أي حد يقابله في وجهه أن يطلب الاسعاف وهو يُتمتم بآيات قرآنية عديدة مختلفة لا يدري كم منها كان صحيحاً ..

فتح عينه مجدداً ليجد نفسه على سرير في مستشفى وأجهزة متصلة بجسده وقناع أكسجين معلق بوجهه، تملكه رعب مرة أخرى. قرر ان يختبر جسده فحاول رفع يده ليزيل القناع عن وجهه ويُنادي على أحدهم ووجد يده تتحرك بسهولة فتنهد عميقاً ولكن لا يعرف أياً من هذه الأحلام التي راودته كان صحيحاً .. بحث حوله حتى وجد زر استدعاء الممرضة فجائته وهي فرحة لاستيقاظه أخيراً فقد ظن الأطباء أنه سيبقى طويلاً بهذه الغيبوبة. فسألها عما لحق به فهربت من السؤال بأن قالت له أن أحد الأطباء سيشرح له ما حدث ولكنه الأن عليه أن ينام ويرتاح قليلاً حتى يستعيد جسده عافيته. ولكنه خشي إغلاق عينه مجدداً فيخرج من هذا المكان فألح عليها أن تقول له ما حدث فخرجت وعادت ومعها الطبيب الذي قابله بابتسامة وهو يقيس له نبضه وينظر لكل الأجهزة حوله ليتأكد من أنه في حالة أفضل الأن ثم سأله: ماذا حدث لي؟ ماذا جاء بي هنا؟
فهز الطبيب رأسه في أسى وقال له: فلنبتعد الأن عن هذا الكلام يجب عليك الراحة.
فقال له: أرجوك أخبرني أخشى أن أغلق عينيا فأصحو في مكان أخر.
فقال الطبيب: كنت في عملك وجائتك نوبة قلبية وعندما وصلت لغرفة الطواريء كان قد توقف قلبك، لم يبذل الأطباء كل الجهود المطلوبة في مثل هذه الحالات لقلة الامكانيات ولم ينتبه لحالتك الممرضين أو الدكتور المتواجد بالمشرحة.
فهي فعلاً حالة عجيبة لا نقابلها كثيراً ولكن نحمد الله على نجاتك من كل ذلك .. حتماً قد هدك الرعب.
الأن أنت بخير ولكن فقط لن تستطيع التحرك على قدميك وسنرتب لك مع طبيب نفسي ليُزيل عنك أثار هذه الحالة وتم ترتيب كرسي متحرك لك.
فقال: قدمي ! الاثنان؟
هز الطبيب رأسه بالموافقة.
فقال: هل لي ببعض مسكن الأن حتى أستطيع النوم دون كوابيس ....


ساره عاشور

السبت، 1 سبتمبر 2012

وجهان


وجهان يشتركان في درجة اللون الخمري، يشتركان في الابتسامة التي تحمل من الحزن أكثر مما تحمل من السعادة وتشتركان في عينين تصرخان من الوحدة .. ويشتركان في تحملهما للحزن والوحدة بقوة تبدو كثيرًا في ملامحهما.

ولكن يختلفان في سن كلٍ منهما. إحداهما مُقبلة على الخمسين والأخرى في الخامسة والثلاثين.


يشتركان في أنهما يملأن منزليهما بأصوات الموسيقى والأغاني لتعطيهما الاحساس بالونس بأن هناك من يتحدث في أرجاء المنزل غيرهما. احساس مؤقت بالرفقة وشعور عابر بالامتلاء.

35:
تقضي لياليها دائمًا بجانب جهاز الراديو تستمع لبرنامجها الليلي الذي يُناقش المشاكل العاطفية، هو الآن المُفضل لديها ولكنها سابقًا كانت تسخر من مُقدمه وطريقته في التحدث ومن المتصلات ومن الفكرة كلها، لم تكن تؤمن بأنه حقيقي لا يوجد من هو على هذا القدر من الوحدة ليتصل ببرنامج اذاعي ويشكو وحدته أمام -من يعلم كم عددهم- المستمعين ويطلب الاستماع لأغنية محددة لتعطيه الاحساس بأن هناك من يهتم لأن يُعطيه ما يطلب كما يطلب ويُسمعه ما يُريد أن يسمع .. الآن عرفت كم وحدة هؤلاء للجوء لهذه البرامج فقررت أن تهاتف البرنامج لتعتذر لهم جميعًا.
- هي: ألو .. ممكن أتكلم على الهواء؟
- المُعد: طبعًا حضرتك ممكن بس ياريت اسمك وبياناتك.
-هي: اسمي .... ، رقمي ......، أي حاجة تانية؟
- المُعد: لا كده تمام، حضرتك هتستني معانا شوية وبعدين تبقي ع الهوا المكالمة هتكون مش أزيد من دقيقتين وأي كلام خارج من أي نوع هيتقطع عليكي الخط فورًا.
- هي: أكيد طبعًا، متخافش .. مستنية.
بعد دقائق ...
- المذيع: معانا اتصال هاتفي، نقول ألو
- هي: ألو .. ممكن أشارك مع حضرتك؟
- المذيع: طبعًا حضرتك مشتركة معانا يااستاذة ....... اتفضلي
- هي: (تبتسم) شكرًا .. أنا مش هاخد من وقتك كتير، كنت بس حابة أعتذر لحضرتك وكل مستمعينك لأني من سنة تقريبًا كنت ببص للبرنامج واللي بيشتركوا فيه بسخرية واستهزاء وكنت فاكرة إن الموضوع كله حاجة مُدبرة عشان تملوا وقت الهوا لكن أنا دلوقت عرفت إن فعلًا فيه ناس وحيدة في العالم برة .. غيري .. وإننا كلنا محتاجين لونيس زي برنامج حضرتك. أنا أسفة (بصوت مجروح يكاد يبكي) أنا فعلًا أسفة ..
- المذيع: (على درجة من الاستغراب من الموقف كله فيضحك للتخفيف عنها) حضرتك شكرًا طبعًا لتصرفك الراقي ومفيش داعي للأسف فيه ناس مش بتعرف ايه موجود في العالم غير لما تجربه. تحبي تسمعي ايه معانا؟
- هي: (تحاول أن يبدو صوتها رائقًا) اممممم .. ممكن أغنية صباح ومسا لفيروز؟
- المذيع: ممكن طبعًا وأحب أشكرك مرة تانية على مشاركتك معانا وتقدري تتصلي بينا في أي وقت .. و دلوقت هنسمع صباح ومسا لفيروز ونقول لصديقة البرنامج الجديدة ...... : كلنا سوا .. مفيش حد لوحده.

أغلقت الهاتف واحتضنت المخدة وابتسمت وهي تستمع لفيروز ومنتشية باحساسها أنها وجدت من يُلبي لها طلبها.


الأغنية موجودة بالفعل في قائمة أغانيها المفضلة التي تستمع لها يوميًا، لا يوجد أي احساس بالانتصار لأنها أخذت شيء جديد ولكنه ذلك الاحساس أنك طلبت شيء محدد وبسيط وتم الاستجابة لطلبك هكذا بكل بساطة دون أي نقاشات مطولة عن جدوى طلبها لشيء موجود عندها بالفعل أو السؤال عن ماذا ستكسب من وراء ذلك !
احساس كانت تفتقده في زواجها الفاشل فكل حركة وطلب يجب أن يمر أولًا بنقاشات وجلسات ويمكن بعد استنزاف أعصابها في هذا كله أن يُصدر زوجها قراره بأن هذا مجرد مضيعة للوقت و"أنها تافهة وطفولية !"

"صباح ومسا .. شي ما بينتسى
تركت الحب وأخدت الأسى
لعل وعسى، اترك هالأسى
ويرجع لي حبي .. صباح ومسا"

ما إن انتهت الأغنية حتى كانت استسلمت للنوم واحساس الانتشاء هذا يغمرها .. راحة مؤقتة كانت تفتقدها ..

50:
تقضي الليالي ساهرة وظهرها محني فوق ماكينة الخياطة الخاصة بها، شهور طويلة وهي تقصقص أقمشة وترسم "باترونات" وتختار موديلات للفستان المثالي لابنتها. كل ليلة تقيس محيط الصدر وتُعيد قياس محيط الوسط وتُعلم هنا للقص وتضع دبوس هناك كعلامة للزينة وهنا بالظهر سيكون الشريط الأبيض الذي يشد "الكورسيه" ليكون الفستان المثالي بحق.

كل ليلة تتبع تقريبًا نفس الخطوات، ترفع رأسها للحظات لتغمض عينها عند مقطعها المفضل من أغنية "أم كلثوم" وتسأل نفس السؤال: "ومين بيحس يا ست؟!" وتبتسم نفس الابتسامة عند نفس الاجابة ثم تتنهد وتنحني مجددًا لتنتهي من عملها المثالي المنظم ..

كل ليلة تجمع ما تنتهي من عمله لتضعه بخزانة الملابس، تضعه بحرص واهتمام فوق ما يسبقه من أعمالها المثالية المتقنة وتبقى لدقائق تتأملها والدموع بعينها. وتمسح فوق الفستان بيدها ليضيع أي أثر لأي انكماش بالأقمشة فكل شيء يجب أن يكون مثالي لابنتها. ثم تنادي عليها، تنادي باسمها وترفع رأسها وتغمض عينها وتجهش بالبكاء لما تكتشف أنها وحدها وأن تعبها كان بلا طائل وأن ابنتها ليست هنا ولن تقيس فستانها المثالي.

تبكي نفسها حتى النوم .. كل ليلة ..

لتصحو بالنهار على صوت الهاتف من ابنها الذي يتصل بها يوميًا بنفس الموعد ليطمئن عليها وأنها تأخذ كل أدويتها في مواعيدها فهو لا يُريد أن يذهب للبحث عنها مجددًا فيخسر مجددًا في عمله.
فتطمئنه أنها بخير وأن أدويتها في مواعيدها اليومية كما يؤكد عليها كل يوم، ثم تبتسم وتقول: أو ممكن تيجي تتأكد بنفسك !
يتنهد بعصبية مكبوتة: ماما مش هقدر أجيلك، كل يوم هقولك نفس الكلام؟ وبعدين كفاية خياطة، نظرك هيروح !
فتحبس دموعها وأهاتها التي أحست بها تحرق صدرها: حاضر ياحبيبي. سلام دلوقت.
وتغلق معه الهاتف لتذهب للتأكد أن كل الفساتين موجودة بمكانها ولم تأتي ابنتها لتأخذها وهي نائمة ولم تشعر بها.
تفتح لحارس العقار الذي يأتي لها بالغداء يوميًا بعد مكالمة ابنها.
تجلس .. تأكل .. ترمي الأدوية ثم تذهب لتأتي بالأقمشة التي تحتفظ بكمية كبيرة منها بعد أخر مرة هربت بها من حصار ابنها عليها.

وتنصت باهتمام عند مقطعها المفضل من أغنية أم كلثوم ..

"أنساك، ده كلام
أنساك، ياسلام
أهو ده اللي مش ممكن أبدًا ولا أفكر فيه .. أبدًا"

وتضحك عندما تسمع من ابنتها اجابتها المفضلة: حلو الفستان قوي يا أحلى أم في الدنيا ..
لتتنهد وتحني رأسها مجددًا لإستكمال الفستان ..


ساره عاشور

الجمعة، 31 أغسطس 2012

بُخل


عشر سنوات هي فترة عشرتها معه.
عشر سنوات بين خطوبة ثم زواج وأطفال ولم تقف تقرأ حقيقته سوى الآن !
تأخرت، لم تتأخر لا تستطيع أن تُرجح أياً منهم.
وبعد تجمع كرة الثلج هذه داخلها قررت الآن اطلاقها والتحرر من عبئها ..

جائها كأي عريس يذهب بوالدته ليتبضعان "عروس" المستقبل، يدخلان المنازل للبحث عن "وش القفص" كما كانت تصف والدته هذه العملية. يمر بحالة ضيق نفسي كلما هَمْ بدخول منزل جديد ليجلس مع عائلة جديدة ويخوض نفس الأحاديث المُكررة ويرسم على وجهه نفس الابتسامات .. وما كان يعني أي كلمة من حديثه ولا يعني أي ابتسامة باهتة حدث أن ظهرت على وجهه في وقتها المناسب تماماً. وما فكر يوماً بالحالة النفسية التي تمر بها الفتيات اللاتي ذهب لهن ولم يعد .. لا يهمه سوى نفسه وما يريد.
كان يهمه أن يخلص سريعاً من هذا الصداع الاسبوعي وأن تُسرع والدته في أن تجد له من تناسبه.

أول ما رأته من عيوبه هو اعتماده على والدته كثيراً وخشت على حياتهما معاً من ذلك، فهناك الكثير والكثير من الحكايات المتداولة عن الحموات وخصوصاً المتحكمات من هن. ثم كانت تلاحظ عليه البخل، لم تتأكد من ذلك غير بعد فترة ولكن كان يظهر على ملابسه رغم عمله ذو الراتب العالي أنها مهملة ولا تليق ..
وأبدت اعتراضها وقالت لوالدتها كل ما رأت من عيوب ولكنها لم تنصفها لأنه وحيد والدته ولأن"ضل راجل ولا ضل حيطة .. والبنت ملهاش غير بيت جوزها .. وإنتي خلاص هتنعسي هنا خلينا نخلص بقى ونشوف اخواتك." وانتهى النقاش بأن تم اعلان الخطوبة ثم سريعاً تم الزواج وكأنهم لم يكونوا يريدونها أن تكتشف شيئاً.

لكن كان هناك بعض اشارات، مثل رسالته الدائمة "من فضلك، كلمني .. شكراً" لا تُكلفه شيء وتعنى أنه حان وقت مكالمتهما الروتينية اليومية .. مثل هداياه التي كانت تصفها لوالدتها أنها "ناشفة مثله".

بعد الزواج علمت أنه سبق له الفشل في خطوبتان سابقتان ولكن لم يقول لها السبب فرمى كل المشاكل التي حدثت على البنات وأمهاتهن فهن لسن هنا للدفاع عن أنفسهن ..

بعد مضي عام ومعرفتها بخبر حملها وتأكد شكوكها حول بخل زوجها الذي وضح لها كثيراً وتأكدت كل الاشارات في كل المناسبات التي لحقت زواجهما .. كانت تواسي نفسها بأنها ستنشغل بمولودها الأول عن زوجها وسيبعدها عنه وعندما كانت تفكر في ذلك الحوار مع والدتها وكيف أنها اعترضت على أن والدته هي التي تُدير له حياته لم تلحظ وقتها أنها هي أيضاً تركت لوالدتها ادارة أهم قرار في حياتها وها هي الآن "متدبسة !" ..

لم تكن حماتها كما توقعت بل كانت حنون على عكس زوجها الذي يصل بُخله لمشاعره فتعوضها والدته عن هذا النقص فحمدت الله أنهما يُكملان بعضهما وإلا لكانت رجعت لأهلها بوصمة الطلاق بعد شهرين من الزواج ..
وزاد حنانها عليها بعد علمها أنها سترزق بحفيد أو حفيدة لم يهمها النوع حد اهتمامها بوجود كائن صغير لتعطيه الكثير منها قبل أن تذهب عن عالمه ..

الآن بعد سنوات ووجود طفلين معها، قررت أن تطلب منه الطلاق .. والدته توفت فانتهى ما كان يربطها بهذا المنزل الكئيب.

الآن تلملم ذكريات السنوات وتترك "ضل الراجل" الذي لم تجده لتعود لـ"ضل الحيطة" التي تخلصت منها ضد ارادتها.
تأخذ أولادها لتُشبعهم بعيداً عن بخل والدهما الذي أحست وكأنها باتت تقلده ألا يقولون في الأمثال الشعبية "من عاشر القوم 100 يوم صار منهم !" ما بالك بـ 10 سنوات ! حتماً باتت تحتفظ ببضعٍ من عاداته تحت جلدها رغماً عنها، كانت والدته تقف بينها وبين بخله وبين أن تكتشف هي نفسها كم صارت بخيلة معه؟ كيف تحملت جفافه طوال سنوات وهي تحاول أن ترويه ولكنه لا يشبع ولا يُعطيها !

ولكن ما تراكم طوال سنوات داخلها كان سيأتي له اليوم لينفجر .. و الآن حانت لحظة انفجارها علها تكسر بُور أرضه في طريقها لخارجها.


ساره عاشور

الاثنين، 27 أغسطس 2012

متاهة



"أكل العيش مُر"

يقولون أن دوامة الحياة تأخذك بعيداً عن الواقع، "العيشة" تختلف عن الحياة. أن تبحث عن مال وأشياء هي دونيوية بحتة في عالمنا المتحضر الآن يسحب منك تدريجياً احساس الحياة أو الرغبة فيها ..
يرسمون لك دوائر المتاهة المعيشية ويلقون بك فيها حتى إذا ما حاولت أن تخرج منها للحياة فشلت، تعتاد عليها وعلى كل ما يجري لك بها حتى تنسى ماعاداها.

دخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ظناً منه أنها ستفتح له شلالات من الأموال، كان دوماً ما يسرح ويذهب بعيداً في أحلام اليقظة عن هيئته بعد التخرج، الملابس الأنيقة التي ستلفت نظر الفتيات نحوه دائماً، يمشي و أعينهن معلقة به. ويبتسم في زهو.
تذكّر وابتسم وهو يقوم بتقطيع الكميات الكبيرة من البطاطس أمامه في مطبخ السجن. ما كانت أحلامه لتقوده لهذا المكان حتماً ولا هذه الكلية التي يعتبرونها كلية قمة يكون مصير أحد خريجيها هو الحبس !

لم يكن من عائلة مرموقة تضمن له العمل في هذا المجال، عند نجاحه بالثانوية حمد الله أنه لا يوجد شروط تمس وضع العائلة اجتماعياً مثل تلك الموجودة بكلية الشرطة أو الكلية الحربية. كان يتمنى أياً منهما ولكن هذه ليست بالشيء السيئ بل يمكن أن تكون أفضل من الكليات الاخرى تلك.
عند تخرجه لم يجد أي عمل سوى سائق سيارة أجرة .. هو المتخرج من كلية قمة يعمل سائق ! اعترض والده عند علمه. ولكنه لم يكن بيده أي حيل أخرى وإلا لن يتمكن من المعيشة فهو لن يرضى لنفسه أن يكون عالة على والديه.
سلم أمره لخالقه ومضى في هذا العالم الجديد.
في البداية كان متحفظاً دوماً مع ركابه أو ضيوفه كما أحب تسميتهم. لم يُحب أن يتدخل بنظرات أو كلام في شأن من معه حتى لو كانت بضع جُمل عامة كعادة السائقين دائماً. ثم بعد فترة أحس أن هذا الوضع يبعث عليه الملل ويُبقيه صامتاً فترة طويلة جداً من يومه وعقله ممتلئ بكل أنواع الكلام للدرجة التي أحس معها أن الكلام سيتعفن إذا لم يخرج وساعات عمله الطويلة تمنعه من أي مقابلات اجتماعية أو جلسة على مقهى مع أصدقائه يُفضفضون فيها بكل ما في أنفسهم من لعنات واعتراضات على المجتمع بكل ما فيه، عن الرغبات التي تتوحش داخلهم دون أن تجد من يُلبيها لهم. الزواج متنفس لا نقدر عليه، قال أحد أصدقائه وتبعه الأخر بتعليق: حتى وإن كانت "نكدية" يكفي أن تتخلص من الشحنة بها فيخف الحِمل عن كاهلك. وضحكوا رغم سخافة التعليق فهي الحقيقة التي يعيشونها، كبت بلا مخرج.

قرر أن يصبح كباقي السائقين يبعث بهمه لضيوفه داخل السيارة، فبدأ يتحدث مع أي راكب في أي شئ. تغيرات البشر واتجاه طباعهم نحو الأسوأ كان الاطار الذي تقريباً لا تخلو منه أي محادثة. يشتكي ويشتكون، يحاول أن يضحك معهم أو أحياناً عليهم فهو المحبوس داخل هذا الصندوق فوق أربع عجلات تدور به حول مختلف الأحياء والأصناف من البشر نمت لديه قدرة على التحليل النفسي لمن حوله وبالتالي الترفع دوماً عن المجتمع الهلامي الذي يوهمون أنفسهم بكماله !

فتح عينه على صوت تنبيه من هاتفه، بصعوبة جسد هده التعب مد يده وأمسك بالهاتف ليجد أن الساعة تُعلن له ميعاد بدأ رحلته اليومية بشوارع ما عاد يطيق ما يعج بها من بشر إما يظنون أنهم فوق هؤلاء الحثالة من حولهم أو يعلمون بأن الأخرين يفكرون فيهم كحثالة.
فتح عينه ونظر للتاريخ ليُدرك أنه اليوم أتم عامه السادس بعد التخرج وعامه الخامس في عمله المُرهق .. واليوم هو اليوم الـ 100 الذي لا يصحو فيه على الصوت الحنون لوالدته ولا الابتسامة الطيبة لوالده على مائدة الافطار. اليوم هو فقط أحد أيام وحدته المستمرة.
فتح عينه وطرد من رأسه الأصوات المتكررة لأقاربه بأصواتهم المتدخلة في شؤونه وطلبهم المُلّح عليه ليتزوج ..

الآن يصحو على أصوات زملائه في الحبس إما يتشاجرون أو يتسامرون أو يتحدثون عنه ونظراتهم تأكله لأنه يجالسهم فهو إذن يتعالى عليهم وهو مثلهم هنا .. كلهم هنا متساوون حتى وإن كان الشر له درجات.

تريد أن تعلم الآن ماذا أتى به لهذا المكان؟

أحد أيام جولاته وهو ينعطف داخل شارع توقف فجأة عندما لمح رجل عجوز ملقى بوسط الشارع غارق في دمائه. ذهل لوجوده هنا وحده ولا أحد بالشارع غيره، الوقت متأخر جداً ولكن هذا يُزيد من فرص سماع الناس لصوت ارتطام كائن بشري بكتلة حديدية .. نزل من السيارة ليُلقي نظرة عليه ليعلم إذا ما كان حياً ليأخذه لأقرب مستشفى أو ميتاً فيتركه مكانه ويذهب بعيداً عن المشاكل. 

ولأنه هو من يملك حظاً عاثراً في هذه الدنيا وهو من تم إلقائه في المتاهة التي أعجبته فلا يُريد أن يخرج منها ولا يُغير بها أي شيء .. لأنه هو من نسى ما معني أن يحيا سوى أن يتجول بسيارته حول من يحيون.

هو تم القبض عليه بتهمة قتل رجل عجوز بالسيارة الأجرة التي يقودها في وقت متأخر من الليل ثم أتته الجرأة أن يترك الرجل غارقاً في دمائه ويذهب أو هكذا شرح الشاهد لوكيل النيابة أمامه وسط محاولات بكاء على حظ الرجل العاثر الذي ذهب لخالقه الذي سيكون به رحيماً عن هذا المستهتر بأرواح البشر.
هو من قضي الشهور الأولى بمحبسه يصرخ ببرائته ومن حوله يضحكون باستهزاء لأن هذا الصراخ هو المُعتاد في الفترة الأولى من الحبس.

وهو من يقضي أيامه الآن يقوم بتقشير البطاطس متأملاً الأثر الذي يتركه السكين في حبة البطاطس ويتعجب لأن سيارته ما كان عليها أي أثر يُوحي بإرتكابه أي جريمة ولكنه الفساد في هذا العالم الذي صار له فترة يترفع عن الحياة به ويكتفي فقط بمشاهدتهم.

ومع أخر حبة قام بتقشيرها فهو تعود أن يؤدي الأعمال الموكلة له دائماً على أكمل وجه، حتى قام بقطع شرايين يديه بالسكين وهو يتأمل هذا الأثر الذي يتركه السكين بيده دون فساد يمحوه أو يغير في هيئته.


ساره عاشور

ما بعد الغياب .. جزء ثالث

تأتي لحظات ما بعد الغياب الأولى بمشاعر حادة في كل اتجاه .. يُصبح كل احساس وكأنه تحت عدسة مُعظِّمة تُعطيه ما يفوق حجمه بمراحل. فتستهلكنا قوتها لننهار في أخر خطوطها لنصل إلى حد اليقين ..


كان كل احساس بداخلها أكبر مما كان عليه في الأصل بعشرات أو قل مئات المرات .. الذكريات السعيدة تطير بها أكثر عن ذي قبل وكل حُزن تشعر به وكأنه سيكسر أضلعها، الضلع تلو الأخر في بطء وتلذذ بصراخها ..
وغاب عنها وسط المشاعر التي تعصف بها أن تشعر بالراحة .. فلا راحة لها الآن لا راحة لها قبل أن تنزل بقدمها أرض الواقع وحيدة دون أن تتعكز عليه ..

....

بقى هو ينظر لهاتفه كل 10 دقائق بعد أن جائه إشعار أن رسالته قد وصلتها أي أنها قد فتحت هاتفها و انتظر رداً منها وعاد لقراءة رسالته وكل مرة يقول لنفسه أنه كان يمكن أن يُعبر عما يُريد بطريقة أفضل ويجد الكلمات ترتسم أمامه بعد أن كانت قد هربت وقت أن احتاجها ..
في المرة العشرون التي يمسك بها الهاتف قرر أن يُجرب الاتصال بها فسمع الرسالة المسجلة التي يكرهها كُل من يتأرجح على أرجوحة الانتظار "الرقم الذي طلبته ربما يكون مغلقاً من فضلك حاول الاتصال في وقتٍ لاحق"
وضع هاتفه على المكتب بعصبية وأمسك بعلبة سجائره وأشعل سيجارة وهو ينظر لصورتهما معاً، يقف أنيقاً مُبتسماً وهي بجانبه تنظر بكل الحب نحوه.

كَره أنه اعتبرها أمراً مُسلماً، فدائماً ستكون موجودة بجانبه ودائماً تحضر عندما يحتاجها ودائماً ستعتني بكل جراحه وانهزاماته وتَصلب ظهره ضد عواصف الحياة. دائماً هي أمامه ومعه حتي أهملها وأهمل حُبه لها حتى كان أن تركها بلا أي اعتبار لما كان ..

و كَره تأخّر تحذير هذا الصوت له بأنه يتوجه نحو طريق طويل ولكنه مسدود سيعود منه حتماً ولكن وحيداً ..

كان يلح على عقله ذكرى أخر لقاء بينهما حينما احتضنها بقوة عند وداعه لها وكأنه كان يعلم داخله أنها أخر مرة للقائها.

جلس يدخن ويفكر كثيراً بشكل متداخل بين لقائتهما وبين حالها الآن: آه .. كيف هي الآن !

----

أمسكت بالهاتف بعد أن قررت أخيراً ماذا ستقول له. اتصلت به وعندما سمعت منه "ألو" بدأت في كلامها دون أن تنتظر منه أي اجابة قالت له: تفتقدني وتنتظرني !
طبعاً تنتظرني فمتى لم تلقاني وقتما تريد، تفتقدني فمن كان يهتم لأمرك سواي !
حاولت أن تبدو متماسكة بقدر الامكان وألا تعطيه فرصة للتحدث، سماعها لصوته الذي يبدو عليه الانكسار سيذيب حواجزها.
أخذت نفس عميق ثم قالت: نحن انتهينا، لا تعاود الاتصال بي أبداً في أي وقت .. انتهينا.
وأغلقت الهاتف سريعاً ثم نظرت له وبقيت تبكي في مكانها.


ساره عاشور

الأحد، 26 أغسطس 2012

شيطان


- سلسلة من القرارت الخاطئة هي ما أتت بي إلى هذه اللحظة وهذا الكرسي الآن !
كان يفكر وهو ينظر حوله يتفحص الغرفة، ثم ينظر للأصفاد الحديدية حول يديه. وهو يعلم أنه الآن مقضياً عليه لا محالة.

وحيداً على أحد الشواطيء العامة بالاسكندرية كان يجلس بصحبة سجائره وصوت الزحام من حوله وأمواج البحر التي تعلو فوق كل صوت أخر يصل لأذنه.
ينفث الدخان في الهواء وهو محدق بالبحر ورأسه يكاد يلفظ كل ما به خارجه لكثرة الزحام، يسمع أصوات صراخ والدته ثم أصوات متداخلة بين بكاء ونحيب ثم تهديد .. رجال ونساء وكأنهم استعمروا عقله !

رؤيته للأصفاد بيده عادت به لليوم الذي أتى به بهدية فضية لمن كان يتمنى الزواج بها، اسورة فضية ألبسها إياها وهو في قمة سعادته لقدرته أخيراً على تجميع بعض الأموال كي يأتي لها بهذه الهدية الكبيرة في نظره والعادية بنظرها.
لم يعر انتباهاً لتقليبها شفتها في أسى على حظها العاثر، فرحه كان يكفي أن ينوب عن اثنين.
ترددت في أن تقول له على الهدايا التي تأتي لابنة خالتها من خطيبها العامل الذي يكسب المئات من الجنيهات أسبوعياً، هو شخص غير شريف في عمله ولكن لا يهم هذا بالطبع أمام بريق الهدايا المستمرة في التدفق عليها وعلى أهلها والكافية للمكالمات التي تُشعل النيران في قلبها غيرة من هذه القريبة القليلة الجمال مقارنة بها والسعيدة الحظ، ربما الجمال والحظ متضادان !

أصوات نسائية بدأت تعلو حوله على الشاطيء أعادته وسط المعركة مع عائلته كي يُجبرهم على القبول بمن اختارها كشريكة لحياته، اعترضت والدته على اختياره: هي فتاة لعوب وأنت طيب. قالت له، ثم استكملت: لا تعرف أنت كم يمكن لعدم الرضا هذا أن يُدمر حيوات عدة، التذمر من كل شيء لن تستطع أن تتحمله يابني صدقني .... أنا أدرى بالنساء عنك !

أعاده صوت دخول أحدهم الغرفة إلى الأصفاد بيده والمكان الذي يتواجد به، نظر للشخص الذي جلس أمامه نظرة خالية من أي مشاعر لا ترقب ولا ذنب على ما فعله.
سأله المحقق عن سبب ارتكابه لجريمته وتبع سؤاله بقوله: يمكن لنا أن نفهم أن تقتل والدتك لاعتراضها على فتاتك أو قتلك لفتاتك لخيانتها لك فلن تكون الأول الذي يفعل أياً من هاتان الجريمتان ولكنك الأول الذي يفعلهما معاً، فلماذا؟!

ابتسم في سخرية ممتزجة بمرارة وطلب من المحقق سيجارة.
أشعلها له المحقق ثم عاد للجلوس في كرسيه منتظراً حديثه. توقع منه إلقاء اللوم على أشياء عديدة منها بالطبع القتيلاتان. دائماً ما يبحث المجرم عن شيطان تلبسه وقت تأديته لجريمته دون أن يعترف أنه هو نفسه هذا الشيطان.

نفث دخان سيجارته وهو مغمض عينيه محاولاً تذكر أصوات البحر التي كان يسمعها في أخر مرة استمتع بها بسيجارة وهو حر. كان دائماً ما يقول له الناس أن البحر خير أمين للأسرار فهو يستمع لأحاديث الناس الملقاة بانعتاق على شاطئه ويأخذها بعيداً بأمواجه لتختلط كلها ببعضها وتغسل بعضها البعض لكنها لا تغسل روح من تخلى عنها للبحر. 
فكر أن يُلقي باللوم على البحر، فهو لم يكن أميناً بالشكل الكافي وإلا ما انتهى به الأمر في هذا المكان !

قال للمحقق: اللوم على الشيطان بالطبع.

وما كاد المحقق يبتسم لرجاحة نظرته وتوقعه، حتى أكمل هو حديثه قائلاً: الشيطان الذي هو أنا !
فأنا لن ألوم فتاتي ولن ألوم الظروف المحيطة بي التي لم تُمكنّي من الاتيان بالمزيد من الأموال حتى تملأ عين هذه العاهرة الطماعة !
ولن ألقي باللوم على والدتي التي لم تقبل بمساعدتي ببعضٍ من ذهبها واكتفت فقط بالاعتراض على اختياري وعلى قراراتي الخاطئة دائماً وارتباطي بهذه المتذمرة التي لن يملأ عينها شيء أبداً .. أبداً فعلاً !

سنحت لي فرصة التخلص من كُل الأصوات المهددة والصارخة والباكية وأحسنت استغلالها. لم أهرب ولن أنكر جريمتي.
لن ألوم أي شخص سواي .. فأنت تبقى تأخذ القرار الخاطيء تلو الأخر وتتمسك به حتى مع ظهور ما يُوضح لك خطأه ثم تدافع عنه وتبقى السلسلة مستمرة حتى تنسى كيفية اتخاذ قرار صحيح في الأساس !

أنا قتلت والدتي فمات أخر من سيحبني على وجه الأرض وقتلت فتاتي أخر من أحببت أنا على وجه الأرض ولا يبقى سوى انتظار اللحاق بهما .. فأرجوك قُمْ بشَنقي !


ساره عاشور

الخميس، 23 أغسطس 2012

الانتظار



وقفت في المطار بلهفة تنتظر والدها، 20 عاماً لم تراه خلالها. 20 عاماً تفتقد فيهم سندها، تفتقد نصيحة الأب وتفتقد وجوده. 20 عاماً حاولت فيهم أن تحافظ على كل ما يحمل رائحته بالمنزل. ما ترك من ملابس، من عطره المفضل والصور القديمة التي كانت تنام وهي تحتضنها بين عينيها وتحفظ حكايات والدتها بالحرف والفعل والابتسامة بقلبها.
20 عاماً لا يملك هو فيهم سوى تلك الصورة لها وهي تبتسم ببراءة طفلة ذات عامين لوالدها وهو يعطيها لعبتها، اللعبة التي لا تنام سوى وهي بين ذراعيها.
20 عاماً تمتلك هي مرجع واضح لشكله فهو لن يتغير كثيراً سوى بعض الشيب و تُرى:
هل زاد وزنه عما تتذكر أم تراه قل؟
هل يبدو وسيماً في الشعر الفضي كنجوم السينما، هو دائماً وسيماً. هل يفخر بعلامات الزمن تلك عليه أم تراه يُنكرها !
هل في وسط انشغالاته يتذكرني؟
وطردت الفكرة الأخيرة من عقلها، 20 عاماً وهي تتجنب هذه الفكرة تماماً ولا تريد لها أن تسيطر عليها الآن. فالآن سأقابل بطلي المثالي، والدي الآن سيكون بين ذراعي هنا ولن يتركني أبداً مجدداً.
في الطائرة كان يحاول أن ينام، يغلبه تفكيره في ابنته ورؤيتها لأول مرة بعد هذه الفترة الطويلة ..
يا الله 20 عاماً .. تركت فيهم وطني وعائلتي وطفلتي وهي تحاول التعرف على العالم حولها، تركتها للتعرف عليه دون وجودي فيه.
كيف سيكون شكلها، بالطبع هي جميلة كوالدتها، أشتاق لكلمة "بابا" ولمعرفة أن هناك من ينتظرني بالمنزل وهناك بهذا العالم من يعتمد عليَّ لحمايته. هناك بهذا العالم من يهتم لي ولصحتي ومن سيحاول أن يُريحني ويَحن على شيب رأسي فلا يُثقلني بأعمال ما عاد لي قدرة عليها.
ينتبه عند سماع صوت كابتن الطائرة ليُعلن اقترابهم من الهبوط بمطار القاهرة، يعتدل في كرسيه ويضع يده على قلبه ليمنعه من أن يسبقه إليها. يحاول أن يُذكر نفسه بكل ما يجب عليه فعله قبل أن يقابلها حتى لا تتوه منه حقائبه وهداياه وما شقي طوال هذا العمر ليجمعه لها، فما كان كل هذا إلا لحلوتي الصغيرة.
تململت في وقفتها وهي تنتظر الطائرة ثم سمعت النداء الداخلي بالمطار يُعلن عن اقتراب طائرة والداها من المطار، يُعلن عن اقتراب احتضانها للأمان الذي افتقدته طوال سنوات.
"الأم مهما إن فعلت لا تقدر أبداً على ملئ مكان الأب بقلب الابنة وبالذات الابنة" تذكرت كلمات والدتها هذه عندما طلبت منها نصيحة في أحد الأمور وابتسمت فالآن فقط فهمت معني أن "الولد لأمه والبنت لأبيها" هي قلوب مربوطة ببعضها، حكمة الله في خلقه.
أعلن المطار عن هبوط الطائرة وهبط قلبيهما معها .. لربما كانا يصلان لبعضهما قبلهما.
حاول سريعاً انهاء اجرائته وحاولت أن تتحرك خلال المنتظرين حولها لتكون في الصف الأول لتلحق بنظرته الأولى وتعطيه لهفتها الأولى.
وتابعت الخارجين عبر البوابة، البادي عليهم تعب الغُربة والاشتياق لأرض وطنهم ولأحبابهم بها.
ثم لمحته ..
كان ينظر للواقفين عبر الباب ليبحث عنها ووقع نظره عليها. كانت كما تخيل تماماً أورثتها والدتها الجمال الطبيعي والروح الحلوة التي تسبق وجهها، لم يرى ارتعاش يدها من شدة ضربات قلبها وحركات قدمها العصبية التي تنتظر فقط الاشارة من عقلها حتى تجري عليه. حركة القدم العصبية التي ورثتها عنه.
ولم يعتقد هو أنها أخذت منه شئ، كان يجب أن يكون هناك طوال هذه الأعوام حتى يُعطيها منه كما أعطتها والدتها. قال في نفسه: لا أستحق أن ترث مني شيء سوى الأموال التي جمعتها لها.
رأته هي كما حبّت دائماً أن تتوقعه، مُحتفظاً بشيب رأسه ليزيده وقاراً. علامات الزمن وأثار ارهاق الغربة بادية على وجهه وكأن كل عام يمضي ما كن يتركه إلا وقد حفر أثره على وجهه. لم يزد وزنه كثيراً، طويلاً فضحكت لأنها طالما تخيلت طوله هذا ليتمكن من احتوائها داخله وكانت تعتب على والدتها لأنها لم ترث منه هذا الطول.
بعثوا بابتسامات حارة من بين ستائر الدموع على وجهيهما. و ما إن وصل إليها لم تنتظر أن يُلقي بحقائبه أرضاً ولم يكن يُريدها هي أن تنتظر وجريت عليه واحتضنته من خصره فقد كان أطول منها وأغمضت عينيها ولم تقل أي شيء سوى ما يرغب هو بسماعه: بابا حبيبي اشتقت لك كثيراً.


ساره عاشور