الأحد، 2 ديسمبر 2012

زيف (جزء أول)


هي طبيعة محفورة في الانسان أن يبحث عن كيان ينتمي له، يتمثل في دولة أو قبيلة أو حتى فريق كرة قدم والأكثر هو البحث اليومي عن انتمائك لشخصٍ ما، النصف الذي يُكمّل ما تحمله أنت من حسنات وعيوب ليوافقك كما توافق قطع البازل بعضها فتصبح الصورة أمامك عن الحياة ثم المستقبل أوضح بشكلٍ ما. شخص يمنحك السكينة التامة لتقف بكل ثبات أمام العالم أجمع لتُعلن اكتمالك به.

هذه الأفكار هي معتقدات ثابتة لدى الكثير من البشر باختلاف ثقافاتهم وأشكالهم ويبقى هناك هؤلاء الذين يتلاعبون بمن يملك مثل هذه الأفكار فقط لأنهم لا يملكون المقدرة على الثبات !

وقد كانت واحدة من هؤلاء المتلاعبون .. وكم كانت بارعة في تلاعبها   .


كانت تحاول زحزحة شعورها بالذنب جانبًا متحججة بأنهم ما كانوا ليكونوا بهذه السهولة إن لم تكن معتقداتهم أقوى من هراء النصف الذي يُكملك. تضحك. ما كنت لأكون أنا بهذا التمكن إن لم تكن هذه الأفكار لا تزال متداولة "يا لهم من أغبياء" فكرت وهي تتنهد ثم تعود لتضحك وتضع أحمر الشفاه وترتب خصلات شعرها ثم تقف لتنظر لنفسها بالمرآة، فخ متحرك جاذب كما تجذب النار الفراشات لخلاصها وكمن أضاء عقله بفكرة عبقرية جديدة .. أه أنا بالفعل أخلصهم من عناء البحث عن أخر. تعود لصورتها تلمح صورة أحدهم تبدأ باللمعة في عينيها فتغمضهما سريعًا ثم تفتحهم لتضع لمسات الكحل الأسود على عينيها، كحل أسود يُعطيني الطابع الشرقي الذي يقعون لمثله.

تقف لتتأمل نفسها بإعجاب ثم بطرف عينها تلمح الأوراق على منضدة خلفها، الرسائل التي كان يبعث بها إليها فتزفر بعصبية ثم تعود بنظرها لانعكاسها الذي أفل أمامها .. أغمضت عينيها وهي تردد: الكحل الذي أضعه غير مقاوم للماء ! توقفي .. توقفي ..

تنفست بثقل وحاولت أن تتمالك نفسها ولا تبكي، مضى وقتًا طويلًا جدًا منذ أخر مرة بكت فيها أصبحت الدموع هذه من الذكريات البعيدة مثلما تجلس أنت وتُريح ظهرك وتُغمض عينك لتحاول أن تعتصر ذكرياتك ماذا كنت تقول بشكل ظريف وأنت طفل فتجعل كل من حولك يضحك وتفشل، هي كذلك تفشل في تذكر متى سالت تلك الدموع بحرارة صادقة على وجهها، لا يهم الآن، المهم أنها لا تضع كحل مقاوم للماء بعينها .

انتهت من هندامها كامل من أول شعرة برأسها لأخر كعب حذائها كله يوشي بأنك يجب أن تقف أمامها بفم نصف مفتوح وعيون مشخصة عليها وأفكار متعددة نصفها قد يقع تحت طائلة القانون إن خرجت عن حدود عقلك ثم تُبدي إعجابك بكلمةٍ ما كل ما بها يُحتم عليك أن تقول شيئًا ما يُخلِد في التاريخ لحظة مرورها بك.
ثم همت بالنزول لعملها متحاشية النظر لذلك المكان الذي تتوسطه رسائله.


تذهب لعملها في نفس الموعد كل يوم يحفظ هو ذلك جيدًا يعلم مدى تعلقها بالنظام ورغبتها في التحكم بكافة التفاصيل الصغيرة لتشعر بتحكمها بعالمها حتى لا يخرج أي شيء عن الاطار الذي رسمته وبالتالي لا مفاجآت أو خيبة أمل تتعثر بها، الطريق الآمن هو التحكم بتفاصيل حياتك. يتحاشى هو أن يتقاطع معها بخطوط سيرها أو بمواعيدها فيضطر أن يُتقن هو الأخر التعلق بالنظام والتحكم بالتفاصيل ولكن فقط فيما يخص ملاقاتها فيرسم خريطة يومه بناء على النقاط الحمراء التي تعني وجودها وهكذا يتلاشى أن تنطلق كل الأسئلة المتراكمة بداخله فجأة على وجهه أو عينه فيُربكه أمامها ويُظهره بمظهر الضعيف فتسعد هي وهو قد تخطى الآن مرحلة إسعادها .. أليس كذلك؟


لم تتساءل هي لما لم تتقاطع دروبهما في الفترة الأخيرة فهو القصة التي انتهت فصولها لذا لم تعد تلك الصفحة أول ما تُطالعه بعقلها فهي الآن تبحث عن الضحية الجديدة، يظهر بوضوح في عينيها التي تعمل كرادار يفحص من حولها وشرودها وهندامها الذي تهتم به كثيرًا في مثل تلك الأوقات الفارغة منهم.

تخرج من عملها تبحث عن مكان جديد لتقضي به بعض الوقت، مكان به دماء جديدة عليها ووجوه يبدو عليها اعتناقها لفكرة البحث عن الأخر، لا تدري هي لما تملك تلك البوصلة تجاههم وكأنها حاسة سادسة أو قُلْ سابعة قد نمت لديها مع الوقت تجاههم فأصبحت ترصدهم بالفعل كما يرصد الرادار تلك السيارات زائدة السرعة على الطرقات ولكنها دومًا ما تُشبههم بمن يتسلق خارج فيلم لم تطله الألوان ليركب سيارة حديثة بفيلم مُشبع بالألوان بصورة عالية الجودة. هي بالفعل كمن يملك عين ثالثة ترصد قطعة البازل المختلفة في لعبة ذات ألف قطعة ترصدها على الفور بعين الخبرة وتدري اختلافها عن من يُحيط بها.


لم يخطر ببالها قط لعب دور الضحية فهو سهل للغاية:

أه العالم كله ضدي

أه أنا المعذبة بالأرض

أه كل الرجال متشابهون خائنون

أه لما كل هذا يا الله لما يكرهني العالم .. تضحك عليهم وعلى استسلامهم البشع لدور مغلوط وضعن به ورضين به ثم مع أول حرق إصبع صرخن يشتكين العالم الظالم، أه أنتم من ارتضيتم من الأساس أيتها الخائبات ثم مهدتم الطريق ليعتقدوا بأننا كلنا نُشبهكن .. ياللعار حين يهدرن قدراتهم الأنثوية بتلك البساطة المفتعلة. أنا مختلفة أقصى ما تتمناه احداهن أن تضع تلك الخطة العبقرية لإيقاع أحدهم ثم إن حدث وماتت ستكون أسعد من بالكون وينسونَ أو يتناسينَ فقدهن حينها لغريزة البقاء فبعدما يتملكن ذلك الرجل الهدية ستصبح كل دفاعاتهن صفر ليصبحن معرضات للهجر بأية لحظة وهو ما يحدث غالبًا حينما يكشف رجالهن أنهم يُريدون أكثر، هذا ما أملكه أنا أني أريد الأكثر ..


لا تُدخن ولا تشرب القهوة ولكنها حتمًا تستمع لفيروز، لا تضع نفسها بقالب غيرها أبدًا، تُتابع الأحبار المحلية والعالمية وأحيانًا تقرأ بشراهة وأحيان أخرى لا تشتهي سوى الاستماع لبضع أغنيات مختلفة يُمكنها أن تُتابع كرة قدم أو كرة سلة أو أي من أنواع الكُرات التي يتلهف العالم عليها. هي خليط مختلف أشهد لها بذلك ولكن ما كان أمامي سوى الوقوع بشباكها لم تترك لي خيار أخر ولم أبحث أنا عن أي اختيار، أمامها لن تُفكر سوى بـ "أين هو ذلك الطريق المؤدي لها؟ أهوى الوقوع."

هي أرادت وأنا نفذت، والآن هي تمضي لاستكمال حياتها وأنا معلق هنا أرسم خرائط تلاشيها ومجلدات في كيفية الصمود بعدها !


لا يلومني أحد منهم على إفاقتهم من ذلك الوهم بالطبع هي خدمة العمر لهم، تردد على نفسها وهي تتجول بنظرها باحثة عن القطعة التي لا تتماشى مع كامل المشهد حتى وجدتها، يوم جديد .. ضحية جديدة، فلنبدأ ..


*يُتبع بجزء ثان*

ساره عاشور

الخميس، 22 نوفمبر 2012

بورتريه مختلف



تخيلك للبشر من حولك قد يختلف تبعًا لاحتمالات كثيرة، الطيب والشرير. الذكي والغبي. الغني والفقير. أنماط كثيرة وتتكاثر على مر السنوات واختلاف الثقافات والحضارات والمجتمعات ولكن ما لا يختلف أبدًا هو الطقوس التي يؤدي بها الجميع دينه وإن اختلفت في بعض الأشياء هنا وهناك ولكنك ستجدهم على اختلافاتهم مُجتمعين حول مزار لولي من أولياء الله الصالحين أو لقديسٍ ما.

وجوه مختلفة رأتها هي في 4 أماكن مختلفة ولكن نفس الحالة كانت موجودة لدى جميع المُتحلقين حول مزارٍ ما. الألسنة التي تلهج بالفاتحة والأدعية والأعين المغمضة أو الباكية وهؤلاء الذين يملئون تلك الأماكن لاستغلال الحالة الروحانية أو أحيانًا حالة الضعف النفسي التي يأتي بها الناس لمثل تلك الأماكن بحثًا عن راحةٍ ما بحثًا عن سلامٍ نفسي يُمكنها من الصمود حتى إشعار أخر هؤلاء الذين يبيعون لك الدعوات حتى تُعطيهم مالك بصدر مطمئن أنك أخذت مُقابله دعوة تُريحك أنت على أنها قد تكون بالفعل لك بقلب متلهف على الدعوة لك ولك أنت بالذات دون كل من يتواجد حولك بالمكان، إحساس زائف بالأهمية مقابل بضعٍ من أموالك أو دعوة ضدك إن لم تُعطيهم شيء وقد تخشاها فترجع عن قرارك بعدم الدفع
.

رأتهم سيدات مسنات مختلفون جدًا عن كل المتسولات اللاتي تُقابلهن في أماكن متعددة، هن اللاتي تحملن أطفال على أذرعهن وترمي بكرامتها تحت أرجل العابرين بالطريق عوضًا عن البحث عن عملٍ ما يكفل لها حياة أكرم ومالٍ قد يكون من الناحية الدينية أحل لها
.
سيدات يفترشن المسجد أو حوله يتمتمن بالدعاء لكل من ترى فيه لمحة من قلب حنون تكسره هي بنظراتها ودعواتها وانكسارها أمامك.

بعضهن لا يطلبن، هن فقط متواجدات حول المزار بتعدد حكاياتهم وشدة تصديقهم في قوة وبركة صاحبة المقام يجلسن بجانبها ويكتفين بالدعاء وبأي مما يُعطيه لهن من الزوار. البعض في الأماكن المزدحمة يكون على قدر من الفظاظة معك لازدحام المكان بالمتسولين فلن يتقبل أن يكون فوق ذلك أن تؤثر أنت عدم الدفع أو حتى الدفع لأحدٍ أخر
.

من يستحق أن تحكي لك عنه بالفعل هو أنها في 4 مساجد لأولياء الله رأت وجوه مختلفة البعض قد بدا عليه وكأن هذا هو الحبل الذي سينقذه من الغرق الدعاء هنا بلهفة هو الغطاء الذي سيحميهم، من تمسك بأوراق تبدو قادمة من مستشفى ما حتمًا قريب من المسجد جلست بجانبها منتظرة الصلاة وفقط لا تفعل شيء سوى تحريك شفتيها بدعاء ما لم تستطع تفهم الكلمات والنظر للحائط والبكاء والأوراق أمامها، أرادت الاقتراب منها وسؤالها لعلها تُخفف عنها بأن فقط تستمع لها ولكنها في نفس الوقت خشيت أن تقتحم عليها خلوتها بالمكان المزدحم
.
من يجب أن يُحكى عنه هو تلك السيدة ذات الشعر الأبيض القصير التى دخلت بصحبة فتاة تبدو في العشرين وكلاهما لم يلبسن أي حجاب وهو أمر رأته غير مألوف في مكان كهذا ولكن ربما لانشغال الآخرين بدعواتهم لم ينتبهن لذلك، دخلتا واتخذتا موقعهما ووقفتا لتقرأ أو تدعوا بما أرادتا.
وهذا المزار الذي يملأه الورود، تشتريها السيدات قبل الدخول من عجوز ذات ابتسامة جميلة ثم يدخلن يُلقين السلام على صاحبة المزار وقراءة الفاتحة لها وإعطائها هديتها ورجائهن لها أن تتقبلها ثم الدعاء.
ثم المسجد الأخر الذي لم يكن به غير أعداد قليلة ولكن العدد الأكبر كان بالجهة الأخرى عند المزار. لم تقتنع هي أن تقف لتدعو هنا هي فقط اكتفت بإلقاء السلام وقراءة الفاتحة ثم مراقبة من حولها. الوجوه جدًا مختلفة واللهجات مختلفة فالبعض قد جاء من مسافات بعيدة والأدعية والطلبات بالتأكيد مختلفة وحتى الدموع تختلف.

بعض الحكايات أن من تُريد الحظ الجيد السعيد عليها زيارة جميع الأولياء، ومن تُريد الشفاء أو من تُريد النسل أو أي أحد يُريد ما يُريد يذهب للتبرك بهم
..
ثم لماذا توسط آخرين بينك وبين الله ثم تنتظر أن تُلبى دعواتك هكذا !
لم تفهم هي لماذا لا يفهمون ذلك؟
لم تعرف أنها ستكسب بالفعل أكثر منهم، هي ذهبت بحثًا عن مكان روحاني تنفصل فيه عن كل عالمها وقد تحققت أمنيتها لذلك لعل في الأمر بعض الحظ الجيد بالفعل .. هي وجدت ما تبحث عنه، وجوه مختلفة بحكايات مختلفة في أماكن مختلفة وكلها تملك نفس الطلب "راحة البال" ولكن طلباتهم هم مغطاة بأشياء كثيرة أخرى وهي كان طلبها أبسط ..

القصص في تلك الأماكن لا تُعد ولكنها تظل قصص شخصية وهي أيضًا قصص سينظر لها بنظرات مختلفة ولكن في هذه الأماكن تجمع الطيب والشرير. الذكي والغبي. الغني والفقير وكلٍ يبحث فيها عن معنى جديد لحياته
.


ساره عاشور

الخميس، 8 نوفمبر 2012

لا جديد


قراءة الفنجان لن تكون صعبة، ماذا يفعلن هؤلاء السيدات سوى إعطائكِ أمل أو خسفكِ بالأرض على حسب ما تعطيهن من أموال وأنا لا أريد سوى بعض الأمل لنفسي، إذًا أنا لا أرى في هذا الفنجان يافتاة سوى خط عمر طويل ها هو ذا و خط حظ مميز ترينه هنا موازٍ لخط العمر وهناك في منتصفهما يوجد رجل أنيق مبتسم .. سيقع بطريقكِ قريبًا .. أرايتِ ليس صعبًا على الإطلاق.
قلت لصديقتي التي تحاول أن تنجو بروحها من ثُقب الحزن الأسود الذي يبتلعها شيئـًا فشيئـًا.

 فنظرت لي نظرة شبه فارغة وقالت: ليتني أستطيع فعل ذلك، أمسك بالفنجان لا لأقرأه بل لأبُث به أمنياتي أملًا في أن يُحققها وكأنه جني المصباح لا يَهُم مُسماه فنجان .. مصباح .. المهم أن أجد لأمنياتي حقيقة، الأفلام عبثت بعقلنا حتى النخاع !
ضحكت .. فهناك بالفعل شبه حقيقة في هذا. لا نُحب إلا كما يُحبّون في الأفلام ولا ننفصل إلا بشكلٍ درامي يُشابه ذلك الذي على الشاشة. الممثلون يُقلّدون بشر والبشر يُقلدونهم وما عاد أحدٌ يعلم أين الأصل في كل هذه الأحاسيس المُقلّدة. نغضب كما يفعلون فنحطم كل ما يُصادف وجوده أمامنا فقط لأنهم يفعلون ذلك ونحزن مثلهم وحتى عند فرحنا أو إلقائنا للنكات غالبًا لا يخرج ذلك أيضًا عنهم. لم يعد الشخص يعلم إحساسه الخاص به هو دون تلويث الأفلام أو ردّات فعله.

حينما يسحبها الحزن داخل دائرته لا تقاومه أو لم تعد تقاوم فهو كالرمال المتحركة كلما قاومتها كلما تعمّقت قدماك داخلها أكثر، فاعتادت عدم مقاومته. يأتي فيستهلك الحزن نفسه ويذهب، تعتقد أنه ربما هكذا ستصبح الفترات بين زياراته أطول قليلًا.

ولكن دائمًا ما يغلبها الملل فيأتيها الحزن راكضـًا وكأنه إفتقدها.

تقول لي إنها ما ترى في نفسها أسوأ من حب الامتلاك والملل ودوامة الحزن التي تبتلعها بين الاثنان. يتبع أيهما الأخر فدومًا تمّل من شيء طال أمد رغبتها في امتلاكه حتى إذا بات بين يديها زهدته فيسحبها ثقبها الأسود.
أعتقد أن حُزنها لا يُشبهنا، نحن نحزن على فقدنا ونحزن لأننا لن نستطع تعويض ما نفقد ولكنّها تحزن لامتلاكها ما أرادت وتحزن لأنها تُريد البحث عن غيره حتى لما لم تعرف ما تريد تاليًا فتزهد الحزن ذاته. دائرة مفرغة لا تخرج منها ولا يخرج منها شيء بشر أو أشياء ماعداي.
هي تنظر لي بإعتباري نقطة توازنها أو مرآة لداخلها، فلا أحد يفهم حالاتها مثلي، قد كنت مثلها يومًا والآن أحاول جاهدة أن أنقذها قبل أن تستهلك روحها.

كان لديها نقطة إتزان غيري، كانت تُسند قلبها عليه وكان يُريحها من شروخ روحها المتزايدة تلك.

ولكنه صار ككل شيء عندها قابل للترك. فتركته لتبحث عن غيره ووضعت توازنها على عاتقي، ولن أخذلها.

طلبت منه أن يظلا أصدقاء فضحك بإنكسار على برائتها المصطنعة، قال لها كيف يمكن بعد أن أطلقت قلبي بأقصى سرعته نحوك أن تطلبي منه فجأة أن يتوقف ويضع حدودًا بينك وبينه !
هل تظنين حقًا أن ذلك ممكنًا؟! بكل سهولة هكذا أصبح صديقك !
كانت تتحدث بعفويتها المعتادة فهي أحبت امتلاكه ولكن ها قد تسرب الملل لقلبها فظنته سيكون كالعجين السهل تشكيله بيدها، قالت له فترة قصيرة فقط وسنعود كما كُنا بل أظننا سنصبح أفضل.
اتخذ بضع خطوات للخلف وهو ينظر لها بريبة ليتأكد أنها بالفعل تتحدث بجدية و أذهلته لم يعلم أنها تملك هذا التأثير على الناس أو لم يتوقع أن يراه عليه هو. ابتسم لها وقال ما انكسر لا يعود لذا لا يمكنني أن أكون صديقًا لك بل لا يمكنني أن أنطق اسمك ثانيةٍ بحياتي يكفيني ما كان وابتعد ..
وقفت في حالة لا يمكنني بالفعل وصفها فهي لم تتوقع منه ذلك، هي تمتلكه وظنت ذلك، لن يتركها مهما كان السبب ظنت ذلك فعلًا ولكنها أخطأت السبب فلا يمكن لأحدهم أن يقبل ذلك. تلك اللعبة التي تحيا بها هذه الدائرة التي لا تستطيع التخلص منها، لا يمكن لأحد أن يتماشى معها وهي لم تحاول أن تتخلص منها لأجله ولأجل حُبها، ظنت أنها لن تؤثر على علاقتها به فلم تحاول ..

وعادت تبحث عن الجديد الذي ستحاول تملّكه بعد قضائها فترة حزنها عليه، لم تعلم أنه سينتظرها. سينتظر أن تتغير وتعود لقلبه.
لم تعلم لأنها لا تُريد أن تتغير، لا تُريد التخلص من هذه الدائرة فهي تحميها، لا تدعها تقترب مسافة كافية من أحدهم حتى يكسرها بل هي من تتحكم في المسافات والحدود وهي من تقذف بنفسها لدوامة الحزن إن أرادت أن تُكفّرعن ذنب أحدهم. تظن أن ذلك سيطهر روحها ويحميها من أن يُرد بها ما تفعل، إن حزنت بشكل يليق بالفعل بكل شخص سَيُزال ذنبه عنها لتعود بصفحة بيضاء ورغبة جديدة.

ما لم تأخذه في حساباتها هو أنها ستمل هذه الحالة في يوم من الأيام ستتملكها تلك الرغبة في الاستقرار، وما لم تدري به أن رغبة الاستقرار هذه لا تُترجم داخلها إلا باسمه هو.
فلا مفر الآن من الحزن ولا خروج منه إلا إليه ولا توازن سأستطيع أن اُعيد ولا أمنيات على نجوم ستُعيده ولن يُعيده سواها. تذهب فتتطهر أمامه وتُعلن خطأها وتبكي له حُبها وتطلب أن يملك هو إتزانها مجددًا ويحفظ لها كرمتها ويُسقط المسافات بينهما ويقترب لتلك المساحة التي لم تطأها قدم من قبل ليُصبح الأول والأخير.

سأقنعها يومًا ما فهو ينتظر ..


ساره عاشور

الاثنين، 5 نوفمبر 2012

فراق


الصدمات القوية المفاجئة يصعب التعافي منها، نحتاج وقت لنوقف الهزات المتتابعة داخلنا جرائها.
موت والدتك يهزك ويتابع في ضرب أعماقك لفترة طويلة تعتقد معها أنه لا نهاية لذلك الإحساس، إحساسك بالفجوة الكبيرة في عمرك، إحساس عدم الإتزان دونها ومحاولتك للتأقلم في الصباحات دونها.

صحوت على بيت خالي منها وظننت أن هذا الكابوس لن ينتهي، قمت بقرص يدي لأتأكد إن كان هذا هو الواقع فعلًا الآن !
أنا الآن في هذا المنزل الخالي، وحدي الآن !

عليَّ أن أذهب لزيارة قبرها، عليَّ أن أتحدث معها حتى لا تشعر بالوحدة دوني كما أشعر الآن دونها.
هل يشعر الأموات بالوحدة حقًا ولذلك يحتاجون منّا الزيارات المتكررة والأحاديث المستمرة لما يدور بحياتنا من بعدهم؟!
أم فقط نحن الذين لا نستطيع تركهم، علينا الحفاظ على هذا الخيط بيننا وبينهم والإمساك به جيدًا وعدم تركه. خيط الأمان ذلك الذي يحافظ علي بقاياهم معنا. فنذهب لنطلعهم على جديدنا حتى لا يعتقدون أننا نسينا أو أننا نُجنبهم عن حياتنا ونهملهم.

ماذا سأحكي لها ! أخشى أن اُحزنها .. هل يشعر الأموات بالحزن مثلنا !
لماذا أستمر في جمعها مع الأموات ؟!
لم تغادرني بعد ولم تجتمع معهم بعد، أعرفها. عليها أن تتأكد أولًا أنني بخير لذلك عليَّ أن أطمئنها حتى تستطيع التأقلم معهم.
لن تجد مشكلة في ذلك، لطالما أحبّها الجميع ولم تجد أي مشكلة مع احد من قبل سوى هؤلاء الذين يظهرون غير ما يبطنون ولا أظنهم يفعلون ذلك بعد موتهم.

عليَّ أن أجد شيئًا قابل للأكل .. عليَّ أن أجلس لأكل دونها، أقطع الطعام وأضعه بفمي وتستطعمه حواسي دون صوتها بجانبي.

كيف يستمرون بعد موت أحبتهم، أين يجدون تلك القوة التي تدفعهم للاستمرار في العالم.
كيف يسير كل هؤلاء الناس بالعالم وبنفس الوقت لا يتركون ذلك الخيط !
لماذا يستمرون هم بحياتهم ولا يتركونهم، دائمًا أنانييون !

عليَّ أن أجد شيئًا مناسبًا ألبسه، وبالطبع يجب أن يكون من الأشياء التي تعجبها.
وأبحث في ملابسي دونها ولا أجد من أغيظ بما لا يعجبها من ملابس أو أحاول أن أسعدها قليلًا بلبس ما يعجبها.

وأخرج من باب الشقة لأواجه العالم وحدي !
وأنزل على سلم لن تلمسه قدماها مجددًا وأخرج لأشم هواء لن يملأ رئتيها وأركب السيارة التي ستبقى لي وحدي من الآن، لن تطلب مني إيصالها لأي مكان ولن أسمع صوتها ولا ضحكتها ولا حتى صوتها الغاضب لأني أتحدث على الهاتف وأنا أقود.

المقابر مُوحشة لم أنتبه لهذا من قبل، لا نهتم بمثل هذه الأشياء إلا عندما يكون هناك من يهمنا في هذا المكان، نُحب أن يكون أحبتنا في أجواء مناسبة لهم. وهي لا تُحب مثل هذه الأماكن التي تصرخ فيك لتُذّكرك كم أنت وحيد في هذا العالم ولا مجال لك أن تصم أذناك عنها ستسمعها في كل خلية وكل قطرة دم ونبضة قلب وذرة هواء تدخل أو تخرج من جسدك، ستسمعها رغمًا عنك.

هاهو قبرها، أمي هنا .. وحدها ..
سأقرأ لها ما تُحب من القراءن، تعشق سورة الرحمن ويس وآية الكرسي للحماية ولكن ممن ستحميها هنا !
سأدعو لها بكل ما ذكروني به وأصروا على أن أحفظ كي أقوله لها عند قبرها هنا، أطلب رحمة الله لها وغفرانه.

وسأبقى قليلًا لأحكي لكِ يا أمي أني بخير لا تقلقي عليَّ .. هل تستطيعين القلق؟
المهم أنني سأستمر بحياتي بالطبع، ليس كأني لا أفتقدك أو شيء كهذا ولكن لأني لا أريد أن أكون أنانية مثلهم فأمسك بخيطي معكِ ولا أتركك في سلام. سأحاول أن أستمر بأيامي المتشابهة الآن دونك، أصحو وأتنفس وأسعد وأحزن وأغضب وأكتئب وأهدأ وبالطبع لن أنسى أن أتنفس في وسط كل تلك الأحداث، يجب أن أتنفس وأتذكر أن اتنفس، شهيق فزفير فحياة بلا طعم.
كان هناك دومًا تلك المساحة الكبيرة التي أشعر بها حولي التي كنتِ تطلين عليها "البراح" تذكرينه؟
"براحي" صار أضيق، كل المساحات تضيق بفراقك.
ولا دفء .. لا شيء سوى ذلك الهواء البارد الذي أعتقد أنها لا يأتي فقط من النوافذ والأبواب بل صار يأتي من الحوائط، كل شيء يدفعني للتجمد وكأنه يُذّكرني وكأني أحتاج تَذكِرة.

لكن كيف لا أكون أنانية فالآن أفهم كيف لهم أن يكونوا أنانيين ولا يتركونكم تذهبون بسلام.
سأكون هنا أبكي وأشكو لكِ عند أول قلب مكسور وسأكون هنا أضحك وأحكي لكِ عمن قابلت وخطف قلبي، سأحكي لكِ بالطبع عن أطفالي ومغامراتهم، سأطلعك على كل سر كما كنت أفعل وأطلب رأيك في كل شيء وأعلم أنكِ ستبقين توجهينني للأفضل، ستبقين بقلبي وحواسي وسأبقى أسمعك صوتي دائمًا .. أريد طبعًا أن أتركك في سلام يا أمي ولكن سامحيني وأعرف أنك ستسامحيني لن أتركك بسلام.


ساره عاشور

الأربعاء، 17 أكتوبر 2012

12 ساعة


ساعات المساء تمر على من لا يملك سوى وحدته كدهر، ثقيلة هي كحجر سيزف.
ومن هو مثلي يملك حريق لا ينطفأ داخله فهي تُمثل ساعات العذاب اليومية، ذلك الذي لن أحكي لك عنه شئ بل سأحكي لك عن أفضل يوم بحياتي.

12 ساعة فقط هي كل ما قضيته معه ذلك الذي أخذ القلب معه ورحل.
أه تذّكرت لا كلام حزين هنا. إذن ..

هل تعلم ذلك الوقت الذي تقضيه أحيانًا مع شخص فيجعل لك الأكسجين أنقى والألوان أنقى والشمس أسطع والنجوم كثيرة متراقصة ويجعل قلبك ينشد موسيقى وكأنه يقضي الوقت في برادواي.
يبدو كلامي مبتذلًا حتمًا تعتقد أني من هؤلاء الفتيات اللاتي لا يشغلهن شيء سوى بعض الأمور التي قد تراها تافهة، منهن اللاتي لا يهمهن سوى الحب الجديد الذي ستتباهينْ به أمام الصديقات بالنادي. ولكنى أؤكد لك أني لست كذلك على الإطلاق.
والآن حقيقة لا يهمني ما ستعتقده فيَّ لأنك ستجد ما تحكم به ضدي في أمرٍ ما .. لذا لا يهم من أكون، أنا "م" بالنسبة لك ولكن قصتي حتمًا سيهمك سمعها على تشابهها مع غيرها ولكن يمكنها أن تُعلمك شيئًا عن حتمية الإقدام على إتخاذ قرار جريء في الوقت المناسب لذلك حتى لا تخسر كل شيء ..
أنت الآن علمت ما أريد أن أوصله لك من قصتي لذا أمامك خيار عدم إكمالها إن أنت أردت ذلك ..

حسنًا فلنكمل أو لنبدأ من الساعة العاشرة صباح يوم جمعة شتوي، أحب الشتاء والمطر وأحب أن أكون بالطرقات في أوقات المطر لذا حين علمت من التلفاز أنها ستمطر صباحًا استيقظت في وقت مبكر وأخذت معي معطف ثقيل حتى ألبسه بعد أن أغسل روحي بماء المطر، هل تعلم أن ماء المطر يغسل الروح من الأحزان أحيانًا فهو كالسحر عليك أن تؤمن بذلك حتى يتم.
نزلت من منزلي ورحت أجوب الطرقات الشبه خالية ثم قررت أن يكون يومًا جنونيًا لذا سأركب أول أتوبيس يظهر أمامي وحدث.
ذهبت لأماكن جديدة لم أزرها من قبل ثم رأيت النيل أمامي فطلبت من السائق أن ينزلني سيكون المطر أحلى وأنقى بجانب النيل.
وهناك رأيته ..
يجلس على مقعد مواجه للنيل وينظر له وكأنه يُجري معه حديثٌ ما ويُناجيه. جذبني له، لا أدري ماذا ولكني مشيت نحوه كالمسحورة. لا تعجب إنه يحدث فعلًا بالحياة وليس بالأفلام فقط.
جلست على الطرف المقابل من مقعده، أنظر للنيل وأختلس النظر له. تعرف هؤلاء الأشخاص الذين تُحيط بهم هالة من الأهمية وكأنه رئيس دولة كبرى تنازل وجلس بجانبك هنا على هذا المقعد العام. هؤلاء الأشخاص ذوي المغناطيسات والشعر الأسود الذي يتخلله شعيرات رمادية تجعلهم أكثر جاذبية وملامحهم حادة وفي نفس الوقت يملئها الحنو؟ إن أنت قابلت أحدًا منهم ستفهم معنى السحر.
قال لي دون أن يلتفت: النيل ساحر في الشتاء، صفحته تتلألأ ووقت الأمطار تصبح مُفعمة بالحياة .. تجعلكِ تتنفسين أفضل، هكذا كالإيحاء تأخذين نفس عميق ومعه رائحة الشتاء ثم تخرجينه محمّلًا بهمومك.
يقولون أن الشتاء يبعث على الاكتئاب ولكني أراه ينظف الروح من أوجاع العام كله وهذا حملٌ ثقيل على فصلٍ واحد، أليس كذلك؟!
أجبته مبتسمة: نعم إنه كذلك.
ثم قُلت: أنا أحب الشتاء ونزلت اليوم لأقضيه بين قطرات المطر والشوارع الخالية، معظم من حولي يرى الشتاء كما تقول فصل كئيب ولكنهم لا يفهمونه، كما لا يفهمون أشياء كثيرة مختلفة عنهم. الشتاء واضح وصريح، واضح في دفئه وواضح في غضبه ويحن عليك حين يُخلّصك من أوجاعك ليغسلها عن روحك في طقسٍ مُرهق.
أعجبه اتفاقنا على حب الشتاء ثم بدأ المطر يهطل .. نظر كُلٍ منّا للأخر وكان كأننا نتخاطر، نتشارك أفكارنا دون كلمات. وقفنا وسرنا معًا تحت المطر.
لا أعلم ماذا دار داخله ولكني أؤكد لكَ أن داخلي كان هناك اوركسترا تعزف أعذب الألحان وعصافير تطير مغردة وزهور تتفتح تحت المطر وقلبٌ يذوب.
مشينا كثيرًا لا أدري كم من الوقت يمكن ساعة، توقف المطر فتوقفنا تلقائيًا. وكان حظنا سعيدًا أننا توقفنا أمام مطعم فنظر إلىَّ وسألني إن كنت أرغب أن أشاركه إفطاره فرحبّت كل خلية بداخلي بالطبع ولكني عملت على ألا يظهر هذا.
وما أسعدني أكثر أنه قام بفتح الباب لي !
كم من الرجال الآن يفعل ذلك، يالحظي.
وفوق ذلك قام بسحب الكرسي لي كي أجلس، لم يجلس غير مُبالٍ لا اطمئن أولًا علىَّ .. حانٍ هو كثيرًا.
طلبنا الطعام وجلسنا نأكل ونتحدث وأراقب كل ما يفعل وهو يقوم بتقطيع الطعام ويأخذه حتى يصل لفمه ليأكله وهو يقوم بمضغه حتى تفاحة أدم برقبته كانت مختلفة.
أصابعه ويده وعيناه، كنت مُقيدة به وأسيرة لكل حركة وصوت منه.
وأستطيع أن أقول أنه بات يعرف عني أكثر مما أعرف أنا عن نفسي وعرفت عنه الكثير. كُنّا نتحدث ونضحك ولا نبالي بمن حولنا ولا نبالي بالوقت ولا نبالي حتى بالمطر الذي جمعنا. فقط أنا وهو.
عاد المطر يهطل فسألني إن كنت أرغب في معاودة السير تحته .. وافقت وأعتقد أن الفرح كان جليّـًا على وجهي لأنه ابتسم كثيرًا.
عُدنا للمطر ولكن لأسفي أيضًا للصمت ولكن روحه تؤنسك بشكل يصعُب معه ملاحظة السكون هذا، هو حتمًا معك بكل اهتمام وانتباه وحنانٍ وإن لم يتحدث كثيرًا. قليلون من هم يُشبهونه، قُلت لكَ ذلك قبلًا.
وكان وقتنا هكذا نمشي تحت المطر ونستريح في أول مكان يُقابلنا بعد توقف المطر ولحظنا كان يومًا ممطرًا بشدّة.
حدّثني عن عائلته وعمله وحتى حكايات غرامه القديمة، عرّفني على ما يُحب وما لا يطيق وبالطبع كنت أبادله الحديث. ثم وسط الحديث أخبرني عن سعادته البالغة بهذا الوقت الذي قضاه معي ومع الشتاء. أخجلني وكنت أظن أني لا أخجل هكذا، كنت أشعر باللون الأحمر وهو يصعد لوجهي ونظرت للأرض حتى لا يُلاحظ ولكنه لاحظ بالتأكيد.
أردت أن اُدندن له هذا اللحن الذي يتم عزفه داخلي وصوت العصافير أو حتى أعطي له يدي حتى يسمع هو بنفسه ليتأكد.

لكني جفلت.
نعم اعتقدت أنني وجدت نصفي الأخر بالصدفة في يوم شتائي ممطر كما أحب أيامي .. كل العلامات كانت تُشير إليه ولكنني غفلت عن قرائتها .. متعمدة ..
أخبرته أن الوقت قد تأخّر ويجب علىَّ أن أمضي الآن لمنزلي الذي لا أعرف كيف سأصل له فلم أنتبه منذ الصباح إلى الأمكنة التي ذهبت إليها.
أردت أن أخبره أنني منذ رأيت شعيرات رأسه الرمادية قد أحببته .. هكذا ببساطة وبصدق.
ولكن من يفعل ذلك ؟!
كان كل شيء جميل أكثر من اللازم لذلك خشيته.

ودّعته .. ووضعت قلبي في يده ومضيت محاولة بكل قوتي ألا أنظر خلفي.
قوة كان يجب أن أستخدمها في المكان الصحيح بأن أخبره كما كنت أتوق لكل كلمة تخرج من فمه بصوته العذب.
ولكن قوتي الآن أن أمضي دون أن أقع أجزاء منكسرة بفعل المطر. يكسرك المطر أحيانًا إن لم تأخذ حذرك يتسلل داخلك للأماكن التي تحفظ توازنك. يتسلل في الفراغ الذي أحدثه سقوط قلبك فيتشعب لباقي جسدك فيفك الغراء الذي مضيت سنين تلصق به كل جزء بالأخر.
كان يجب عليَّ فقط أن أستدير لأجري له وأقول: موسيقاي يُمكنها أن تُذهب عنك حُزن الشتاء لتنّمي الربيع بقلبك ويمكنك أن تأخذ من عصافيري أيضًا .. سأكون حانيًة معك وأكون كريمة. سأكون كما تُريد كما قُلت لي بين كل سطور حكاياتك.
ضعفت ومضيت بثقل المطر داخلي. وددت لو لحق بي ولكن مثله ذو كرامة تمنعه من ملاحقة ضعيفة مثلي. وددت لو وضعها جانبًا ولحق بي .. لما ألومه الآن !

وهكذا أقضي ساعاتي الشتائية ليلًا أخاف المطر، الحريق بداخلي يخشى أن يُطفئه المطر فأنساه للحظة ..
أعيش بمنزل هو فقط منزل ومأوى ولا يمثل بيتي لأن بيتي تركته معه تحت المطر.


ساره عاشور

الأحد، 14 أكتوبر 2012

لُعبة ..

 
غالبًا ما توصف المرأة بالحنو ويوصف الرجل بالجفاء .. هنا اختلف الأمر.
"مبقتش فاضي لا للعتاب ولا للعناد ولا للتراضي .. بتضيعي وقتك على الفاضي
ومن الساعة دي بقولك إنتِ بالنسبة لي ماضي والأظلم بيكون البادي .."*
ما إن سمعتها على الراديو ومعها إسمه كإهداء لحبُه الذي أصبح قديم فهمت أنها المعنية بهذا، ابتسمت بهدوء وجلست تستمع لبقية كلمات الأغنية لأنها رسالته لها.



بقيت شهور وهي تُلهب علاقتهما بألسنة تناقضاتها، تارة تُحبه ولا تقدر على أن تمر ثانية دون وجوده معها وتارة أخرى تريد أن تختلي بنفسها لتُرتب أمور حياتها وتعيد حسابتها وهذا هو ما يعني ان فقط اغرب عن وجهي الآن وهذا ما حفظه هو فيما بعد.

كان يُحب هذه التناقضات والشخصيات المتعددة في البداية التي تبدو معها وكأنها امرأة جديدة كل يوم ثم ما لبث أن اُرهقت روحه بعد ذلك فعليه أن يحفظ كل تقلب لها والتصرف المناسب معه، عليه أن يملك سرعة بديهة شديدة تُمكنه من التقاط اشارات الشخصية الجديدة اليوم قبل أن يثور بركان غضبها لأنه لا يعرف كيف يتعامل معها وهو الذي وعدها أنه يمتلك القدرة على احتوائها بكل تعدداتها ليكون كغلاف الجليد الذي يحوي البركان داخله فيقي الجميع شر حِمَمَهُ.


صدّق هو انه لديه هذه القدرة العظيمة على احتواء مثلها، أخذه انبهاره بها حد عدم قدرته على التقييم الصحيح ما تكون هي عليه مقابل ما يملكه هو. كان يهمه فقط أن تكون هي بحياته. كانت تتعامل معه وكأنها هي الرجل الشرقي بهذه العلاقة، هي من لا تستطيع أن تُحدد إن كان ما تشعر به هو حب أم هو مجرد إعجاب !

هو يهتم بها ويسأل عن أحوالها دائمًا وهي تتهرب منه وتتحاشاه. هو من يجلس جانبًا بنتظرها في أوقات فراغها لتُلقي عليها ببعض رذاذ من شبه حنان فتسقي قليلًا زهرة الحب بقلبه لتبقى حية.
هو كان بقلب امرأة وهي كانت بجفاء رجل .. علاقة ذات معادلة مقلوبة.

كانت تمسك بخيط اللعبة جيدًا، تعرف متى يحين وقت ظهورها حتى لا يملّ فتخسره ومتى تختفي حتى لا يعتاد على وجودها كثيرًا .. وهو من أجل حُبّه لها تحمّل وهو يُمني نفسه بأنها لأجله ستتغير.

حاول معها كثيرًا، حاول إثارة غيرتها، حاول أن يبتعد كليًا عن مشاهد حياتها. حاول وفشل في كل مرة. لم يكن حنينه يسمح له بتخطي خط وجوده بدائرتها وإلا انطلقت صفارات الإنذار ليل نهار لتؤرقه فيعود يجر أذيال الخيبة.

ما قصم ظهر احتماله وجعل ثورته عارمة حينما اكتشف أنها تبدأ علاقة جديدة مع شخص جديد. ثار البركان الذي بقى لوقت طويل يهيل عليه التراب ليخمده لكنه فقط خبأئه.
بحث عنها بكل الوسائل، حاول الاتصال بها كثيرًا، زار كثيراً كل الأماكن التي تُحبها هي ولكنه فكر أنه ربما تغيرت هذه الأماكن الآن حسب الشخص الجديد ثم جلس يفكر هل يهتم بها مثلما كان يهتم هو بها؟
هل يسعى بكل جوارحها لارضائها كما كان يفعل هو؟
هل يسقى أرضها بحنانه حد الاغراق كما فعل هو؟
وهل تمسك بخيوطه هو الأخر أم أنه هو من يُمسك بخيوطها ؟! حتماً هو من يُحركها حتماً هو الرجل الجافي وهي المرأة الحانية ..
كل فعل يأتي له وقت رده كاملًا لصاحبه ولو بعد حين.

جلس ساعات الليل كاملة أمام النيل وأفكاره تتحرك مع انعكاس ضوء القمر على صفحة مائه. تهتز وتهتز ثم ما إن بدأت خيوط الضوء في الصعود للكون حتى قرر أنه لن يلحق بها مجددًا بل سيجعلها هي تندم فمن يُمسك بخيوطها هذا حتمًا سيكسرها في مرحلة ما عليه فقط أن ينتظرها.

وصدق ظنه ومثلما لم يطل الوقت حتى يُرد لها فعلها لم يطل الوقت أيضاً حتى أتت له ليسقي أرضها العطش لحنانه وليُصلح لها خيوطها لتسلمها له راضية. أتت له لتعلن في إنهزام أنها ستتغير لأجله كما أراد ولكنه أراده فعل إرادة وليس فعل إنكسار.

وبكل قسوة تعلمها منها رفضها ومضي راضيًا بقراره وخياره وحياته دونها ..


*أغنية مبقتش فاضي لمحمد محي

ساره عاشور

الثلاثاء، 9 أكتوبر 2012

تشابه


أصبح الجميع يشبهون بعضهم !
تختلط عليَّ ملامحهم .. ملابسهم .. حتى في مشاعرهم، لا شيء يُميزهم !
ما إن ينجح أحدهم في التقاط شيء ليتميز به عن غيره فيرى غيره نجاحه
فيقلده !
أصبحوا نُسخ ممسوخة من بعضهم البعض !

يتشابهون .. فيختلطون

غير مميزين ..
حتى أن أصبح الشرير بثوب الطيب
والطيب بالثوب الأسود
فأصبح كلٍ منهم أحمق !

أصابعهم مختلطة بكلام مكرر
أفواههم تحمل ابتسامات صفراء
هذا إن هم ابتسموا في الأساس !

يمشون على الأرض بوجوه هي الأقرب للبلاستيك
تكرر الفتيات صيحات الموضة
ليكرر الفتيان صيحات الموضة
فيمضي كلٍ منهم يزيف مشاعره
لتتماشي الآن مع الموضة !

لون المعنى اختلط عليهم
كلماتهم ضبابية ..
مشاعرهم مُعلبة ..
ملابسهم مقلدة ..
ابتسامتهم محنية ..
وجوههم بلاستيكية ..

ممسوخين .. مجهولي الهوية ..


ساره عاشور

الاثنين، 8 أكتوبر 2012

رحيل


"بيني وبينك سور ورا سور .. وأنا ولا مارد ولا عصفور"*

جلس يُدندن بها وهو يُشاهد الطيور الحديدية تعلو وتهبط بالمطار معلنة رحيل أحبة لإناس أو وصول أحبة لإناسٍ أخرين. ساعتين بعد وداعه إياها وهو يجلس يُراقب حركة الطائرات بالمطار.
أثقل قدميه الشعور بالعجز فلم يقو على مغادرة المكان إلا بعد أن رأى خطوط النور بدأت تعلو بالسماء فعاد لمنزله.

كانت زميلته بالجامعة، أحبها في صمت لعلمه أنه يحتاج لسنوات حتى يقدر على الزواج بها. اكتفى بأن يتابعها بشغف. يعلم ما تحب وما تكره ويحفظ عن ظهر قلب صدى ابتسامتها ويعلم قلبه بحضورها قبل أن تملئ المكان حوله.

انتهت أيام الجامعة ولم ينتهي من قلبه حبها، مضيت قدماً بحياتها وهي لا تدري بمن يذوب في تفاصيلها فتزوجت وأنجبت ثم بعد سنوات قابلته بالصدفة في مؤتمر وجلسا ليتحدثا ليبوح لها بكل ما يملك منها في قلبه. لتفاجئه بأنها كانت تشك بأنه يحبها فلا يوجد امرأة لا تستطيع قراءة نظرات رجل يحبها، قضيا وقتاً طويلاً يتحدثان ثم أعلنت هي أنها يجب أن تذهب لبيتها وزوجها ليوصلها بسيارته ويترك قلبه يرحل معها.

بدأ يتولد لديه بعض الأمل، مَنْ مِنا لن يوهم نفسه ببعض الأمل مقابل ألا يخسر ما يعتبره حب العمر !
عاش على أمله الذي كان يُلد في خطٍ موازٍ له شعور بالعجز، فالأمل بلا أمل هنا.

كان يطير في السحاب إن هو سمع صوتها على الهاتف لثوانٍ، كان يعيش فقط لأجل تحقيق الأمل بحياة معها.

ثم علم بالصدفة من صديق مشترك لهما أنها سوف تهاجر مع زوجها وطفلها إلى الخارج، تتبع معلومات الرحلة حتى وصل لموعدها ولم شتات نفسه وركب سيارته وقلبه يسبقه وهو يتجول في طرقات المطار وحوله البشر الذين يبدو عليهم الضياع، غالباً ما يبدو البشر بالمطارات وكأنهم تائهون. كمن ترك بوصلته خلفه ليمضي بلا إرشاد.
ما إن وصل للمكان المتواجدة به ولمحها من بعيد تقف مع عائلتها تودعهم حتى توقفت قدماه عن الحركة ولكن قلبه كان قد سبقه إليها فنظرت نحوه وكأنها كانت تعلم مسبقاً أنه هناك، تسللت من خيوط العائلة وذهبت إليه لتودعه، عناق حار طال لدرجة لفتت أنظار من حولهما فاضطرا لإنهائه. قَبّل كلاً منهما أنامل الأخر وكأنه يأسر رائحته ليحتفظ بها معه .. وتبادلا نظرات لا معنى لها سوى سوف أجدكِ أو تجدينني يوماً ما إن لم يكن فى الدنيا ففى مكانٍ أخر .. وكلمات أخرى كثيرة تبادلتها عيونهما ثم تركته لتعود لزوجها لتلحق بموعد الهجرة. فتترك خلفها كومة مشاعر جُمدت في شكل إنسان تَمَلّك منه العجز.

جلس يُراقب حركة الطيور الحديدية في سماء المطار وفكر لأول مرة في معنى الحدود والمسافات التي تتسع على اتساعها والتأشيرات التي تُعلن فوز أرضٍ أخرى باستقبال أحبتنا و الأوطان التي يغادرونها فينا.
يُفكر في صعوبة قدرته على استقلال أياً من هذه الطائرات، فقط يدخل للمطار يدخل من البوابات العديدة ليصل في سلام لسُلم الطائرة فيجلس ينتظرها تعلو به في السماء متتبعة خطوات قلبه. لماذا لا نجد قدرات سحرية خارقة حينما نحتاجها !
جلس يُحدق في الطائرة التي تبدو ضخمة في البداية ثم تبعد وتبعد فيصغر حجمها إلى أن يظهر مجرد وميض يخبو ويضئ بشكل منتظم من الطائرة ويظل يخفت كمؤشر نبض لمريض بالقلب فى لحظاته الأخيرة ..إلى أن يستحيل هذا المؤشر إلى خط مستقيم مغلف بصمت .. ليعلن وفاة المريض أو اختفاء الأحبة فى السماء.

"بيني وبينك سور ورا سور ..  وأنا ولا مارد ولا عصفور"*


*كلمات: نجيب سرور

ساره عاشور  

السبت، 6 أكتوبر 2012

ألم


يقولون أن المال هو أصل كل الشرور ولكنهم نسوا أن الحب أيضاً يحظي بنصيب كبير من هذه الشرور. ولقد اجتمع في حكايته الاثنان.

"اكتم جرحك ببعض البُنْ لتوقف الدماء."
تذكر نصيحة والدته هذه عندما كان صغيراً وتُجرح قدمه وهو يلعب مع أصدقائه من الجيران. جرى إلى المطبخ يبحث في الظلام وأمسك ما ظن أنه علبة البن وأخذ قليلاً وسريعاً وضعه على الجرح النافذ بيده ثم انطلقت منه صرخة فقد وضع الملح وأحرقه الجرح.
للحظة أعجبه الوجع هذا، فانتظر قليلاً حتى اعتاده جسده ثم أعاد وضع ذرات أخرى من الملح دون أن يصرخ هذه المرة. يُغريه تحدي قدرته على تحمل الألم أو ربما يشعر بالاثارة.

هو من إحدى أغنى العائلات بالمدينة التي كان يعيش بها، لم يكن ينقصه أي شيء .. سواها.
من عائلة ثرية هى الأخرى ولكنها مطلقة !
صرخت به والدته: مطلقة !! لماذا؟!! هل ينقصك أي شيء حتى تأخذ ما تركه غيرك !
استغرب التعبير من والدته المتعلمة وصاحبة المركز الاجتماعي فقال لها كيف تفكرين بهذه الطريقة !
قالت: لا تقاتل في شيء ستخسره مؤكداً بالنهاية، اترك هذه السخافات ونحيها عن عقلك تماماً، العائلات كثيرات والفتيات كثيرات فلتختار من تشاء.
فقال لها ولكني اخترت بالفعل وانتهى الأمر.

ذهب ليُفتش عن أي شيء يُطهر يه جرحه ولكن الظلام مازال مستمر وهو لا يحفظ أماكن الأشياء جيداً بالفيلا، لا يقضي بها الوقت الكافي ليحفظ مكان أي شيء ثم رجع للغرفة التي ألقى بها جثتها.

بعد صراع طويل مع نفسه، قرر أن يقتلها ويُبريء شرفه الذي لوثته. خطط لنفسه.

- سأدخل من الباب الخلفي بعد أن أفصل الكهرباء عن المكان ثم أذهب لغرفتها، الوقت متأخر لذا ستكون نائمة ولن تقاومني كثيراً. سأذهب بهدوء وأضع المخدة بقوة على وجهها فتذهب ملعونة.
لكن ماذا إن قاومت بشدة ! لا أستطيع استعمال المسدس لصوته العالي، إذن سكين سيكون كافي لحسم المسألة.

وذهب والخطة باء "السكين" في جيبه. وكل الأفلام التي شاهدها من قبل تُعرض في رأسه. ما عليه تجنبه حتى لا يترك أدلة وما عليه فعله .. يعرف كل خطوة تماماً.

كانت والدته قد قضت يوم زفافه وسط دموعها وكأنها تُشيع ولدها لمثواه الأخير. وزوجته كانت في قمة سعادتها مثله فقد حظي كلٍ منهما بمن كان يُمني نفسه به.
رغم تحذيرات والدته العديدة بأن المُطلقات هؤلاء ساقطات إلا أنه لم يستمع لها أبداً ومضى قدماً في خططه.
لم تأتي لزيارته في الصباح التالي ليوم زفافه ولا بعد أن عاد من اجازة شهر العسل حتى ذهب هو لزيارتها .. وحده.

حاول أن يصل للدائرة الكهربية ليُعيد التيار إلى المكان ولكنه لا يعرف طريقه جيداً حتى يعود من حيث أتى، حتى وقف ليُغمض عينيه ويُعيد خطواته في عقله حتى علم إلى أين يذهب .. ثم عاد النور للمكان ورأى الفوضى التي أحدثها فجلس في مكانه .. بلا ندم. فقط ليُرتب ما سيفعل.

- أنا جئت هنا حتى أطمئن عليها. لما لم تأتِ للباب الرئيسي ذهبت للباب الخلفي ودخلت لأجد المكان في هذه الفوضى.

أشعل سيجارة حتى يُمكنه التفكير جيداً، يجب أن تكون انفعالاته مضبوطة حتى لا يكشفه المحقق. ثم عليه أن يتذكر ماذا لمس وإذا كان هناك أي شيء يدل على تورطه في هذه الجريمة. وقام ليمسح كل شيء لمسه جيداً وينظر لكل الأثار على الأرض. ثم نظر للجرح الحديث بيده ولم يدر كيف يفسره وإذا كان هناك حتماً دمه على السكين ! كيف سيفسر هذا ؟! وإن قام بمسح السكين، فأي قاتل هذا الذي سيترك خلفه سكين نظيف ! وإذا تخلص من السكين سيظنون أنها جريمة مخطط لها جيداً ويجب أن يبحثوا جيداً خلف الموضوع.

أشعل سيجارة ثانية، كلمات والدته لعبت بتفكيره بمرار وضح على تصرفاته معها. كان يتذكر أنها تتركه يمسك يدها أو يقبلها وهي ليست زوجته. إذاً والدتي على حق فهي عاهرة وإلا لماذا تركها زوجها السابق !

سيجارة ثالثة، هل تسرعت في قتلها !
هل تفكر في هذا الآن؟!

سيجارة رابعة وتذكر احساس الملح على جرحه فذهب للمطبخ، أحس بانتشاء كمن أخذ للتو جرعة مخدرة. ترك السيجارة على المنفضة ثم ذهب إلى غرفتها ووقف يُحدق بجثتها.
جلس بجانبها في وضع القرفصاء وهو يحدق في عينها الزجاجية الخالية منها، ثم نظر للجرح بيده وقام واقفاً.

ضربها بقدمه بشدة .. بغضب، لأنها أفسدت خطته.

لم تكن أول مرة التي يقوم بضربها، ولم تكن أول مرة التي يعلم بها مدى انتشائه من الألم ولكنها أول مرة يُجرب الانتشاء من ألم بجسده هو وليس بصرخة منها. عرف أن تحكمه بنفسه أكبر والنشوى التي أحس بها هي حتماً الأعمق حتى الآن.

رجع للسيجارة فوجدها قد تحولت لرماد، فكر في حرق الفيلا بجثتها ولكن تذكر الفيلم الذي فعل فيه مجرم ذلك ولكن الشرطة توصلت للسبب الحقيقي للحريق ووصلت له وأيضاً هذا الجرح في يده كيف يفسره !

قال: لقد وقعت على السكين.
ثم جلس يضحك وهو يُشعل السيجارة الخامسة ويهز في رأسه من غباء البعض.

ثم خطر بباله أن يقول أنه لحق بالقاتل الذي قام بضربه ثم هرب !

نعم إنها فكرة جيدة ولكن أحتاج إلى جرح على رأسي وإلا كيف هرب هذا الوغد، قالها بجبين مقطب وابتسامة شيطانية.

انتهى من سيجارته ومن ترتيب قصته ومن التأكد أن لا شيء يحوي بصمته أو دليل لإدانته وقام بالاتصال بالشرطة وهو يصرخ: أحدهم قتل زوجتي ثم بكى فحاولوا تهدئته ثم طلبوا منه اسمه وعنوانه فأعطاهم المعلومات وأغلق الهاتف.

قام بتنظيف المنفضة من السجائر المحترقة وطمأن نفسه أنه لا يوجد أي دليل على ادانته. وذهب ليتصل بوالدته ليُعلن لها الخبر المُفرح بأنها تخلصت من وصمة العار لعائلتها وهو في قمة الهدوء الذي بث الرعب في نفسها.

هكذا كان انتهى من كل شيء وجلس ينتظر الشرطة وهو يعيد تمثيل انفعاله ثم يضحك، يسرد القصة ويضحك .. يضغط على الجرح الموجود بيده ويعلو ضحكه ما إن سمع صوت سيارات الشرطة فصمت وذهب ليفتح لهم باب الفيلا ثم عندها تذّكر ..

في كل فيلم شاهده كان دائماً ما ينسى المجرم شيء يدينه، ولكنه حسب أن ذكائه سينجيه ولكنه نسي.
لم يكسر الباب ليكون مكان دخول القاتل ولم يبعثر محتويات غرفتها ويُخفي الأموال دليل على السرقة والأهم الذي نسيه والذي حتماً سيودي به لحبل المشنقة .. دمه الموجود على السكين بجانبها ودمه الموجود تحت أظافرها .. نسي دليل إدانته وسط انتشائه بالألم فابتسم ابتسامته الشيطانية للمرة الأخيرة.


ساره عاشور