الأحد، 23 سبتمبر، 2012

وداع


جلس على الكرسي أمام المصور وهو يستمع لتعليماته
"اجعل ظهرك مستقياً أكثر ..
ابتسم .. هيا إنها صورة مهمة."
شد عضلات وجهه بصعوبة ليجعل ابتسامته أعرض، من يحمل هموم كهمومه تجعل عملية الابتسام شبه مستحيلة. استقام ظهره واعتدل بجلسته وأعاد أكتافه للوراء. اقترب منه المصور ليحرك ذقنه قليلاً ليبرز الجانب الجيد من وجهه ثم رجع لمكانه خلف الكاميرا ونظر من خلال عدستها ثم نظر له مرة أخرى وسأله: أين ذهبت الابتسامة الآن .. هيا.
فشد وجهه مرة أخرى وابتسم :)

ما كان يدور برأسه هو أهمية تلك الصورة له، صورة لجواز سفره حتى يتمكن أخيراً من الهجرة.
لم يلمح المصور الصبغة الحديثة بشعره لصغر سنه النسبي فلا يتوقع أحد أن شعره الأسود هذا ليس طبيعياً، ولم يلاحظ علامات الارهاق على وجهه نتيجة السهر المطول بصحبة السجائر والقهوة، لا يلحظ المصورون غالباً أشياء كهذه يُهمه أكثر الابتسامة حتى تكون صورة مناسبة لأهميتها عند العميل الجالس أمامه.

عندما علمت والدته بوصول التأشيرة لم توافق على ذلك، لا تريده أن يغادر وطنه .. يغادرها هي ..
تلاعبت بأعصابه بكل ما تملك من أسلحة، هددته أنها ستغضب عليه، ثم أعلمته بمرضها وأنها تملك أيام معدودة عليه أن يقضيها معها. ثم بكت .. دموعها كانت أخر ما تملك، الماء المالح من عينيها والتوسل.

أعاده صوت فلاش الكاميرا ثم تنهيدة المصور لأن عليه إعادة التقاط الصورة ..

"اجلس باستقامة ..
ابتسم ..
أعد أكتافك للوراء قليلاً ..
ثم أشار له بيده ليعيد ذقنه كما عدّلها له هو."

يشد عضلات وجهه فيبستم .. يذهب عقله مع السفر فتذهب الابتسامة عن وجهه.

انزعج المصور وهو يضغط بيده على وجهه: سيكون يومٌ طويل. ثم يتذكر أن عميله مازال في الغرفة فيستدير ليبتسم له ببعض الحرج.
قال له: سأتيك بكوب ماء ولنأخذ راحة 5 دقائق ثم نعيد المحاولة. وتركه وخرج من الغرفة دون أن يشعر فهو كان قد ذهب بالفعل مع تخيله أصوات الطائرة.

أحتاج للمال بشدة وأحتاج أن أبتعد عن هنا أشدّ .. كل ما هو هنا يُذّكرني بها. قال لوادته وهو يسألها رضاها عنه.
طأطأت رأسها وأغمضت عينها لتداري الدموع، ثم رفعت رأسها فيدها واحتضنته وهي تُربت على ظهره بحنان جعله يسقط عميقاً في بحر من البكاء والحنين والغربة.
قالت له: ياولدي أعلم أن ذكراها صعبة ولكنه ليس معقولاً أن تهرب منها، هل تعتقد أنك ستترك ذكرياتك معنا هنا .. هل تظن بأننا جميعاً لن نبقى بعقلك وبقلبك !
ووضعت يدها على صدره وهي تقول الكلمة الأخيرة ثم استكملت: لن نُفارقك، لذلك لا أجد جدوى من هروبك أو سفرك هذا. ستبقى هي معك ولن ترحل لمساتها عنك.
استمر في البكاء في حضن والدته ويعلو بكائه كلما رأى وجهها وتذّكر عينيها التي كان يعشقهما ويتذكر صوتها وكلمة أحبكَ الحانية منها، كانت قادرة أن تُذيب كل همومه عنه بمجرد أحبك وهي مبتسمة له بشقاوة الأطفال.
حاول طردها من رأسه فاعتدل في جلسته ومسح وجهه بيديه ثم التفت لوالدته ووجهه تملئه الجدّية وقال: لا أهرب ولكني فقط أريد بداية جديدة في مكان جديد لا يوجد به ما يُشبهها، هل تعلمين أني أراها في كل شارع مشيت معها به؟
هل تعلمين أني لا أزال أشعر بلمسة يدها على وجهي وأصابعها وهي تملئ الفراغ بين أصابعي؟
ومكان الحادث ياوالدتي والمكالمة المشئومة أني أصبحت روح وحيدة بالعالم !
لن أستطيع أن أحيا هنا وكل الأماكن تعبق بها. مسحت والدته على رأسه وهي تقرأ له القرآن وعندما انتهت ببث قليل من الراحة في روحه كان قد استقر بأمره على السفر وفهمت هي ذلك من نظرة عينه.

فتح عينه ليجد المصور ينظر له وهو يقول: لم أشأ ازعاجك فجعلت الخمس دقائق ربع ساعة كاملة، مستعد الآن؟
ابتسم له واعتدل في جلسته بظهر مستقيم وأكتاف معتدلة وذقن في اتجاه صحيح
وابتسامة غير مشدودة ..

ثم صوت فلاش ..

وداع بمطار وأزيز طائرة ..
ثم أرضٍ جديدة استقبله فيها وجهها الحاني فلم يقدر سوى على أن يبتسم لقدره ..


ساره عاشور

الثلاثاء، 18 سبتمبر، 2012

كاد يكون ..


مرت بيدها على الفستان الأبيض أمامها، أعجبها العمل المُتقن به والرقة والبساطة التي يُوحي بها. لمعة بعينيها أوحت للبائعة أنها حتمًا ستشتريه فاقتربت منها لتسألها إن كانت تبحث عن شيء معين ثم أمسكت بالفستان الذي أعجبها وأثنت على ذوقها العالي وبدأت في حديث الباعة الذي يبدو دائمًا وكأنه لن ينتهي عن نوع الأقمشة المستخدم ومميزاتها عن غيرها ثم نوع الزينة المستخدمة وأنها مُحكمة الصنع لن تنفرط بسهولة من الفستان كحال البعض الأخر وبقيت تتحدث وتتحدث وهي تقف أمامها تنظر لفمها الذي يتحرك ولا تسمع غير كلمة أو كلمتين من الجُمل وتنقل عينها بين البائعة والفستان الذي بيدها ثم خرجت مُسرعة من المحل وتركت البائعة في حالة ذهول لم تَطول لاقتراب شارية محتملة أخرى ..
أطلقت ساقيها للريح، لا تتذكر ماذا ركبت ولا بمن اصطدمت وليست متأكدة كيف وصلت للمنزل وهي بهذه الحالة التي ظنت معها أنها ستتوه حتمًا وسط الزحام وأمواج البشر حولها.
وصلت لمكتبها وفتحت جهاز الكمبيوتر وانتظرت اكتمال الاتصال بالانترنت ثم فتحت الايميل واختارت اسمه، بعد رؤيتها لما كان يمكن أن يكون فستان زفافها .. جلست تكتب لمن كاد أن يكون زوجها:

"اليوم تأكدت أن الأمل قد ضاع بالفعل ..
لا أدري لماذا أكتب لك الآن وأنا التي أصبحت غريبة عنك .. أنا من كادت أن تكون شريكتك في رحلة الحياة.
فقط مررت بما كان يمكن أن يكون فستان زفافي .. زفافي إليك !
كان وكأنه طُرّز من أجلي فقط ولكن لا يوجد بدلة ستقف بجانبه الآن ..

فقررت أن أكتب لك كل ما كان يجول بخاطري طوال الفترة الماضية. بالطبع لا أعلم أي شيء عن حالك ولا إن كان يُهمك كل ما سأعترف لك به .. نعم هو أقرب للاعتراف من مجرد الحديث أو البوح، أنا سأعترف لك لأغتسل من ذنبي أمامك فأمضي دونه لأكمل حياتي.
أن استطعت اكمالها ..

إخبار كذبة منمقة أفضل كثيرًا من قول الحقيقة مجردة، هذا ما كنت تريد مني فعله وما كنت تريد سماعه وهذا ما نصحني به جميع من حولي. أن أكبت داخلي كُل ما كان ينمو تجاهك لأبتسم بوجهك كاذبة وأخبرك أني بخير كاذبة ويُمكن أن أزيدها بـ أحبك وأيضًا كانت ستكون كاذبة .. كان يمكنني بالفعل أن أقوم بهذه المسرحية ببراعة، بعض النساء تملك قدرات تمثيلية بارعة لن تستطع معها أن تفرق بين الصدق والكذب.
لدي هذه المقدرة على ما أعتقد ولكن ليس لدي قدرة تحمل الاستمرار بها لوقت طويل .. كعمري كله مثلًا.

منذ لحظة دخولك لمنزل عائلتي واعلان خطبتنا ثم دبلتك التي خنقت اصبعي، هل قلت لك من قبل أنها كانت بالفعل تخنق اصبعي؟
هل رأيت آثار الازرقاق عليه؟
بالطبع لا .. كذبة تمت بإتقان.
بعدها ومحاولاتك وعائلتي لدفعي في طريق لا يستهويني، محاولة جعلي زوجة مستقبلية والنصائح التي ملئت رأسي والأشياء التي مُنعت عني أو التي أصبح عليَّ فعلها وفوق هذا كان عليَّ أن أقول لك أنت الغريب عني بكل خلية فيك أنني أحبك !

هكذا بكل بساطة لمجرد أن دبلتك تخنق اصبعي أصبح علي أن أخنق قلبي معه. ولكني حاولت بالفعل حاولت إرضاءً لوالدتي وأحيانًا لك أنت لمحاولاتك المستميتة لإرضائي، كنت أحاول خنق قلبي بدبلتك.
حاولت التعايش في لحظات الفتيات تلك أنني الآن مخطوبة فعليَّ إتقان هذا الدور بكل جوانبه، أغير ملابسي لتتماشى وذوقك أو لوضعي الاجتماعي الجديد وكأني كنت ألبس فقط لجذبك والآن انتهت المهمة ثم أغير ما أفكر به ليصبح المنزل والأطفال ولون غرفتهم وحتى علي أن أغير طريقة مشيتي.

ثم بدلًا عن استكمال ذلك الدور الذي يعيشه الجميع بأن أقف بجانبك بفستان أبيض مبتسمة قررت أن أعيش دور أخر، إرجاع الهدايا لعائلتك والمرور بعاصفة من الرفض من عائلتي وعليّ ألا أنهار.

حاولت بالفعل التماشي مع جانبي الأنثوي الذي كان كالجميع يطمح لكل ذلك ولكن بجانب شخص ينظر له بإنبهار ولا يجعله يتلبس دور لا يليق به. لا يتعايش بحياة لا يطيقها. يكون فقط نفسه.

خلعت دبلتك عن اصبعي ليعود الدم له فيحيا .. ويعود الدم لقلبي فينبض.

أنا قررت أن أكون شجاعة بالنيابة عن كلانا فأنهي هذه المسرحية الطويلة قبل أن تبدأ وأضع نهاية لتعاسة قبل أن تبدأ.
لن أطيل عليك حتى لا أفتح جراح يجب أن تُضمد الآن ..

أقول لك الآن ورغم شبه الانهيار الذي حل بي أنني لم أحبك ومن اعترافي هذا تنتج القوة التي تجعله يقف عند كونه فقط شبه انهيار.
أقول لك الحقيقة مجردة لأن هذا حقك عليَّ ..
أقول لك أنني اكتشفت عدم قدرتي الكاملة على تمثيل الأدوار بإتقان ..
فسامحني .. "

ثم ضغطت إرسال وأغلقت جهاز وذهبت لتنام لأول مرة منذ فترة طويلة نوم عميق.


ساره عاشور

الأربعاء، 5 سبتمبر، 2012

كابوس


اه ما هذا الجو البارد؟ وهذا الظلام !
أين أنا؟!

يحاول التعرف على المكان حوله، حاول الاعتدال ولكنه لم يستطع أن يُحرك سوى عينيه فأصابه الذُعر. حاول الصراخ كي ينجده أحد ولكن لا صوت يخرج منه. تجول بعينيه حوله في فزع، بدأ يتأكد أن ما يوجد حوله هنا هو ثلاجة للموتي يظهر ذلك من أبوابها المرصوصة في صفوف فوق بعضها، ثم تلك الأدوات هناك حتماً للتشريح وهذا المكتب هو للطبيب والبرودة التي أشعر بها إما من التكييف الموجود بالغرفة أو المنضدة الملقى عليها جسدي .. ماذا أتى بي إلى المشرحة !!
أغمض عينيه مسترجعاً أخر خطواته ثم فتحهم فجأة وسؤال يُلح على عقله، هل أنا ميتٌ إذاً ؟!
أغلق عينه وأحس بدمعة منحدرة على وجهه ففكر: لا يوجد جثة تبكي !
تلفت حوله بعينه يبحث عن الطبيب، هل هو هنا؟ هل رأي تلك الدمعة؟! أنا لست ميتاً !
لو فقط أستطيع التحدث لقلت ذلك لهم فيتركوني دون عذاب.

أغمض عينيه مرة أخرى ..

فتحهما ليجد نفسه على سرير بمستشفى وأجهزة عديدة متصلة بجسده وقناع الأكسجين فوق وجهه لذا مجدداً لن يستطيع التحدث، تنفس عميقاً بارتياح فحتماً وجوده بالمشرحة هذا كان حلم لا أكثر ولكن ماذا أتى به إلى هنا الآن !
لا يشعر بأي وجع وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يُحرك أياً من ذراعيه أو أقدامه فلا يُمكنه نزع هذا القناع ولا يُمكنه سؤال أحد عن سبب وجوده هنا ولا ماذا به ومرة أخرى هو بحالة غريبة لا يدري لها سبباً لا يستطيع التحرك ولا يوجد أي أحد حوله !

أغمض عينيه لتأخذه من هذا المكان ..

فتحهما ..

وجد نفسه في مكان ضيق وسواد حالك يُحيط به يجلس في وضع جنيني لضيق المكان ركبتاه ملتصقتان في صدره، أمامه باب صغير مد يده إليه ودفعه ولكنه لا يتحرك .. ضم يده لتُشكل قبضة وراح يضرب بها على الباب ولكن لا مُجيب ..
أصابه الرعب من المكان الذي يوجد به عندما تذكر أنه قبل ذهابه في نوبات السُبات تلك، فتح عينه ليجد نفسه في مقبرة !

شخص حي محبوس بمقبرة مخيفة حيث لا صوت سوى السكون الذي يطبق على العظام ولا يوجد سوى هواء خانق تملئه رائحة الموت ودقات قلبه الذي يكاد ينخلع من صدره يظن أنها ستصم أذنيه ..

ظل يضرب بيده على الباب وينادي بعلو صوته: أنا حي !! هنا شخص حي .. أغيثوني .. ولا مجيب.
مئات بل ألوف من الأفكار والذكريات تتدفق على مخه وكل خلية عصبية تعمل بما يفوق طاقته فشعر وكأن مخه سينفجر، يحاول أن يعرف ماذا كان يفعل قبل أن يصحو في هذا الكابوس ثم سأل نفسه في حيرة هل يصحو أحد في كابوس أم هو من الأشياء التي تجعلنا نهرب من النوم، منها ؟!
فحاول أن يُغمض عينه مرة أخرى لعله تُفتح فيكون بسريره وكل هذا ما هو إلا كابوس مرير ولكن حتى النوم هرب منه على عكس ما أراد هو .. هرب النوم من هذا الكابوس ولم يستطع هو الهروب ..

تمكن منه الاعياء أخيراً وراح في غيبوبة عميقة بلا أحلام ولا كوابيس ..

لا يعلم كم مر به من وقت حتى فتح حانوتي هذه المقبرة ليجده مكوماً بجانب الباب في حالة شديدة من الجفاف، فزع الرجل من الخطأ الذي حدث وعندما تخيل كم الرعب الذي حتماً مر به هذا البائس حتى ملأت القشعريرة أنحاء جسده وخرج مُسرعاً يطلب من أي حد يقابله في وجهه أن يطلب الاسعاف وهو يُتمتم بآيات قرآنية عديدة مختلفة لا يدري كم منها كان صحيحاً ..

فتح عينه مجدداً ليجد نفسه على سرير في مستشفى وأجهزة متصلة بجسده وقناع أكسجين معلق بوجهه، تملكه رعب مرة أخرى. قرر ان يختبر جسده فحاول رفع يده ليزيل القناع عن وجهه ويُنادي على أحدهم ووجد يده تتحرك بسهولة فتنهد عميقاً ولكن لا يعرف أياً من هذه الأحلام التي راودته كان صحيحاً .. بحث حوله حتى وجد زر استدعاء الممرضة فجائته وهي فرحة لاستيقاظه أخيراً فقد ظن الأطباء أنه سيبقى طويلاً بهذه الغيبوبة. فسألها عما لحق به فهربت من السؤال بأن قالت له أن أحد الأطباء سيشرح له ما حدث ولكنه الأن عليه أن ينام ويرتاح قليلاً حتى يستعيد جسده عافيته. ولكنه خشي إغلاق عينه مجدداً فيخرج من هذا المكان فألح عليها أن تقول له ما حدث فخرجت وعادت ومعها الطبيب الذي قابله بابتسامة وهو يقيس له نبضه وينظر لكل الأجهزة حوله ليتأكد من أنه في حالة أفضل الأن ثم سأله: ماذا حدث لي؟ ماذا جاء بي هنا؟
فهز الطبيب رأسه في أسى وقال له: فلنبتعد الأن عن هذا الكلام يجب عليك الراحة.
فقال له: أرجوك أخبرني أخشى أن أغلق عينيا فأصحو في مكان أخر.
فقال الطبيب: كنت في عملك وجائتك نوبة قلبية وعندما وصلت لغرفة الطواريء كان قد توقف قلبك، لم يبذل الأطباء كل الجهود المطلوبة في مثل هذه الحالات لقلة الامكانيات ولم ينتبه لحالتك الممرضين أو الدكتور المتواجد بالمشرحة.
فهي فعلاً حالة عجيبة لا نقابلها كثيراً ولكن نحمد الله على نجاتك من كل ذلك .. حتماً قد هدك الرعب.
الأن أنت بخير ولكن فقط لن تستطيع التحرك على قدميك وسنرتب لك مع طبيب نفسي ليُزيل عنك أثار هذه الحالة وتم ترتيب كرسي متحرك لك.
فقال: قدمي ! الاثنان؟
هز الطبيب رأسه بالموافقة.
فقال: هل لي ببعض مسكن الأن حتى أستطيع النوم دون كوابيس ....


ساره عاشور

السبت، 1 سبتمبر، 2012

وجهان


وجهان يشتركان في درجة اللون الخمري، يشتركان في الابتسامة التي تحمل من الحزن أكثر مما تحمل من السعادة وتشتركان في عينين تصرخان من الوحدة .. ويشتركان في تحملهما للحزن والوحدة بقوة تبدو كثيرًا في ملامحهما.

ولكن يختلفان في سن كلٍ منهما. إحداهما مُقبلة على الخمسين والأخرى في الخامسة والثلاثين.


يشتركان في أنهما يملأن منزليهما بأصوات الموسيقى والأغاني لتعطيهما الاحساس بالونس بأن هناك من يتحدث في أرجاء المنزل غيرهما. احساس مؤقت بالرفقة وشعور عابر بالامتلاء.

35:
تقضي لياليها دائمًا بجانب جهاز الراديو تستمع لبرنامجها الليلي الذي يُناقش المشاكل العاطفية، هو الآن المُفضل لديها ولكنها سابقًا كانت تسخر من مُقدمه وطريقته في التحدث ومن المتصلات ومن الفكرة كلها، لم تكن تؤمن بأنه حقيقي لا يوجد من هو على هذا القدر من الوحدة ليتصل ببرنامج اذاعي ويشكو وحدته أمام -من يعلم كم عددهم- المستمعين ويطلب الاستماع لأغنية محددة لتعطيه الاحساس بأن هناك من يهتم لأن يُعطيه ما يطلب كما يطلب ويُسمعه ما يُريد أن يسمع .. الآن عرفت كم وحدة هؤلاء للجوء لهذه البرامج فقررت أن تهاتف البرنامج لتعتذر لهم جميعًا.
- هي: ألو .. ممكن أتكلم على الهواء؟
- المُعد: طبعًا حضرتك ممكن بس ياريت اسمك وبياناتك.
-هي: اسمي .... ، رقمي ......، أي حاجة تانية؟
- المُعد: لا كده تمام، حضرتك هتستني معانا شوية وبعدين تبقي ع الهوا المكالمة هتكون مش أزيد من دقيقتين وأي كلام خارج من أي نوع هيتقطع عليكي الخط فورًا.
- هي: أكيد طبعًا، متخافش .. مستنية.
بعد دقائق ...
- المذيع: معانا اتصال هاتفي، نقول ألو
- هي: ألو .. ممكن أشارك مع حضرتك؟
- المذيع: طبعًا حضرتك مشتركة معانا يااستاذة ....... اتفضلي
- هي: (تبتسم) شكرًا .. أنا مش هاخد من وقتك كتير، كنت بس حابة أعتذر لحضرتك وكل مستمعينك لأني من سنة تقريبًا كنت ببص للبرنامج واللي بيشتركوا فيه بسخرية واستهزاء وكنت فاكرة إن الموضوع كله حاجة مُدبرة عشان تملوا وقت الهوا لكن أنا دلوقت عرفت إن فعلًا فيه ناس وحيدة في العالم برة .. غيري .. وإننا كلنا محتاجين لونيس زي برنامج حضرتك. أنا أسفة (بصوت مجروح يكاد يبكي) أنا فعلًا أسفة ..
- المذيع: (على درجة من الاستغراب من الموقف كله فيضحك للتخفيف عنها) حضرتك شكرًا طبعًا لتصرفك الراقي ومفيش داعي للأسف فيه ناس مش بتعرف ايه موجود في العالم غير لما تجربه. تحبي تسمعي ايه معانا؟
- هي: (تحاول أن يبدو صوتها رائقًا) اممممم .. ممكن أغنية صباح ومسا لفيروز؟
- المذيع: ممكن طبعًا وأحب أشكرك مرة تانية على مشاركتك معانا وتقدري تتصلي بينا في أي وقت .. و دلوقت هنسمع صباح ومسا لفيروز ونقول لصديقة البرنامج الجديدة ...... : كلنا سوا .. مفيش حد لوحده.

أغلقت الهاتف واحتضنت المخدة وابتسمت وهي تستمع لفيروز ومنتشية باحساسها أنها وجدت من يُلبي لها طلبها.


الأغنية موجودة بالفعل في قائمة أغانيها المفضلة التي تستمع لها يوميًا، لا يوجد أي احساس بالانتصار لأنها أخذت شيء جديد ولكنه ذلك الاحساس أنك طلبت شيء محدد وبسيط وتم الاستجابة لطلبك هكذا بكل بساطة دون أي نقاشات مطولة عن جدوى طلبها لشيء موجود عندها بالفعل أو السؤال عن ماذا ستكسب من وراء ذلك !
احساس كانت تفتقده في زواجها الفاشل فكل حركة وطلب يجب أن يمر أولًا بنقاشات وجلسات ويمكن بعد استنزاف أعصابها في هذا كله أن يُصدر زوجها قراره بأن هذا مجرد مضيعة للوقت و"أنها تافهة وطفولية !"

"صباح ومسا .. شي ما بينتسى
تركت الحب وأخدت الأسى
لعل وعسى، اترك هالأسى
ويرجع لي حبي .. صباح ومسا"

ما إن انتهت الأغنية حتى كانت استسلمت للنوم واحساس الانتشاء هذا يغمرها .. راحة مؤقتة كانت تفتقدها ..

50:
تقضي الليالي ساهرة وظهرها محني فوق ماكينة الخياطة الخاصة بها، شهور طويلة وهي تقصقص أقمشة وترسم "باترونات" وتختار موديلات للفستان المثالي لابنتها. كل ليلة تقيس محيط الصدر وتُعيد قياس محيط الوسط وتُعلم هنا للقص وتضع دبوس هناك كعلامة للزينة وهنا بالظهر سيكون الشريط الأبيض الذي يشد "الكورسيه" ليكون الفستان المثالي بحق.

كل ليلة تتبع تقريبًا نفس الخطوات، ترفع رأسها للحظات لتغمض عينها عند مقطعها المفضل من أغنية "أم كلثوم" وتسأل نفس السؤال: "ومين بيحس يا ست؟!" وتبتسم نفس الابتسامة عند نفس الاجابة ثم تتنهد وتنحني مجددًا لتنتهي من عملها المثالي المنظم ..

كل ليلة تجمع ما تنتهي من عمله لتضعه بخزانة الملابس، تضعه بحرص واهتمام فوق ما يسبقه من أعمالها المثالية المتقنة وتبقى لدقائق تتأملها والدموع بعينها. وتمسح فوق الفستان بيدها ليضيع أي أثر لأي انكماش بالأقمشة فكل شيء يجب أن يكون مثالي لابنتها. ثم تنادي عليها، تنادي باسمها وترفع رأسها وتغمض عينها وتجهش بالبكاء لما تكتشف أنها وحدها وأن تعبها كان بلا طائل وأن ابنتها ليست هنا ولن تقيس فستانها المثالي.

تبكي نفسها حتى النوم .. كل ليلة ..

لتصحو بالنهار على صوت الهاتف من ابنها الذي يتصل بها يوميًا بنفس الموعد ليطمئن عليها وأنها تأخذ كل أدويتها في مواعيدها فهو لا يُريد أن يذهب للبحث عنها مجددًا فيخسر مجددًا في عمله.
فتطمئنه أنها بخير وأن أدويتها في مواعيدها اليومية كما يؤكد عليها كل يوم، ثم تبتسم وتقول: أو ممكن تيجي تتأكد بنفسك !
يتنهد بعصبية مكبوتة: ماما مش هقدر أجيلك، كل يوم هقولك نفس الكلام؟ وبعدين كفاية خياطة، نظرك هيروح !
فتحبس دموعها وأهاتها التي أحست بها تحرق صدرها: حاضر ياحبيبي. سلام دلوقت.
وتغلق معه الهاتف لتذهب للتأكد أن كل الفساتين موجودة بمكانها ولم تأتي ابنتها لتأخذها وهي نائمة ولم تشعر بها.
تفتح لحارس العقار الذي يأتي لها بالغداء يوميًا بعد مكالمة ابنها.
تجلس .. تأكل .. ترمي الأدوية ثم تذهب لتأتي بالأقمشة التي تحتفظ بكمية كبيرة منها بعد أخر مرة هربت بها من حصار ابنها عليها.

وتنصت باهتمام عند مقطعها المفضل من أغنية أم كلثوم ..

"أنساك، ده كلام
أنساك، ياسلام
أهو ده اللي مش ممكن أبدًا ولا أفكر فيه .. أبدًا"

وتضحك عندما تسمع من ابنتها اجابتها المفضلة: حلو الفستان قوي يا أحلى أم في الدنيا ..
لتتنهد وتحني رأسها مجددًا لإستكمال الفستان ..


ساره عاشور